وَيحل للْمُضْطَر فِي المخمصة أَن يَأْكُل من الْميتَة الْمُحرمَة مَا يسدد رمقه وَلنَا ميتَتَانِ حلالان السّمك وَالْجَرَاد وَدَمَانِ حلالان الكبد وَالطحَال
Its commentaries
(وَيحل للْمُضْطَر) أَي يجب عَلَيْهِ إِذا خَافَ على نَفسه (فِي) حَال (المخمصة) بميمين مفتوحتين بَينهمَا خاء مُعْجمَة وبعدهما صَاد أَي المجاعة موتا أَو مَرضا مخوفا أَو زِيَادَته أَو طول مدَّته أَو انْقِطَاعه عَن رفقته أَو خوف ضعف عَن مشي أَو ركُوب وَلم يجد حَلَالا يَأْكُلهُ (أَن يَأْكُل من الْميتَة الْمُحرمَة) عَلَيْهِ قبل اضطراره لِأَن تَاركه ساع فِي هَلَاك نَفسه وكما يجب دفع الْهَلَاك بِأَكْل الْحَلَال وَقد قَالَ تَعَالَى {وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم} فَلَا يشْتَرط تحقق وُقُوعه لَو لم يَأْكُل بل يَكْفِي فِي ذَلِك الظَّن كَمَا فِي الْإِكْرَاه على أكل ذَلِك فَلَا يشْتَرط فِيهِ التيقن وَلَا الإشراف على الْمَوْت بل لَو انْتهى إِلَى هَذِه الْحَالة لم يحل لَهُ أكله فَإِنَّهُ غير مُفِيد كَمَا صرح بِهِ فِي أصل الرَّوْضَة
تَنْبِيه يسْتَثْنى من ذَلِك العَاصِي بِسَفَرِهِ فَلَا يُبَاح لَهُ الْأكل حَتَّى يَتُوب قَالَ البُلْقِينِيّ وكالعاصي بِسَفَرِهِ مراق الدَّم كالمرتد وَالْحَرْبِيّ فَلَا يأكلان من ذَلِك حَتَّى يسلما قَالَ
وَكَذَا مراق الدَّم من الْمُسلمين وَهُوَ مُتَمَكن من إِسْقَاط الْقَتْل بِالتَّوْبَةِ كتارك الصَّلَاة وَمن قتل فِي قطع الطَّرِيق قَالَ وَلم أر من تعرض لَهُ وَهُوَ مُتَعَيّن
تَنْبِيه أفهم إِطْلَاق المُصَنّف الْميتَة الْمُحرمَة التَّخْيِير بَين أَنْوَاعهَا كميتة شَاة وحمار لَكِن لَو كَانَت الْميتَة من حَيَوَان نجس فِي حَيَاته كخنزير وميتة حَيَوَان طَاهِر فِي حَيَاته كحمار وَجب تَقْدِيم ميتَة الطَّاهِر كَمَا صَححهُ فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن خَالفه الْإِسْنَوِيّ
ثمَّ إِن توقع الْمُضْطَر حَلَالا على قرب لم يجز أَن يَأْكُل غير (مَا يسدد رمقه) لاندفاع الضَّرُورَة بِهِ وَقد يجد بعده الْحَلَال وَلقَوْله تَعَالَى {غير متجانف لإثم} قيل أَرَادَ بِهِ الشِّبَع قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَمن تبعه والرمق بَقِيَّة الرّوح كَمَا قَالَه جمَاعَة وَقَالَ بَعضهم إِنَّه الْقُوَّة وَبِذَلِك ظهر لَك أَن الشد الْمَذْكُور بالشين الْمُعْجَمَة لَا بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَغَيره الَّذِي نَحْفَظهُ أَنه بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كَذَلِك فِي الْكتب وَالْمعْنَى عَلَيْهِ صَحِيح لِأَن المُرَاد سد الْخلَل الْحَاصِل فِي ذَلِك بِسَبَب الْجُوع نعم إِن خَافَ تلفا أَو حُدُوث مرض أَو زِيَادَته إِن اقْتصر على سد الرمق جَازَت لَهُ الزِّيَادَة بل وَجَبت لِئَلَّا يهْلك نَفسه
تَنْبِيه يجوز لَهُ التزود من الْمُحرمَات وَلَو رجا الْوُصُول إِلَى الْحَلَال وَيبدأ وجوبا بلقمة حَلَال ظفر بهَا فَلَا يجوز أَن يَأْكُل مِمَّا ذكر حَتَّى يأكلها لتحَقّق الضَّرُورَة وَإِذا وجد الْحَلَال بعد تنَاوله الْميتَة وَنَحْوهَا لزمَه الْقَيْء أَي إِذا لم يضرّهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّة نَص الْأُم فَإِنَّهُ قَالَ وَإِن أكره رجل حَتَّى شرب خمرًا أَو أكل محرما فَعَلَيهِ أَن يتقايأ إِذا قدر عَلَيْهِ وَلَو عَم الْحَرَام جَازَ اسْتِعْمَال مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يقْتَصر على الضَّرُورَة قَالَ الإِمَام بل على الْحَاجة قَالَ ابْن عبد السَّلَام هَذَا إِن توقع معرفَة الْمُسْتَحق إِذْ المَال عِنْد الْيَأْس مِنْهَا للْمصَالح الْعَامَّة وللمضطر أكل آدَمِيّ ميت إِذا لم يجد ميتَة غَيره كَمَا قَيده الشَّيْخَانِ فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة لِأَن حُرْمَة الْحَيّ أعظم من حُرْمَة الْمَيِّت واستثني من ذَلِك مَا إِذا كَانَ الْمَيِّت نَبيا فَإِنَّهُ لَا يجوز الْأكل مِنْهُ جزما فَإِن قيل كَيفَ يَصح هَذَا الِاسْتِثْنَاء والأنبياء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ كَمَا صحت بِهِ الْأَحَادِيث أُجِيب بِأَنَّهُ يتَصَوَّر ذَلِك من مُضْطَر وجد ميتَة نَبِي قبل دَفنه
وَأما إِذا كَانَ الْمَيِّت مُسلما والمضطر كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يجوز الْأكل مِنْهُ لشرف الْإِسْلَام وَحَيْثُ جَوَّزنَا أكل ميتَة الْآدَمِيّ لَا يجوز طبخها وَلَا شيها لما فِي ذَلِك من هتك حرمته وَيتَخَيَّر فِي غَيره بَين أكله نيئا وَغَيره وَله قتل مُرْتَد وَأكله وَقتل حَرْبِيّ وَلَو صَغِيرا أَو امْرَأَة وَأكله لِأَنَّهُمَا غير معصومين وَإِنَّمَا حرم قتل الصَّبِي الْحَرْبِيّ وَالْمَرْأَة الحربية فِي غير الضَّرُورَة لَا لحرمتهما بل لحق الْغَانِمين وَله قتل الزَّانِي الْمُحصن والمحارب وتارك الصَّلَاة وَمن لَهُ عَلَيْهِ قصاص وَإِن لم يَأْذَن الإِمَام فِي الْقَتْل لِأَن قَتلهمْ مُسْتَحقّ وَإِنَّمَا اعتبروا إِذْنه فِي غير حَال الضَّرُورَة تأدبا مَعَه وَحَال الضَّرُورَة لَيْسَ فِيهَا رِعَايَة أدب وَحكم مجانين أهل الْحَرْب وأرقائهم وخنثاهم كصبيانهم قَالَ ابْن عبد السَّلَام وَلَو وجد الْمُضْطَر صَبيا مَعَ بَالغ حربيين أكل الْبَالِغ وكف عَن الصَّبِي لما فِي أكله من ضيَاع المَال وَلِأَن الْكفْر الْحَقِيقِيّ أبلغ من الْكفْر الْحكمِي انْتهى
وَكَذَا يُقَال فِيمَا شبه بِالصَّبِيِّ وَمحل الْإِبَاحَة كَمَا قَالَه البُلْقِينِيّ إِذا لم يستول على الصَّبِي وَالْمَرْأَة أَي وَنَحْوهمَا وَإِلَّا صَارُوا أرقاء معصومين لَا يجوز قَتلهمْ لحق الْغَانِمين وَلَا يجوز قتل ذمِّي ومعاهد لحُرْمَة قَتلهمَا وَلَو وجد مُضْطَر طَعَام غَائِب أكل مِنْهُ وَغرم بدله أَو حَاضر مُضْطَر إِلَيْهِ لم يلْزمه بذله لغيره إِن لم يفضل عَنهُ بل هُوَ أَحَق بِهِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابدأ بِنَفْسِك وإبقاء لمهجته نعم إِن كَانَ غير الْمَالِك نَبيا وَجب بذله لَهُ فَإِن آثر الْمُضْطَر مُضْطَرّا مُسلما مَعْصُوما جَازَ بل سنّ وَإِن كَانَ أولى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَة لقَوْله تَعَالَى {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} وَهُوَ من شيم الصَّالِحين وَخرج بِالْمُسلمِ الْكَافِر والبهيمة وبالمعصوم مراق الدَّم فَيجب عَلَيْهِ أَن يقدم نَفسه على هَؤُلَاءِ أَو وجد طَعَام حَاضر غير مُضْطَر لزمَه بذله لمعصوم بِثمن مثل مَقْبُوض إِن حضر وَإِلَّا فَفِي ذمَّته وَلَا ثمن لَهُ إِن لم يذكرهُ وَإِن امْتنع غير الْمُضْطَر من بذله بِالثّمن فللمضطر قَبره وَأخذ الطَّعَام وَإِن قَتله وَلَا يضمنهُ بقتْله إِلَّا إِن كَانَ مُسلما والمضطر كَافِر مَعْصُوم فَيضمنهُ كَمَا بَحثه ابْن أبي الدَّم أَو وجد مُضْطَر ميتَة وَطَعَام غَيره لم يبذله لَهُ أَو ميتَة وصيدا حرم بِإِحْرَام أَو حرم تعيّنت الْميتَة وَيحل قطع جُزْء نَفسه لأكله إِن فقد نَحْو ميتَة وَإِن كَانَ خوف قطعه أقل
وَيحرم قطع بعضه لغيره من الْمُضْطَرين لِأَن قطعه لغيره لَيْسَ فِيهِ قطع الْبَعْض لاستبقاء الْكل نعم إِن كَانَ ذَلِك الْغَيْر نَبيا لم يحرم بل يجب
وَيحرم على الْمُضْطَر أَيْضا أَن يقطع لنَفسِهِ قِطْعَة من حَيَوَان مَعْصُوم لما مر (وَلنَا ميتَتَانِ حلالان) وهما (السّمك وَالْجَرَاد) وَلَو بقتل مَجُوسِيّ لخَبر أحلّت لنا ميتَتَانِ السّمك وَالْجَرَاد فَيحل أكلهما وبلعهما وَإِن لم يشبه السّمك الْمَشْهُور ككلب وخنزير وَفرس وَكره قطعهمَا حيين
وَيكرهُ ذبحهما إِلَّا سَمَكَة كَبِيرَة يطول بَقَاؤُهَا فَيسنّ ذَبحهَا
وَيحرم مَا يعِيش فِي بر وبحر كضفدع وسرطان وَيُسمى عقرب المَاء وحية ونسناس وتمساح وسلحفاة بِضَم السِّين وَفتح اللَّام لخبث لَحمهَا وللنهي عَن قتل الضفدع
فَائِدَة روى الْقزْوِينِي عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الله خلق فِي الأَرْض ألف أمة سِتّمائَة فِي الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَة فِي الْبر وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان لله تَعَالَى ثَمَانُون ألف عَالم أَرْبَعُونَ ألفا فِي الْبَحْر وَأَرْبَعُونَ ألفا فِي الْبر (وَدَمَانِ حلالان) وهما (الكبد) بِكَسْر الْمُوَحدَة على الْأَفْصَح (وَالطحَال) بِكَسْر الطَّاء لحَدِيث أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال رَفعه ابْن مَاجَه بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَصحح الْبَيْهَقِيّ وَقفه عَلَيْهِ وَقَالَ حكمه حكم الْمَرْفُوع وَلذَا
قَالَ فِي الْمَجْمُوع الصَّحِيح أَن ابْن عمر هُوَ الْقَائِل أحلّت لنا وَأَنه يكون بِهَذِهِ الصِّيغَة مَرْفُوعا
تَتِمَّة أفضل مَا أكلت مِنْهُ كسبك من زراعة لِأَنَّهَا أقرب إِلَى التَّوَكُّل ثمَّ من صناعَة لِأَن الْكسْب فِيهَا يحصل بكد الْيَمين ثمَّ من تِجَارَة لِأَن الصَّحَابَة كَانُوا يكتسبون بهَا
وَيحرم مَا يضر الْبدن أَو الْعقل كالحجر وَالتُّرَاب والزجاج والسم كالأفيون وَهُوَ لبن الخشخاش لِأَن ذَلِك مُضر وَرُبمَا يقتل وَقد قَالَ تَعَالَى {وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي شرح التَّنْبِيه
وَيحرم أكل الشواء المكمور وَهُوَ مَا يكفأ عَلَيْهِ غطاء بعد استوائه لإضراره بِالْبدنِ
وَيسن ترك التبسط فِي الطَّعَام الْمُبَاح فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَخْلَاق السّلف هَذَا إِذا لم تدع إِلَيْهِ حَاجَة كقرى الضَّعِيف وأوقات التَّوسعَة على الْعِيَال كَيَوْم عَاشُورَاء ويومي الْعِيد وَلم يقْصد بذلك التفاخر وَالتَّكَاثُر بل لطيب خاطر الضَّعِيف والعيال وَقَضَاء وطرهم مِمَّا يشتهونه وَفِي إِعْطَاء النَّفس شهواتها الْمُبَاحَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيّ منعهَا وقهرها لِئَلَّا تطغى وَالثَّانِي إعطاؤها تحيلا على نشاطها وبعثا لروحانيتها قَالَ وَالْأَشْبَه التَّوَسُّط بَين الْأَمريْنِ لِأَن فِي إعطائها الْكل سلاطة عَلَيْهِ وَفِي منعهَا بلادة
وَيسن الحلو من الْأَطْعِمَة وَكَثْرَة الْأَيْدِي على الطَّعَام وَأَن يحمد الله تَعَالَى عقب الْأكل وَالشرب وروى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا أكل أَو شرب قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أطْعم وَسَقَى وسوغه وَجعل لَهُ مخرجا فصل فِي الْأُضْحِية مُشْتَقَّة من الضحوة وَسميت بِأول زمَان فعلهَا وَهُوَ الضُّحَى وَهِي بِضَم همزتها وَكسرهَا وَتَشْديد يائها وتخفيفها مَا يذبح وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {فصل لِرَبِّك وانحر} فَإِن أشهر من الْغنم تقربا إِلَى الله تَعَالَى من يَوْم الْعِيد إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق الْأَقْوَال أَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ صَلَاة الْعِيد وبالنحر الضَّحَايَا وَخبر التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا عمل ابْن آدم يَوْم النَّحْر من عمل أحب إِلَى الله تَعَالَى من إِرَاقَة الدَّم إِنَّهَا لتأتي يَوْم الْقِيَامَة بقرونها وأظلافها وَإِن الدَّم ليَقَع من الله بمَكَان قبل أَن يَقع على الأَرْض فطيبوا بهَا نفسا
(ويحل للمضطر) ، وهو من خاف على نفسه الهلاك من عدم الأكل (في المخمصة) موتا أو مرضا مخوفا، أو زيادة مرض، أو انقطاع رفقة، ولم يجد ما يأكله حلالا (أن يأكل من الميتة المحرمة) عليه (ما) أي شيئا (يسد به رمقه) أي بقية روحه. (ولنا ميتتان حلالان) وهما: (السمك والجراد، و) لنا (دمان حلالان) وهما: (الكبد والطحال) . وقد عرف من كلام المصنف هنا وفيما سبق، أن الحيوان على ثلاثة أقسام: أحدها ما لا يؤكل؛
فذبيحته وميتته سواء، والثاني ما يؤكل؛ فلا يحل إلا بالتذكية الشرعية،
والثالث ما تحل ميتته كالسمك والجراد.
• الأُضحية {فصل} في أحكام الأُضحية. بضم الهمزة في الأشهر، وهي اسم لما يذج من النعَم يومَ عيد النحر وأيام التشريق تقرُّبًا إلى الله تعالى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.