وليصن لسانه عن الكذب والغيبة ونفسه عن الشهوات
Its commentaries
(وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ مُشَاتَمَةٍ وَسَائِرَ جَوَارِحِهِ عَنْ الْجَرَائِمِ فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِارْتِكَابِهَا،
بِخِلَافِ ارْتِكَابِ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمِ كَالِاسْتِقَاءَةِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»
وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ الصِّيَامُ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» وَلِأَنَّهُ يُحْبِطُ الثَّوَابَ، فَالْمُرَادُ أَنَّ كَمَالَ الصَّوْمِ إنَّمَا يَكُونُ بِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الرَّدِيءِ
لَا أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِهِمَا فَإِنْ شَتَمَهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ لِخَبَرِ «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ» يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ بِنِيَّةِ وَعْظِ الشَّاتِمِ وَدَفْعِهِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ جَمْعٍ وَصَحَّحَهُ،
ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَحَسَنٌ.
وَقَالَ: إنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إمْسَاكِ صَاحِبِهِ.
عَنْهُ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ مَرْدُودٌ بِالْخَبَرِ الْمَارِّ (وَنَفْسُهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ) مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ وَالْمَلَابِسِ إذْ ذَلِكَ سِرُّ الصَّوْمِ وَمَقْصُودُهُ الْأَعْظَمُ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ عَنْ الْهَوَى وَتَقْوَى عَلَى التَّقْوَى بِكَفِّ جَوَارِحِهِ عَنْ تَعَاطِي مَا يَشْتَهِيهِ.
قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: وَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا الْعَطْفُ لِأَنَّ النَّوْعَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْأَمْرِ بِهِمَا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَمْرُ إيجَابٍ،
وَالثَّانِي اسْتِحْبَابٌ اهـ.
وَالْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَا تَمَحَّلَهُ الشَّارِحُ لِعِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ بَعِيدٌ.
قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ الْخَتْمِ الَّذِي عَلَى فَمِي.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ) أَيْ ثَوَابُهُ.
[فَرْعٌ] لَوْ تَابَ هَلْ يَسْلَمُ الصَّوْمُ مِنْ النَّقْصِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ وَأَنْ يَكُونَ غَايَتُهَا دَفْعَ الْإِثْمِ خَادِم اهـ عَمِيرَةَ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ) أَيْ بِأَنْ يَتْرُكَهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ فَحَسَنٌ) .
[فَائِدَةٌ] قَالَ حَجّ فِي فَتَاوِيهِ الْحَدِيثِيَّةِ: هَلْ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ أَفْضَلُ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَعِبَارَتُهُ: وَالذِّكْرُ الْخَفِيُّ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَمَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ وَمِنْهُ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الرِّيَاءُ،
وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ فَلَا يُعَدُّ بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا فِي قَلْبِهِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: لَا ثَوَابَ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ اللِّسَانِ حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ،
أَمَّا اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِذَلِكَ وَتَأَمَّلْهُ لِمَعَانِيهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي شُهُودِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيّ «الذِّكْرُ الَّذِي لَا تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا» اهـ بِحُرُوفِهِ
(قَوْلُهُ: عَنْ الْهَوَى) بِالْقَصْرِ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ الْخَتْمِ إلَخْ)
وَمِثْلُهُ الْخَاتَمُ الَّذِي عَلَى فَمِ الْعِبَادِ وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِارْتِكَابِهَا) هُوَ بِالْفَاءِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْجَأَ الشَّيْخَ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى ضَبْطِ يُبْطِلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فَيَكُونُ فَاعِلُهُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الصَّائِمِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا يُلَائِمُهُ، لَكِنْ هُوَ فِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْفَاءِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهَا
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) هَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ وَحَاصِلُ الْمُرَادِ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَدَلَ إلَى قَوْلِهِ وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ فَاللَّامُ الْأَمْرِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ الْمُفِيدَةِ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الدَّقَائِقِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا مَسْنُونٌ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، قَالَ: فَلَا حَاجَةَ إلَى عُدُولِ الْمِنْهَاجِ عَمَّا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّارِحُ هُنَا بِمَا تَرَى
Adds nothing on this mas’ala.
(وَلْيَصُنْ) نَدْبًا مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ) حَتَّى الْمُبَاحَيْنِ
بِخِلَافِ الْوَاجِبَيْنِ كَكَذِبٍ لِإِنْقَاذِ مَظْلُومٍ وَذِكْرِ عَيْبِ نَحْوِ خَاطِبٍ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» وَنَحْوُ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ يُبْطِلُ ثَوَابَ صَوْمِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَأَقَرَّهُمْ فِي الْمَجْمُوعِ وَبِهِ يُرَدُّ بَحْثُ الْأَذْرَعِيِّ حُصُولَهُ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ أَيْ أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَبْطُلُ أَصْلُ صَوْمِهِ وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَخَبَرِ خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْكَذِبُ وَالْقُبْلَةُ وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ بَاطِلٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ فَالْمُرَادُ بُطْلَانُ الثَّوَابِ لَا الصَّوْمِ نَفْسِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَمِنْ هُنَا حَسُنَ عَدُّ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ أَدَبِ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا مُطْلَقًا اهـ.
وَعَنْ نَحْوِ الشَّتْمِ وَلَوْ بِحَقٍّ فَإِنْ شَتَمَهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ وَلَوْ فِي نَفْلٍ إنِّي صَائِمٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ بِذَلِكَ أَيْ يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ تَذْكِيرًا لَهَا وَبِلِسَانِهِ حَيْثُ لَمْ يَظُنَّ رِيَاءً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا زَجْرًا لِخَصْمِهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْأَوْلَى بِلِسَانِهِ (وَ) لِيَصُنْ نَدْبًا أَيْضًا (نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ) الْمُبَاحَةِ مِنْ مَسْمُوعٍ وَمُبْصَرٍ وَمَشْمُومٍ كَنَظَرِ رَيْحَانٍ أَوْ مَسِّهِ بَلْ قَالَ الْمُتَوَلِّي بِكَرَاهَةِ نَظَرِهِ وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِكَرَاهَةِ شَمِّ مَا يَصِلُ رِيحُهُ لِدِمَاغِهِ أَوْ مَلْبُوسٍ فَإِنَّ ذَلِكَ سِرُّ الصَّوْمِ وَمَقْصُودُهُ الْأَعْظَمُ لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا الْأَكْمَلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
(قَوْلُهُ نَدْبًا) إلَى قَوْلُهُ فَإِنْ اقْتَصَرَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ حَتَّى الْمُبَاحَيْنِ إلَى وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ وَقَوْلُهُ كَمَا دَلَّتْ إلَى وَخَبَرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ حَتَّى الْمُبَاحَيْنِ) أَيْ: كَالْكَذِبِ لِحَاجَةٍ مِنْ إصْلَاحِ الْبَيْنِ وَغَيْرِهِ وَالْغِيبَةِ لِنَحْوِ تَظَلُّمٍ كُرْدِيٌّ عَلَى بَافَضْلٍ
(قَوْلُهُ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ) إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ كَمَا دَلَّتْ إلَى وَعَنْ نَحْوِ الشَّتْمِ
(قَوْلُهُ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ لِسَانَهُ سم
(قَوْلُهُ وَنَحْوُ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ إلَخْ) أَيْ: دُونَ الْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُحْبَطُ ثَوَابُ الصَّوْمِ وَإِنْ نُدِبَ تَرْكُهُ كُرْدِيٌّ عَلَى بَافَضْلٍ.
(قَوْلُهُ يُبْطِلُ ثَوَابَ صَوْمِهِ إلَخْ) وَلَوْ اغْتَابَ أَيْ: مَثَلًا وَتَابَ لَمْ تُؤَثِّرْ التَّوْبَةُ فِي النَّقْصِ الْحَاصِلِ بَلْ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ فَقَطْ قَالَهُ السُّبْكِيُّ تَفَقُّهًا وَجَرَى عَلَيْهِ الْخَادِمُ
وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمُ لَوْ رَفَثَ ثُمَّ تَابَ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ عَادَ حَجُّهُ كَامِلًا وَلَا فَرْقَ فِي التَّوْبَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَضَاءِ زَمَنُ الصَّوْمِ أَوْ بَعْدَهُ إيعَابٌ وَفِي ع ش عَنْ عَمِيرَةَ مِثْلُهُ.
(قَوْلُهُ وَبِهِ يُرَدُّ إلَخْ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالنُّصُوصِ
(قَوْلُهُ حُصُولَهُ) أَيْ: الثَّوَابِ
(قَوْلُهُ مِمَّا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ إلَخْ) وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ لِلْمُصَلِّي فِي الْمَغْصُوبِ لَكِنْ يَأْتِي فِي الرِّدَّةِ مَا يُخَالِفُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْحَقُّ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ يَبْطُلُ) أَيْ: ارْتِكَابُ الصَّائِمِ مُحَرَّمًا
(قَوْلُهُ وَخَبَرِ خَمْسٌ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ بَاطِلٌ
(قَوْلُهُ وَمِنْ هُنَا) أَيْ: بُطْلَانِ ثَوَابِ الصَّوْمِ بِنَحْوِ الْغِيبَةِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ إلَخْ) أَيْ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ وَ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: عَلَى الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَعَنْ نَحْوِ الشَّتْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ عَنْ الْكَذِبِ
(قَوْلُهُ تَذْكِيرًا لَهَا) أَيْ: لِتَصْبِرْ وَلَا تُشَاتِمْ فَتَذْهَبَ بَرَكَةُ صَوْمِهَا أَسْنَى وَإِيعَابٌ زَادَ الْمُغْنِي
فَائِدَةٌ سُئِلَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ كَمْ وَجَدْتَ فِي ابْنِ آدَمَ مِنْ عَيْبٍ فَقَالَ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَاَلَّذِي أَحْصَيْته مِنْهَا ثَمَانِيَةُ آلَافِ عَيْبٍ وَيَسْتُرُ جَمِيعَ ذَلِكَ حِفْظُ اللِّسَانِ اهـ
(قَوْلُهُ وَبِلِسَانِهِ إلَخْ) وَهُوَ أَيْ الْجَمْعُ بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ حَجّ فِي فَتَاوِيه الْحَدِيثِيَّةِ فِي جَوَابِ هَلْ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ أَفْضَلُ أَوْ غَيْرُهُ؟ مَا نَصُّهُ " وَالذِّكْرُ الْخَفِيُّ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَا هُوَ لَا بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ وَلَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ، وَمِنْهُ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ أَيْ: لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الرِّيَاءُ
وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ نَفْسَهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِحَرَكِهِ لِسَانِهِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا فِي قَلْبِهِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ لَا ثَوَابَ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ اللِّسَانِ حَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ الْمَخْصُوصُ،
أَمَّا اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِذَلِكَ وَتَأَمُّلُهُ لِمَعَانِيهِ وَاسْتِغْرَاقُهُ فِي شُهُودِهِ تَعَالَى فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيّ الذِّكْرُ الَّذِي لَا تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا انْتَهَى " اهـ.
ع ش عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي فَتَاوِيه الْحَدِيثِيَّةِ الصُّغْرَى، وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي آخِرِ مَجْلِسِ الذِّكْرِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ اللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ اهـ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ أَنَّهُ يَنَالُ الْفَضِيلَةَ إذَا كَانَ مَعْذُورًا أَمْ لَا وَهَلْ إذَا قَرَأَ بِقَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ مِنْ عُذْرٍ يَنَالُ الْفَضِيلَةَ أَمْ لَا فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ذِكْرًا مُتَعَبَّدًا بِلَفْظِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ فَضِيلَةٌ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْضَارُهُ لِمَعْنَاهُ مِنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ بِقَلْبِهِ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ النَّوَوِيِّ الْمَذْكُورِ وَقَوْلِهِمْ ذِكْرُ الْقَلْبِ لَا ثَوَابَ فِيهِ فَمَنْ نَفَى عَنْهُ الثَّوَابَ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ وَمَنْ أَثْبَتَ فِيهِ ثَوَابًا أَرَادَ مِنْ حَيْثُ حُضُورُهُ بِقَلْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى بِلِسَانِهِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ
(قَوْلُهُ الْمُبَاحَةِ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ وَالْقُبْلَةِ فِي الْمُغْنِي إلَّا مَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ
وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ كَنَظَرِ رَيْحَانٍ إلَى فَإِنَّ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ مِنْ مَسْمُوعٍ إلَخْ) أَيْ: وَمَلْمُوسٍ مُغْنِي
(قَوْلُهُ كَنَظَرِ رَيْحَانٍ إلَخْ) أَيْ: وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ مُغْنِي
(قَوْلُهُ وَمَلْبُوسٍ) وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ شَرْحُ بَافَضْلٍ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ: كَفَّ جَوَارِحِهِ عَنْ تَعَاطِي مَا تَشْتَهِيهِ نِهَايَةٌ وَإِيعَابٌ
(قَوْلُهُ لِيَتَفَرَّغَ إلَخْ) أَيْ لِتَنْكَسِرَ نَفْسُهُ عَنْ الْهَوَى وَتَقْوَى عَلَى حَقِيقَةِ التَّقْوَى إيعَابٌ وَنِهَايَةٌ.
(قَوْلُهُ عَلَى وَجْهِهَا الْأَكْمَلِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ الْخَتْمِ الَّذِي عَلَى فَمِي نِهَايَةٌ وَإِيعَابٌ قَالَ ع ش
وَمِثْلُهُ الْخَاتَمُ الَّذِي عَلَى فَمِ الْعِبَادِ وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَيُسْتَحَبُّ إلَخْ) وَلَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ لَيْلًا وَنَوَتْ الصَّوْمَ وَصَلَّتْ أَوْ صَامَ الْجُنُبُ بِلَا غُسْلٍ صَحَّ رَوْضٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ لِسَانَهُ. قَوْلُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ إلَخْ) يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ عَلَى خَرْقِ الْأُذُنِ نَزَلَ بِطَبْعِهِ إلَى بَاطِنِهَا وَلَمْ يَتَأَتَّ عَادَةً دَفْعُهُ عَنْ النُّزُولِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا وَضَعَ الْمَاءَ فِي نَحْوِ الْفَمِ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يُفْصَلَ فَيَلْتَزِمَ الْفِطْرَ بِلُزُومِهِ لِمَا ذُكِرَ كَمَا تَقَدَّمَ بَحْثُ ذَلِكَ عَنْ نَحْوِ الْأَذْرَعِيِّ فِي مَبْحَثِ الْمُبَالَغَةِ
Adds nothing on this mas’ala.
(وَلْيَصُنْ) أَيْ الصَّائِمُ نَدْبًا (لِسَانَهُ عَنْ) الْفُحْشِ مِنْ (الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ) وَالنَّمِيمَةِ وَالشَّتْمِ وَنَحْوِهَا، لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» .
وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ الصِّيَامُ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْبِطُ الثَّوَابَ.
فَإِنْ قِيلَ: صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ، فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِارْتِكَابِ ذَلِكَ،
بِخِلَافِ ارْتِكَابِ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ كَالِاسْتِقَاءَةِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَحَدِيثُ «خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ» إلَى آخِرِهِ ضَعِيفٌ وَإِنْ صَحَّ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَالْمُرَادُ بُطْلَانُ الثَّوَابِ لَا الصَّوْمِ.
قَالَ: وَمِنْ هُنَا حَسُنَ عَدُّ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ آدَابِ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا مُطْلَقًا،
فَإِنْ شَتَمَهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ» يَقُولُ بِقَلْبِهِ لِنَفْسِهِ لِتَصْبِرْ وَلَا تُشَاتِمْ فَتَذْهَبَ بَرَكَةُ صَوْمِهَا كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ، أَوْ بِلِسَانِهِ بِنِيَّةِ وَعْظِ الشَّاتِمِ وَدَفْعِهِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ جَمْعٍ وَصَحَّحَهُ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ جَمَعَهُمَا فَحَسَنٌ.
وَقَالَ: إنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إمْسَاكِ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ مَرْدُودٌ بِالْخَبَرِ السَّابِقِ.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ كَمْ وَجَدْتَ فِي ابْنِ آدَمَ مِنْ عَيْبٍ؟ قَالَ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَاَلَّذِي أَحْصَيْتُهُ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ آلَافِ عَيْبٍ. قَالَ: وَيَسْتُرُ جَمِيعَ ذَلِكَ حِفْظُ اللِّسَانِ. (وَ) لْيَصُنْ (نَفْسَهُ) نَدْبًا (عَنْ الشَّهَوَاتِ) الَّتِي لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ مِنْ الْمَشْمُومَاتِ وَالْمُبْصِرَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ كَشَمِّ الرَّيَاحِينِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَمْسِهَا وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرَفُّهِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ حِكْمَةَ الصَّوْمِ، وَهِيَ لِتَنْكَسِرَ النَّفْسُ عَنْ الْهُوَى وَتَقْوَى عَلَى التَّقْوَى، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
(وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَنَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ)
قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: اشْتَرَكَ النَّوْعَانِ فِي الْأَمْرِ بِهِمَا لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَمْرُ إيجَابٍ،
وَالثَّانِيَ اسْتِحْبَابٌ اهـ وَقَوْلُ الْمُحَرَّرِ،
وَأَنْ يَصُونَ اللِّسَانَ، يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ السُّنَنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّرْحِ كَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ صَوْنُ لِسَانِهِ عَنْ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَيْنِ فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِارْتِكَابِهِمَا،
بِخِلَافِ ارْتِكَابِ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ كَالِاسْتِقَاءَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى عُدُولِ الْمِنْهَاجِ عَمَّا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَفُّ عَنْ الشَّهَوَاتِ، الَّتِي لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ كَشَمِّ الرَّيَاحِينِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَمْسِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرَفُّهِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ حِكْمَةَ الصَّوْمِ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
قَوْلُهُ: (وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ إلَخْ) وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ لِنَظِيرِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (النَّوْعَانِ) أَيْ الْحَاصِلَانِ مِنْ اللِّسَانِ وَالنَّفْسِ وَالْقَلْبِ كَاللِّسَانِ فِي الْغِيبَةِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ) أَيْ فَالْإِيجَابُ لَا مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَاجَةَ إلَى عُدُولِ الْمِنْهَاجِ) عَنْ ذِكْرِ السُّنَّةِ إلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَشَمِّ الرَّيَاحِينِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَمْسِهَا) وَهِيَ مَا لَهَا رِيحٌ طَيِّبٌ كَالْمِسْكِ وَالطِّيبِ وَالْوَرْدِ وَالنِّرْجِسِ وَالرَّيْحَانِ،
وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا وَسَوَاءٌ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ
أَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ لَيْلًا وَأَصْبَحَ مُسْتَدِيمًا لَهُ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا فِي الْمُحْرِمِ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ مَا يُخَالِفُهُ وَيُوَافِقُهُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ التَّرَفُّهِ) وَمِنْهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ. قَوْلُهُ:
(قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي الصَّوْمِ،
وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُومَ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ فَلَا يَمْشِي بِرِجْلِهِ إلَى بَاطِلٍ وَلَا يَبْطِشُ بِيَدِهِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَلَا يُدَاهِنُ وَلَا يَقْطَعُ الزَّمَنَ بِالْأَشْعَارِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي لَا طَائِلَ تَحْتَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ انْتَهَى خُصُوصًا مَا يَحْرُمُ مُطَالَعَتُهُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ
فَرْعٌ: لَوْ تَابَ مَنْ ارْتَكَبَ فِي الصَّوْمِ مَا لَا يَلِيقُ ارْتَفَعَ عَنْ صَوْمِهِ النَّقْصُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ بِالْجِيمِ أَيْ تَجْبُرُ بِمَعْنَى تُزِيلُ مَا وَقَعَ قَبْلَهَا.
وَلَوْ فَطَّرَ صَائِمًا قَدْ فَعَلَ مَا لَا يَلِيقُ،
وَلَوْ مِمَّا يُحْبِطُ أَجْرَهُ لَمْ يَفُتْ الْأَجْرُ عَلَى مَنْ فَطَّرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْوَجِيهِ فَرَاجِعْهُ .
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَمْرُ إيجَابٍ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَدْ يَكُونُ أَمْرَ نَدْبٍ كَمَا فِي أَحْوَالِ جَوَازِ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَنَّهُمَا قَدْ يَكُونَانِ وَاجِبَيْنِ كَمَا فِي التَّخَلُّصِ مِنْ ظَالِمٍ، وَكَمَا فِي مَسَاوِئِ الْخَاطِبِ، وَنَحْوِهِ وَرَدَّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، وَاعْتَرَضَ أَيْضًا بِأَنَّ الْغِيبَةَ تَكُونُ بِالْقَلْبِ، فَقَيْدُ اللِّسَانِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَرَدَّ بِأَنَّهُ يُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّ اللِّسَانَ آلَةُ الْقَلْبِ ثُمَّ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ) أَيْ ثَوَابُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ تَابَ هَلْ يَسْلَمُ الصَّوْمُ مِنْ النَّقْصِ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ وَأَنْ يَكُونَ غَايَتُهَا دَفْعَ الْإِثْمِ خَادِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ إلَخْ) وَفِي الْحَدِيثِ «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا السَّهَرُ» ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَمَّا كَانَا يُحْبِطَانِ الثَّوَابَ حَسُنَ عَدُّ الِاحْتِرَازِ عَنْهُمَا مِنْ آدَابِ الصَّوْمِ.
قال: (ونفسه عن الشهوات) المسموعات والمبصرات والمشمومات ولو كانت مباحة؛ لأن ذلك سر الصوم والمقصود الأعظم منه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:(الصوم جنة) أي: بقي موارد الهوى والهلكات،
ومن هنا تؤخذ كراهة شم الريحان والطيب للصائم، وبه صرح المتولى.
وقال: المحاملي والجرجاني: يكره للصائم دخول الحمام، يعني: من غير حاجة، وكأنه لإضعافه عن العبادة
قال في (الدقائق): (ونفسه عن الشهوات) مستحب، ولا يمنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكن الأول إيجاب والثاني أمر ندب، عكس:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ}.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.