ولا من جهل تأخر موته
Its commentaries
(وَلَا) يَرِثُ (مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ) عَنْ مُوَرِّثِهِ بِأَنْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ مَثَلًا أَوْ بِطَاعُونٍ وَنَحْوِهِ بِمَكَانٍ وَلَمْ نَعْلَمْ الْمُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا فَيُقَدَّرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يُخَلِّفْ صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا خَلَّفَ الْأَحْيَاءَ مِنْ وَرَثَتِهِ
فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ لَهُ مِنْهَا تَحْتَ هَدْمٍ وَجُهِلَ مَوْتُ السَّابِقِ مِنْهُمْ وَتَرَكَ الْأَبُ زَوْجَةً أُخْرَى وَتَرَكَتْ الزَّوْجَةُ ابْنًا لَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبْعُ وَمَا بَقِيَ لِلْعَاصِبِ وَمَالُ الزَّوْجَةِ لِابْنِهَا الْحَيِّ وَسُدُسُ مَالِ الْبَنِينَ لِأَخِيهِمْ لِأُمِّهِمْ وَبَاقِيهِ لِلْعَاصِبِ وَسَقَطَ بِمَنْ يَسْقُطُ بِهِ الْأَخُ لِلْأُمِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَانِعِ شَرْطٌ فَشُرُوطُ الْإِرْثِ خَمْسَةٌ وَأَسْبَابُهُ ثَلَاثَةٌ نِكَاحٌ أَوْ قَرَابَةٌ أَوْ عِتْقٌ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ مَثَلًا) أَيْ أَوْ بِغَرَقٍ أَوْ بِحَرْقٍ وَشَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مَا إذَا مَاتَا مَعًا أَوْ مُتَرَتِّبِينَ وَجُهِلَ السَّابِقُ
(قَوْلُهُ: زَوْجَةٌ أُخْرَى) أَيْ وَعَاصِبٌ كَعَمٍّ مَثَلًا
(قَوْلُهُ: وَبَاقِيهِ) أَيْ بَاقِي مَالِ الْبَنِينَ
(قَوْلُهُ: وَسَقَطَ) أَيْ ذَلِكَ الْأَخُ بِمَنْ يَسْقُطُ بِهِ الْأَخُ لِلْأُمِّ كَابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ لِلْمَيِّتِ وَبِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ لَهُ وَجَدٍّ لِلْمَيِّتِ
Adds nothing on this mas’ala.
ص (وَلَا مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ)
ش: فَرْعٌ مَنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ، وَمَاتَ لَهُ قَرِيبٌ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ صَوَّبَ قَوْلَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ انْتَهَى.
(وَلِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) ش: تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ الشَّكَّ وَهُوَ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ: فِي تَأَخُّرِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ الثَّانِي فِي الْوُجُودِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْخُنْثَى مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: فِي ضَبْطِهِ وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبَعْدَهَا أَلِفُ تَأْنِيبٍ مَقْصُورَةٍ، وَالضَّمَائِرُ الرَّاجِعَةُ إلَى الْخُنْثَى مُذَكَّرَةٌ،
وَإِنْ بَانَتْ أُنُوثَتُهُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَةَ شَخْصٍ صِفَتُهُ كَذَا
وَكَذَا، وَجَمْعُهُ خَنَاثَى وَخَنَاثٍ.
الثَّانِي: فِي اشْتِقَاقِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَنِثَ الطَّعَامُ إذَا اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَخْلُصْ طَعْمُهُ الْمَقْصُودُ.
الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْخُنْثَى الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا انْتَهَى.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ مَنْ لَهُ ذَكَرُ الرِّجَالِ، وَفَرْجُ النِّسَاءِ وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ،
وَقِيلَ: إنَّهُ يُوجَدُ مِنْهُ نَوْعٌ آخَرُ لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا لَهُ ثَقْبٌ بَيْنَ فَخِذَيْهِ يَبُولُ مِنْهُ لَا يُشْبِهُ وَاحِدًا مِنْ الْفَرْجَيْنِ.
الرَّابِعُ: فِي أَقْسَامِهِ، وَالْخُنْثَى عَلَى قِسْمَيْنِ: مُشْكِلٌ، وَوَاضِحٌ
فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ فَرْجَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ مُشْكِلٌ أَبَدًا،
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاضِحًا بِأَنْ تَنْبُتَ لَهُ لِحْيَةٌ أَوْ ثَدْيٌ،
وَأَمَّا مَنْ لَهُ الْآلَتَانِ فَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ حُكِمَ بِذُكُورِيَّتِهِ،
وَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ عَلَامَاتُ النِّسَاءِ حُكِمَ بِأُنُوثَتِهِ وَيُسَمَّى مَنْ ظَهَرَتْ فِيهِ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ وَاضِحًا،
وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعَلَامَاتُ وَاسْتَوَتْ فِيهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشْكِلَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُ الْآلَتَانِ وَاسْتَوَتْ فِيهِ الْعَلَامَاتُ، وَنَوْعٌ لَيْسَ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الْآلَتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَهُ ثَقْبٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْخَامِسُ: فِي وُجُودِ الْخُنْثَى أَمَّا الْوَاضِحُ فَمَوْجُودٌ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُودِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى إمْكَانِ وُجُودِهِ وَوُقُوعِهِ وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى أَهْلُ الْفَرَائِضِ، وَالْفُقَهَاءُ مَسَائِلَ هَذَا الْبَابِ وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مِنْ التَّابِعِينَ، وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ خُنْثَى مُشْكِلٌ قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُضَيِّقُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى،
وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَلَامَةٍ تُزِيلُ إشْكَالَهُ.
السَّادِسُ: فِي أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ خَلْقٌ ثَالِثٌ مُغَايِرٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَوْ هُوَ أَحَدُهُمَا لَكِنْ أُشْكِلَ عَلَيْنَا وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} ،
فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ ثَالِثٌ لَذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ، قَالَ الْعُقْبَانِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْآيَةَ إنَّمَا سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى الزَّاعِمِينَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَدًا فَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا ذَكَرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ بَنَاتٍ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِنْهُمَا وَلَدٌ، وَهُوَ الْخَالِقُ لَهُمَا وَلَمْ يَزْعُمْ أَحَدٌ أَنَّ لَهُ وَلَدًا خُنْثَى فَلَمْ يَحْتَجْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إلَى ذِكْرِ الْخُنْثَى، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ، وَبِقَوْلِهِ {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} قَالُوا
فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ خَلْقٌ ثَالِثٌ لَذَكَرَهُ انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ هُوَ مَا يَأْتِي فِي السَّابِعِ مِنْ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْخُنْثَى مِنْ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَلَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْنَا عَلَامَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ وَخَرَجَ الْعُقْبَانِيُّ فِي شَرْحِ الْحَوفِيِّ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ إنَّهُ صِنْفٌ ثَالِثٌ، قَالَ إذْ لَوْ كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لَمَا حَرَمَهُ الْمِيرَاثَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَقَلَّ الْمِيرَاثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِاسْتِحْقَاقِهِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ خَلْقًا ثَالِثًا انْتَهَى.
(السَّابِعُ) فِي ذِكْرِ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ حَكَمَ فِيهِ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَزَلَتْ بِهِ قَضِيَّتُهُ فَسَهِرَ لَيْلَتَهُ، فَقَالَتْ لَهُ خَادِمَتُهُ سَخِيلَةُ رَاعِيَةُ غَنَمِهِ مَا أَسْهَرَكَ يَا سَيِّدِي؟ قَالَ: لَا تَسْأَلِي عَمَّا لَا عِلْمَ لَكِ بِهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ فَذَهَبَتْ، ثُمَّ عَادَتْ، وَأَعَادَتْ السُّؤَالَ فَأَعَادَ جَوَابَهُ فَرَاجَعَتْهُ، وَقَالَتْ لَعَلَّ عِنْدِي مَخْرَجًا فَأَخْبَرَهَا بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْخُنْثَى فَقَالَتْ:" أَتْبِعْ الْحُكْمَ الْمَبَالَ " فَفَرِحَ وَزَالَ غَمُّهُ زَادَ الْمُتَيْطِيُّ، وَكَانَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَاحْتَكَمُوا إلَيْهِ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ حَكَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَالظَّرِبُ: بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَاحِدُ الظِّرَابِ وَهِيَ الرَّوَابِضُ الصِّغَارِ مِنْهُ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ الْعَدْوَانِيُّ أَحَدُ فُرْسَانِ الْعَرَبِ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ حَكَمَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتَهَى.
بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَيُرِيدُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الظَّرِبَ بِالظَّاءِ لَا بِالضَّادِ كَمَا يَقُولُهُ وَيَكْتُبُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَقَوْلُهُ:" أَحَدُ فُرْسَانِ الْعَرَبِ " كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَحَدُ حُكَّامِ الْعَرَبِ وَلَفْظُ: عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ عَامِرٍ، ثُمَّ حَكَمَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذَا الْحُكْمِ بِأَنْ جَعَلَ الْحُكْمَ لِلْمَبَالِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ كَانَ عَامِرٌ حَاكِمَ الْعَرَبِ فَأَتَوْهُ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى فَأَقَامُوا عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ يَذْبَحُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يُقَالُ لَهَا سَخِيلَةُ فَقَالَتْ: إنَّ مَقَامَ هَؤُلَاءِ أَسْرَعَ فِي غَنَمِكَ فَقَالَ: وَيْحَكِ لَمْ تُشْكِلْ عَلَيَّ حُكُومَةٌ قَطُّ غَيْرَ هَذِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَتْبِعْ الْحُكْمَ الْمَبَالَ، قَالَ: فَرَّجْتِهَا يَا سَخِيلَةُ فَصَارَتْ مَثَلًا قَالَ: الْأَذْرَعِيُّ وَفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَمُزْدَجَرٌ لِجَهَلَةِ قُضَاةِ الزَّمَانِ وَمُفْتِيَيْهِ فَإِنَّ هَذَا مُشْرِكٌ تَوَقَّفَ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ انْتَهَى.
مِنْ شَرْحِ شَيْخِنَا زَكَرِيَّاءِ لِلْفُصُولِ.
(قُلْت) وَفِيهِ عِبْرَةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ يَخْلُقُهَا الْعَلِيُّ وَيُجْرِيهَا عَلَى لِسَانِ مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ مَعْرِفَتُهَا، وَأَنَّهُ،
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إدْرَاكِهَا أَصْحَابُ الْفِطْنَةِ وَالْعُقُولِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِذَلِكَ فَقَدْ يُجْرِيهَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ مَنْ لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْقِصَّةَ فِي السِّيرَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى اسْتِيلَاءِ قُصَيٍّ عَلَى أَمْرِ مَكَّةَ، فَقَالَ أَمْرُ عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ بْنِ عُمَرَ بْنِ شُكَيْرِ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيِّ كَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا ثَائِرَةٌ وَلَا عَضَلَةٌ فِي قَضَاءٍ إلَّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ، ثُمَّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ فَاخْتَصَمُوا إلَيْهِ فِي خُنْثَى لَهُ مَا لِلرَّجُلِ وَمَا لِلْمَرْأَةِ، فَقَالَ حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِي مِثْلَ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا يُقَلِّبُ فِي أَمْرِهِ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ فِيهِ وَجْهٌ وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا سَخِيلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ فَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذَا سَرَحَتْ فَيَقُولُ: أَصْبَحْتِ وَاَللَّهِ يَا سَخِيلُ وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ أَمْسَيْتِ وَاَللَّهِ يَا سَخِيلُ وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْض النَّاسِ وَتُؤَخِّرُ الْإِرَاحَةَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النَّاسِ فَلَمَّا رَأَتْ سَهَرَهُ وَقِلَّةَ قَرَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَتْ لَهُ: مَا لَكَ لَا أَبَا لَكَ مَا عَرَاكَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ، فَقَالَ وَيْلَكِ دَعِينِي أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكِ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: وَيْحَكِ اُخْتُصِمَ إلَيَّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَا أَبَا لَكَ أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمَبَالَ أَقْعِدْهُ فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَرَجُلٌ،
وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ فَهُوَ امْرَأَةٌ، فَقَالَ أَمْسِي سَخِيلُ بَعْدَهَا أَوْ صَبِّحِي فَرَّجْتِهَا وَاَللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ حِينَ أَصْبَحَ فَقَضَى بِاَلَّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمُ السُّهَيْلِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ، وَذَكَرَ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ وَحُكْمَهُ فِي الْخُنْثَى وَمَا أَفْتَتْ بِهِ جَارِيَتُهُ سَخِيلَةُ وَهُوَ حُكْمٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ، وَالْعَلَامَاتِ وَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْقَمِيصَ الْمُدْمَى لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَرْقٌ وَلَا أَثَرُ أَنْيَابِ ذِئْبٍ،
وَكَذَا قَوْلُهُ {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّامِنُ) فِي مِيرَاثِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا (الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ نِصْفُ الْمِيرَاثَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ ذِكْرِ الْأَحْوَالِ أَوْ مَا يُسَاوِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ عَلَى أَنْ يُضَعِّفَ لِكُلِّ مُشْكِلٍ بِعَدَدِ أَحْوَالِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْكِلِينَ (الثَّانِي) لِابْنِ حَبِيبٍ إنْ كَانَ وَارِثٌ مِنْ الْخُنْثَى وَغَيْرِهِ يُضْرَبُ فِي الْمَالِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ فَيَقْتَسِمُونَهُ عَلَى طَرِيقَةِ عَوْلِ الْفَرَائِضِ فَإِذَا كَانَ وَلَدَانِ ذَكَرٌ وَخُنْثَى ضَرَبَ الذَّكَرُ بِالثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَدَّعِي وَضَرَبَ الْخُنْثَى بِالنِّصْفِ؛
لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَدَّعِي (الثَّالِثُ) لِابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا أَنَّهُ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ فَأَقَلَّ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَا يَضْرِبُ الذَّكَرُ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مَنْ يَحْجُبُهُ لَوْ كَانَ ذَكَرًا أَخَذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَأَخَذَ الْعَاصِبُ الرُّبْعَ،
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ابْنٌ ضَرَبَ الْخُنْثَى بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ النِّصْفِ إذْ النِّصْفُ أَكْثَرُ مِيرَاثِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ اثْنَانِ ضَرَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثُّلُثِ،
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بِنْتٌ ضَرَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثُّلُثَيْنِ.
(الرَّابِعُ) مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ هُوَ ذَكَرٌ زَادَهُ اللَّهُ فَرْجًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الذُّكُورِيَّةِ قَالَ وَقَدْ غَلَبَ جَانِبُ الذُّكُورِيَّةِ مَعَ الِانْفِصَالِ يَعْنِي فِي الْخِطَابِ لَوْ كَانَ الْمُخَاطَبُ رَجُلًا وَاحِدًا وَأَلْفَ امْرَأَةٍ لَخُوطِبَ الْجَمِيعُ خِطَابَ الذُّكُورِ، فَكَيْفَ وَهُوَ هُنَا مُتَّصِلٌ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ قَالَ الْحُوفِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَجْتَرِئُ أَنْ يَسْأَلَ مَالِكًا عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ قَالَ الْعُقْبَانِيُّ اُنْظُرْ مَا الَّذِي هَابُوهُ مِنْ سُؤَالِ مَالِكٍ عَنْ الْخُنْثَى انْتَهَى. وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ مَا اجْتَرَأْت عَلَى سُؤَالِ مَالِكٍ عَنْهُ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) كَالْمَشْهُورِ فِي غَيْرِ مَسَائِلِ الْعَوْلِ،
وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَوْلِ فَيُنْظَرُ كَمْ التَّقَادِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَكَمْ تَقَادِيرُ الْعَوْلِ فِيهَا وَيُؤْخَذُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الْعَوْلِ فَيُجْعَلُ عَوْلَ الْمَسْأَلَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ عَوْلُ الْغَرَّاءِ ثَلَاثَةٌ
فَلَوْ فَرَضْنَا الْأُخْتَ فِيهَا خُنْثَى فَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَوْلُ فِي حَالَةِ التَّأْنِيث فَقَطْ فَلِلْعَوْلِ تَعْدِيلٌ وَاحِدٌ وَنِسْبَتُهُ إلَى حَالِ الْخُنْثَى النِّصْفُ فَيُؤْخَذُ نِصْفُ الْعَوْلِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَوْلُ الْمَسْأَلَةِ فَتَكُونُ مَسْأَلَةُ التَّأْنِيثِ فِيهَا عَائِلَةً إلَى سَبْعَةٍ وَنِصْفٍ، وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ حِسَابِهِ، مِثَالُهُ الْغَرَّاءُ الْمُتَقَدِّمَةُ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ خُنْثَى مُشْكِلٌ فَتَقْدِيرُ الذُّكُورَةِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ بِلَا عَوْلٍ وَيَسْقُطُ الْأَخُ، وَبِتَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، وَتُعَوَّلُ لِتِسْعَةٍ وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ وَالْعِشْرُونَ مُتَوَافِقَانِ بِالثُّلُثِ، فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ فَتَضْرِبُهَا فِي حَالَيْ الْخُنْثَى تَبْلُغُ مِائَةً وَثَمَانِيَةً فَعَلَى تَقْدِيرِ التَّذْكِيرِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ: [أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ] ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ:[سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ] ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ:[ثَمَانِيَةَ عَشَرَ] .
وَعَلَى التَّأْنِيثِ لِلزَّوْجِ [سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ] ، وَلِلْأُمِّ [أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ] ، وَلِلْجَدِّ [اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ] ، وَلِلْخُنْثَى [سِتَّةَ عَشَرَ] فَيَجْتَمِعُ لِلزَّوْجِ تِسْعُونَ لَهُ نِصْفُهَا وَلِلْأُمِّ سِتُّونَ لَهَا نِصْفُهَا وَلِلْجَدِّ خَمْسُونَ لَهُ نِصْفُهَا وَلِلْخُنْثَى سِتَّةَ عَشَرَ لَهُ نِصْفُهَا وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تُعَوَّلُ مَسْأَلَةُ التَّذْكِيرِ مِنْ سِتَّةٍ وَمَسْأَلَةُ التَّأْنِيثِ مِنْ سَبْعَةٍ وَنِصْفٍ؛ لِأَنَّ الْعَوْلَ ثَلَاثَةٌ يُؤْخَذُ نِصْفُهَا وَذَلِكَ نِسْبَةُ حَالَةِ الْعَوْلِ إلَى حَالَتَيْ الْمَسْأَلَةِ.
(السَّادِسُ) مِثْلُ الْخَامِسِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ فِي الْغَرَّاءِ: إنَّمَا يَضُمُّ الْجَدُّ إلَى سِهَامِ الْأُخْتِ نِصْفَ سِهَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا أَضُمُّ جُمْلَةَ سِهَامِي إلَى جُمْلَةِ سِهَامِك وَأَنْتِ لَمْ تَسْتَوْفِي جُمْلَةَ سِهَامِك.
(السَّابِعُ) أَنَّ الْمَالَ يُقْسَمُ عَلَى أَقَلَّ مَا يَدَّعِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى سُقُوطِ أَحَدٍ مِنْ الطَّالِبِينَ.
(الثَّامِنُ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ الْخُنْثَى وَغَيْرِهِ أَقَلَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَمَنْ سَقَطَ فِي بَعْضِ التَّقَادِيرِ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا وَيُوقَفُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَمَا فِي الْمَفْقُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ أَوْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ.
(التَّاسِعُ) مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْطِي الْخُنْثَى أَقَلَّ مَا يَجِبُ لَهُ، وَيُعْطِي غَيْرَهُ أَكْثَرَ مَا يَجِبُ لَهُ وَلَا إيقَافَ.
(الْعَاشِرُ) مِثْلُ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ الْأَحْوَالَ لَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُشْكِلِينَ، بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى حَالَيْنِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ شَيْئًا وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) مِنْ أَوْجُهِ الْكَلَامِ عَلَى الْخُنْثَى، هَلْ هَذَا الْمِيرَاثُ الْمَجْعُولُ لَهُ مِيرَاثًا ثَالِثًا مَشْرُوعٌ مُغَايِرٌ لِمِيرَاثِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَمْ لَا مِيرَاثَ فِي الشَّرْعِ سِوَى أَحَدِ الْمِيرَاثَيْنِ لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ حَالِهِ تَوَسَّطْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ الْعُقْبَانِيُّ هَذَا يَنْبَنِي أَنَّهُ خَلْقٌ ثَالِثٌ وَلَيْسَ هُوَ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمَاهِيرَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ خَلْقًا ثَالِثًا فَلَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ ثَالِثٌ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى الْفَرْضِيِّينَ بِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا فِي أَوَّلِ كُتُبِهِمْ مَقَادِيرَ الْمَوَارِيثِ مِنْ فَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا مِقْدَارَ مِيرَاثِ الْخُنْثَى إلَّا فِي آخِرِ كُتُبِهِمْ، (وَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ ثَالِثٌ فَيُبَيَّنُ.
(الْعَاشِرُ) فِي السَّبَبِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِثَ بِهِ الْخُنْثَى فَإِنَّ أَسْبَابَ الْإِرْثِ ثَلَاثَةٌ: نَسَبٌ وَنِكَاحٌ وَوَلَاءٌ
فَأَمَّا مِيرَاثُهُ بِالنَّسَبِ فَسَيَأْتِي فِي الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِ الْوَلَدِ، وَالْإِخْوَةِ وَالْعَصَبَاتِ وَلَا يَتَأَتَّى فِي الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِمَنْعِ نِكَاحِهِ
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا يَكُونُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ زَوْجًا لَا زَوْجَةً وَلَا أَبًا وَلَا
أُمًّا وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَنْ وُلِدَ لَهُ مِنْ بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَرِثَ مِنْ ابْنِهِ لِصُلْبِهِ مِيرَاثَ الْأَبِ كَامِلًا،
وَمِنْ ابْنِهِ لِبَطْنِهِ مِيرَاثَ الْأُمِّ كَامِلًا وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى. غَيْرَ أَنَّ الْإِخْوَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ الْأُمِّ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ لَا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثَةِ
وَكَذَلِكَ الْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ عَصَبَاتٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ بَالَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَسْبَقَ مَزِيدُ بَيَانٍ فِيمَا إذَا وُلِدَ لِلْخُنْثَى مِنْ ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ،
وَأَمَّا مِيرَاثُهُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَتَأَتَّى إلَّا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ نِكَاحَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ نِكَاحِهِ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعَ عَشَرَ،
وَإِذَا وَرِثَ بِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ مِيرَاثُهُ،
وَأَمَّا مِيرَاثُهُ بِالْوَلَاءِ فَيَرِثُ مِنْ الْوَلَاءِ مَا يَرِثُهُ النِّسَاءُ، وَلَا يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُ فِي ذَلِكَ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، قَالَ الْعُقْبَانِيُّ قَالُوا: وَلَا يَرِثُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يُورَثُ بِالتَّعْصِيبِ الْمُسْتَكْمَلِ،
وَلَا يَسْتَكْمِلُ الْخُنْثَى تَعْصِيبًا قَالَ (قُلْتُ) : وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَرِثَ بِالْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ لَا يَرِثُ إلَّا اسْتِكْمَالًا أَوْ نِصْفًا، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَفِي هَذَا الْبَحْثِ نَشَأَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ أَنَّ الْخُنْثَى لَا يَرِثُ.
[فَرْعٌ لِإِنْسَانِ عم خُنْثَى فَوَلَد مِنْ ظهره ذكرا ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى ثُمَّ ابْن أخيه فَهَلْ يَرِث مِنْهُ ابْن الْخُنْثَى جَمِيع الْمَال] (فَرْعٌ) قَالَ الْعُقْبَانِيُّ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ لِإِنْسَانٍ عَمٌّ خُنْثَى، فَوَلَدَ مِنْ ظَهْرِهِ ذَكَرًا، ثُمَّ مَاتَ الْخُنْثَى، ثُمَّ ابْنُ أَخِيهِ فَهَلْ يَرِثُ مِنْهُ ابْنُ الْخُنْثَى جَمِيعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمٍّ أَمْ لَا يَرِثُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَرِثُ أَبُوهُ الَّذِي يُدْلِي بِهِ أَوْ يُقَالُ: إنَّ أَبَاهُ لَمَّا وَلَدَ مِنْ ظَهْرِهِ تَعَيَّنَ لِلذُّكُورَةِ، فَزَالَ عَنْهُ الْإِشْكَالُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أَيْضًا مِنْ بَطْنِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ الْكَلَامَ عَلَى الْخُنْثَى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَاعْلَمْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ فِي مَسَائِلِ الْخُنْثَى وَلْنَذْكُرْ هُنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَلِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ، وَأُنْثَى يَعْنِي أَنَّ الْخُنْثَى إذَا كَانَ وَاضِحًا فَمِيرَاثُهُ كَمِيرَاثِ الصِّنْفِ الَّذِي اُلْتُحِقَ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَلَهُ نِصْفُ نَصِيبِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ نَصِيبِ أُنْثَى،
ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: تُصَحَّحُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى التَّقْدِيرَاتِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خُنْثَى وَاحِدٌ فَتُصَحَّحُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذَكَرٌ، ثُمَّ تُصَحِّحُهَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُنْثَى، وَلَيْسَ فِي هَذَا إلَّا تَقْدِيرَانِ،
وَإِنْ كَانَ فِيهَا خُنْثَيَانِ فَتَصْحِيحُهَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمَا ذَكَرَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمَا أُنْثَيَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا ذَكَرًا، وَالْآخَرِ أُنْثَى، وَعَلَى عَكْسِهِ فَتَجِيءُ أَرْبَعُ تَقْدِيرَاتٍ،
وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ سَوَاءٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخًا وَالْآخَرُ ابْنًا،
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ خَنَاثَى فَيَأْتِي فِيهَا ثَمَانِ تَقْدِيرَاتٍ،
وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَسِتَّةَ عَشَرَ تَقْدِيرًا، وَهَكَذَا فَتُصَحَّحُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَسْأَلَتُهُ قَالَ الْمُصَنِّف، ثُمَّ تَضْرِبُ الْوَفْقَ أَوْ الْكُلَّ يَعْنِي، ثُمَّ تَضْرِبُ وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ إنْ تَوَافَقَا أَوْ تَضْرِبُ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ إنْ تَبَايَنَا وَسَكَتَ عَنْ التَّمَاثُلِ وَالتَّدَاخُلِ لِوُضُوحِ ذَلِكَ وَالْمَعْنَى أَنَّك تُحَصِّلُ أَقَلَّ عَدَدٍ يَنْقَسِمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ فِي ذَلِكَ طَرِيقَيْنِ أَسْهَلُهُمَا أَنْ تَنْظُرَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا فَتَكْتَفِيَ بِأَحَدِهِمَا إنْ تَمَاثَلَا وَبِأَكْثَرِهِمَا إنْ تَدَاخَلَا، وَبِالْحَاصِلِ مِنْ ضَرْبِ وَفْقِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ إنْ تَوَافَقَا أَوْ ضَرْبِ كُلِّهِ فِي كُلِّ الْآخَرِ إنْ تَبَايَنَا، ثُمَّ تَنْظُرُ بَيْنَ الْحَاصِلِ،
وَالثَّالِثِ وَهَكَذَا، ثُمَّ قَالَ، ثُمَّ فِي حَالَيْ الْخُنْثَى يَعْنِي إذَا حَصَلَتْ أَقَلَّ عَدَدٍ يَنْقَسِمُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخُنْثَى أَوْ عَلَى مَسَائِلِهِ فَاضْرِبْ ذَلِكَ الْعَدَدَ فِي حَالَتَيْ الْخُنْثَى يُرِيدُ إذَا كَانَ وَاحِدًا،
وَإِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَفِي أَحْوَالِهِمَا وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ،
وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَفِي أَحْوَالِهِمْ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ تَقْسِمُ الْعَدَدَ الْحَاصِلَ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخُنْثَى وَالْخَنَاثَى، وَيُجْمَعُ لِكُلِّ وَارِثٍ مَا يَخْرُجُ لَهُ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ فَمَا اجْتَمَعَ بِيَدِ كُلِّ وَارِثٍ مِنْ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا أُخِذَتْ مِنْهُ جُزْءًا بِنِسْبَةِ الْوَاحِدِ إلَى حَالَةِ الْخُنْثَى أَوْ الْخَنَاثَى فَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى وَاحِدًا فَلَيْسَ إلَّا حَالَانِ وَنِسْبَةُ الْوَاحِدِ إلَيْهِمَا النِّصْفُ فَيَأْخُذُ نِصْفَ مَا اجْتَمَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ،
وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى اثْنَيْنِ فَالْأَحْوَالُ أَرْبَعَةٌ، وَنِسْبَةُ الْوَاحِدِ إلَيْهَا رُبْعٌ فَيَأْخُذُ لِكُلِّ وَارِثٍ رُبْعَ مَا اجْتَمَعَ لَهُ،
وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى ثَلَاثَةً، فَالْأَحْوَالُ ثَمَانِيَةٌ وَنِسْبَةُ الْوَاحِدِ إلَيْهَا الثُّمُنُ فَيُعْطِي لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُمُنَ مَا اجْتَمَعَ لَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ.
(وَلَا مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ)
قَالَ الرَّاجِزُ:
وَكُلُّ مَيِّتَيْنِ شُكَّ مَنْ سَبَقَ ... كَمَيِّتَيْنِ تَحْتَ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ فَلَا تُورَثُ أَحَدٌ مِنْ آخَرَ ... إنْ لَمْ تُحَقِّقْ أَوَّلًا مِنْ آخَرَ وَإِرْثُ كُلِّ وَاحِدٍ لِمَنْ بَقِيَ ... مِنْ وَارِثِهِ فَاسْتَمِعْ تُوَفَّقْ.
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) ، وَلَا مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ (ش) أَيْ وَمِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ جَهْلُ التَّأْخِيرِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْمَوْتِ كَمَا إذَا مَاتَ قَوْمٌ مِنْ الْأَقَارِبِ فِي سَفَرٍ، أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّا نُقَدِّرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا خَلَفَ الْأَحْيَاءَ مِنْ وَرَثَتِهِ،
فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَثَلَاثُ بَنِينَ لَهُ مِنْهَا تَحْتَ هَدْمٍ وَجُهِلَ مَوْتُ السَّابِقِ مِنْهُمْ وَتَرَكَ الْأَبُ زَوْجَةً أُخْرَى وَتَرَكَتْ الزَّوْجَةُ ابْنًا لَهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا الْمَيِّتِ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَمَا بَقِيَ لِلْعَاصِبِ وَمَالُ الزَّوْجَةِ لِابْنِهَا الْحَيِّ وَسُدُسُ مَالِ الْبَنِينَ لِأَخِيهِمْ لِأُمِّهِمْ وَبَاقِيهِ لِلْعَاصِبِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُوجِبَ الْمِيرَاثِ هُنَا هُوَ حُصُولُ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ التَّقَدُّمُ بِالْمَوْتِ فَإِطْلَاقُ الْمَانِعِ عَلَيْهِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَشَمِلَ قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ مَا إذَا مَاتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا
Says nothing on this mas’ala.
(وَلَا) يَرِثُ (مَنْ جُهِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ لَمْ يُعْلَمْ (تَأَخُّرُ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةً (مَوْتِهِ) عَنْ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ بِأَنْ مَاتَا بِغَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ بِوَبَاءٍ أَوْ قِتَالٍ وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُتَقَدِّمُ وَحَالُ الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَنْبَهِمُ حَالُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الشَّكُّ هَلْ مَاتَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ أَوْ عُلِمَ سَبْقُ مَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ أَوْ عُرِفَتْ ثُمَّ نُسِيَتْ، وَمَذْهَبُنَا لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمْ وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ أَحْيَاءَ وَرَثَتِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا مِيرَاثَ بِشَكٍّ» ، وَقَوْلُ زَيْدٍ أَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنْ أَقْسِمَ مِيرَاثَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَلَمْ أُوَرِّثْ الْأَمْوَاتَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَمَرَنِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ أَقْسِمَ مِيرَاثَ مَنْ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فَلَمْ أُوَرِّثْ مَنْ عَمِيَ مَوْتُهُ. وَقَوْلُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَسَمْت أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرَّةِ فَلَمْ أُوَرِّثْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ لَمْ يَتَوَارَثْ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَلَا يَوْمَ صِفِّينَ وَلَا يَوْمَ الْحَرَّةِ وَلَا يَوْمَ قَدِيدٍ إلَّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَخَبَرُ أُمِّ كُلْثُومٍ أَنَّهَا مَاتَتْ هِيَ وَابْنَا زَيْدٍ فِي فَوْرٍ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَتَوَارَثَا، وَحَيْثُ لَا مِيرَاثَ بِالشَّكِّ فَوُجُوهُهُ كَثِيرَةٌ ذَكَرَ الْعُقْبَانِيُّ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً مِنْهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ وَلَا إرْثَ إنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْتَبَسَتْ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ وَكِتَابِيَّةٍ.
وَمِنْهَا الشَّكُّ فِي الْأَقْعَدِ، فَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ فِيمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يُقِرُّ أَنَّ وَلَاءَهُ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ لِبَنِي زُهْرَةَ مَثَلًا لَا يَكُونُ مِنْ وَلَائِهِ لَا قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ إذَا سَمَّى الْفَخِذَ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] هُوَ مِنْهُمْ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ،
فَلَوْ ثَبَتَ رَجُلٌ أَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَنْ عَصَبَتُهُ مِنْهُمْ، وَحَيْثُ يَلْتَقُونَ مَعَهُ مِنْ الْآبَاءِ كَانَ مِيرَاثُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَهْلُ بِتَعَدُّدِهِ.
وَمِنْهَا الشَّكُّ فِي سَبْقِ عِتْقِ الْأَمَةِ وَمَوْتِ زَوْجِهَا، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا مِيرَاثَ لَهَا لِلشَّكِّ، وَمِنْهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الِاسْتِلْحَاقِ،
وَإِنْ قَالَ لِأَوْلَادِ أَمَتِهِ أَحَدُهُمْ وَلَدِي عِتْقِ الْأَصْغَرِ إلَخْ، إذْ قَالُوا فِيهَا لَا إرْثَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ لِلشَّكِّ.
وَمِنْهَا الشَّكُّ فِي كَوْنِهِ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَصَدَقَتْ الْمَسْبِيَّةُ وَلَا تَوَارُثَ،
وَكَذَلِكَ الْمَحْمُولُونَ. ابْنُ يُونُسَ رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يُوَرِّثَا أَحَدًا مِنْ الْأَعَاجِمِ إلَّا مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ هَذَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ،
وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ بِهَا أَنَّ بَعْضَهُمْ وَرَثَةُ بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَتَوَارَثُونَ بِحَالٍ. ابْنُ يُونُسَ دَلِيلُ الْجَمَاعَةِ قَوْله تَعَالَى:{وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ، فَلَمْ يَخُصَّ وِلَادَةً مِنْ وِلَادَةٍ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إيجَابِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بِوِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَعَاجِمِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الشِّرْكِ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ فِي التَّوَارُثِ إلَّا الْعَدَدَ الْكَثِيرَ يُسْلِمُونَ وَيُعْتَقُونَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ، وَفَرَّقَ اللَّخْمِيُّ بَيْنَ قُرْبِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ فَيَتَوَارَثُونَ إذَا بَعُدَ زَمَانُهُمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ الْقَرَابَةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ قَدِمَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَمِنْهَا مَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ رُوحِ ابْنِهِ مَثَلًا، فَهَلْ يُجْعَلُ الْأَبُ هُوَ الْمَيِّتُ أَوَّلًا لِنُفُوذِ مَقْتَلِهِ أَوْ الِابْنُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، لِبَقَاءِ الرُّوحِ فِي أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهَذَا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا، وَقَدْ حَكَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ شُقَّ جَوْفُهُ وَأَمْعَاؤُهُ أَوْ ذُبِحَ وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى مَاتَ وَلَدُهُ أَيَرِثُهُ قَالَ نَعَمْ يُرِيدُ إلَّا الْمَذْبُوحَ فَلَا يَرِثُهُ،
وَأَمَّا الْمَشْقُوقُ الْجَوْفَ فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُجَّةٌ، نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَفِي وَوُقِفَ الْقَسْمُ لِلْحَمْلِ، [منح الجليل] الْعُتْبِيَّةِ أَجَابَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْمَذْبُوحَ لَا يَرِثُهُ،
وَأَمَّا الْمَشْقُوقُ فَفِي قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُجَّةٌ. وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي تَعْيِينِ مَنْ يُقْتَصُّ مِنْهُ إنْ قَتَلَ مَنْفُوَّ الْمَقْتَلِ شَخْصٌ آخَرُ، وَحَكَى الْفَاسِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرِثُهُ إلَّا الْمَذْبُوحَ وَالْآخَرُ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْبُوحِ لَا يَرِثُهُ أَيْضًا وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ الثَّانِيَ، وَلَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ الشَّكِّ مَوْتُ أَخَوَيْنِ مَثَلًا عِنْدَ الزَّوَالِ، أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَشْرِقِ قَبْلَ زَوَالِ الْمَغْرِبِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
الْقَاضِي الْفُقَهَاءُ يُوَرِّثُونَ الْمَغْرِبِيَّ مِنْ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمُعَدِّلُونَ يَنْظُرُونَ إلَى طُولَيْ الْبَلَدَيْنِ،
فَإِذَا عَرَفُوا فَضْلَ الْأَطْوَلِ نَظَرُوا إلَى عَدَدِ الدَّقَائِقِ وَالسَّاعَاتِ، وَاسْتَخْرَجُوا بِهِ الْمُتَقَدِّمَ وَالْمُتَأَخِّرَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ السُّنُوسِيُّ قَائِلًا أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمَيِّتَيْنِ بِبَلَدَيْنِ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ كَالزَّوَالِ لَا يَتَوَارَثَانِ، وَهَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانَ مَوْتُهُمَا بِبَلَدَيْنِ مُتَّحِدِي الطُّولِ،
أَمَّا إنْ مَاتَا بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفِي الطُّولِ فَإِنَّ زَوَالَ الْأَطْوَلِ مَثَلًا يَتَقَدَّمُ عَلَى زَوَالِ الْأَقْصَرِ بِقَدْرِ فَضْلِ طُولِهِ عَلَيْهِ، وَخُسُوفُ الْقَمَرِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَرِثَ الْمَيِّتُ بِالْمَوْضِعِ الْأَدْنَى طُولًا الْمَيِّتَ بِالْمَوْضِعِ الْأَرْفَعِ طُولًا، وَبَيَانُ وَجْهِ هَذَا مَشْهُورٌ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ولا من جهل تأخر موته يعني أن من جهل تأخر موته عن موروثه لا يرثه، كغرق أقارب أو حرقهم أو موتهم تحت هدم فيقدر أن كل واحد لم يخلف صاحبه، وإنما خلف الأحياء من ورثته،
فلو مات رجل وزوجته وثلاثة بنين له منها تحت هدم مثلا، وجهل موت السابق منهم وترث الأب زوجة أخرى وتركت الزوجة الميتة معه ابنا لها من غير زوجها الميت معهات فللزوجة الربع من مال زوجها وما بقى للعاصب، ومال الزوجة الميتة مع زوجها لولدها الحي وسدس مال البنين الميتين لأخيهم لأمهم وباقيه للعاصب. وأعلم أن موجب عدم الميراث هنا هو حصول الشك في الشرط الذي هو المتقدم، والأصل في منع الإرث بالشك إجماع الصحابة، وقد توفيت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما زوجة عمر بن الخطاب وابنها منه زيد في وقت واحد، فلم يدر أيهما مات قبل فلم يورث أحدهما من الآخر،
وكذلك أجمع الصحابة ومن بعدهم على هذا الحكم، وقد ذكر مالك في الموطإ عن غير واحد أنه لم يورث من قتل يوم الجمل ويوم صفين ويوم الحرة، فلم يرث أحد منهم من صاحبه شيئا إلا من علم أنه قتل قبل صاحبه، قال مالك: وذلك الأمر الذي لا اختلاف فيه ولا شك فيه عند أحد من أهل العلم ببلدنا. اهـ. نقله البناني.
وقال عبد الباقي: وشمل قوله: "ولا من جهل تأخر موته" ما إذا ماتا معا أو مترتبين وجهك السابق منهما، ولا يدخل في كلام المص ما إذا مات أخوان عند الزوال أحدهما بالشرق والآخر بالمغرب؛ لأن من مات عند الزوال بالمشرق متقدم موته على من مات عند الزوال بالمغرب؛ لأن زوال المشرق متقدم على زوال المغرب. قاله القرافي. وذكره أحمد أيضا. اهـ. تنبيهان: الأول: قد مر أن موانع الإرث سبعة، وقد مر الرمز لها بقولهم: عش لك رزق، وقد مر تفسيرها، وقد مر أن الشين للشك في سبب أو شرط أو مانع والتمثيل لذلك،
ومن الشك في السبب قيام بينة على أن فلانا أخو الميت الذي ترك بنتا مثلا وتعذر سؤالها فلا يرثه لاحتمال كونه أخا لأم،
ومن الشك في الشرط ما لو شك في شخص هل هو العم الأقرب للميت أو غيره من أقاربه هو الأقرب؟
فإن العلم بدرجة الوارث مع الموروث شرط احترازا عن موت رجل من قريش مثلا ولم يعلم له قريب فميراثه لبيت المال؛ لأنه لما لم يعرف الأقرب إليه منهم كان كل قرشي ابن عمه،
ولما لم تعلم درجته سقط ميراثه لفوات الشرط. الثاني: من أنفذت مقاتله ومات له قريب، حكى ابن رشد في رسم سماع ابن القاسم من كتاب الديات الخلاف في ذلك، وذكر ابن ناجي في شرح الرسالة عن ابن يونس أنه صوب قول من قال إنه لا يرث منه. قاله الحطاب.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.