ولا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن. فمتى أدى رجع به عليه، سواء قال له: اضمن عني أو لم يقل.
Its commentaries
قال: ولا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن. ش: لا يبرأ المضمون عنه بنفس الضمان، بل يثبت الحق في ذمة الضامن، مع بقائه في ذمة المضمون عنه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» .
٢٠٦٩ - وفي المسند «عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: توفي صاحب لنا، فأتينا به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلي عليه، فخطا خطوة ثم قال: «أعليه دين» ؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فقال: الديناران علي، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟» قال: نعم. فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: «ما فعل الديناران» ؟ قال: إنما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الآن بردت جلدته» فأخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه حينئذ أي حين القضاء بردت جلدته.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى أن المضمون عنه إذا كان ميتا برئ بمجرد الضمان عنه، استدلالا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث جابر: «وبرئ الميت منهما» ويجاب عنه بأن هذا ليس إخبارا منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ببراءته، وإنما هو استفهام من أبي قتادة، في أنه هل ضمن متبرعا لا ليرجع، ولهذا أجابه بنعم.
(تنبيه) : حكى أبو الخطاب وأبو محمد وغيرهما هذه الرواية في الميت مطلقا، وخصها أبو البركات بالميت المفلس والله أعلم. قال: فمتى أدى رجع به عليه، سواء قال له: اضمن عني أو لم يقل. ش: إذا أدى الضامن الدين لم يخل من أحوال، (الأول) ضمن بإذنه وأدى بإذنه، (والثاني) ضمن بإذنه وأدى بغير إذنه (الثالث) بالعكس، ولا خلاف عندنا أنه يرجع في هذه الصور الثلاث، (الرابع) ضمن وقضى بغير إذنه، لكن نوى الرجوع فعنه لا يرجع، لأن أبا قتادة لو استحق الرجوع لصار له دين على الميت، وإذا لم يصل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه، لعدم فائدة الضمان إذا، إذ ذمة الميت لم تزل مشغولة بدين، (وعنه) وهي اختيار الخرقي، والقاضي، وأبي الخطابي، والشريف، وابن عقيل، والشيرازي وابن البنا، وغيرهم - يرجع، لأنه قضاء مبرئ من واجب عليه، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، وقَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦] وهو شامل لما إذا أرضعت بأمره أو بلا أمره، وأما حديث أبي قتادة فإنما قضى متبرعا، لعلمه أنه لا وفاء له، وقصده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي عليه، بل قد يقال: في حديث أبي قتادة دليل على أن غير المتبرع يرجع، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: «وجب حق الغريم» أي عليك «وبرئ الميت منهما» (الحال الخامس) إذا ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، وظاهر كلام الخرقي - وتبعه صاحب الوجيز - أنه يرجع، وإذا المقتضي للرجوع هو تأدية الواجب عن الغير والمسقط له هو قصد التبرع وقد عرفت من هذا (حالا سادسا) وهو إذا نوى التبرع، فلا يرجع بلا ريب، وهذه الصور تستثنى من عموم كلام الخرقي، والله أعلم.
[الكفالة بالنفس]
Adds nothing on this mas’ala.
[مَسْأَلَة لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَا يَبْرَأُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ، وَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ الْحَقَّ عَنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمُحِيلِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا وُضِعَتْ، قَالَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، دِرْهَمَانِ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّه، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ: فَقَالَ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَفَكَّ رِهَانَك كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه، هَذَا لِعَلِيٍّ خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ: لِلنَّاسِ عَامَّةً» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ بِالضَّمَانِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:«تُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَخَطَا خُطْوَةً، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ. فَقَالَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ. فَقَالَ. رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَجَبَ حَقُّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ قَالَ: إنَّمَا مَاتَ أَمْسِ. قَالَ: فَعَادَ إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَتَهُ» .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ:" وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا ".
وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا صَارَ فِي ذِمَّةٍ ثَانِيَةٍ بَرِئَتْ الْأُولَى مِنْهُ، كَالْمُحَالِ بِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي مَحَلَّيْنِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ:" الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَهُ ". حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ، فَلَا تَنْقُلُ الْحَقَّ، كَالشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ صَارَ لَهُ وَفَاءٌ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَدِينٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَلِّي:«فَكَّ اللَّهُ رِهَانَك، كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك» . فَإِنَّهُ كَانَ بِحَالٍ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا ضَمِنَهُ فَكَّهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ. وَقَوْلُهُ:" بَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا " أَيْ صِرْت أَنْتَ الْمُطَالَبَ بِهِمَا. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْقَضَاءِ:" الْآنَ بَرَّدْت عَلَيْهِ جِلْدَهُ ". وَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْحَوَالَةَ؛
فَإِنَّ الضَّمَانَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ، فَيَقْتَضِي الضَّمَّ بَيْنَ الذِّمَّتَيْنِ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِمَا وَثُبُوتِهِ فِيهِمَا.
وَالْحَوَالَةُ مِنْ التَّحَوُّلِ، فَتَقْتَضِي تَحَوُّلَ الْحَقِّ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَقَوْلهمْ: إنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي مَحَلَّيْنِ. قُلْنَا: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ، كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: أَمَّا الْحَيُّ فَلَا يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً،
وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَفِي بَرَاءَتِهِ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّ
فَائِدَةَ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ تَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الْفَائِدَةُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ،
بِخِلَافِ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ الِاسْتِيثَاقُ، وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّتَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِيثَاقِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ كَالْحَيِّ.
(٣٥٧٨) فَصْلٌ: وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَلَا يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الْأَصْلِ، كَالرَّهْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ، كَالْأَصِيلِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِمَا، فَمَلَكَ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، كَالضَّامِنَيْنِ إذَا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ. وَلَا يُشْبِهُ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ يُطَالِبُ، إنَّمَا يُطَالِبُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، لِيَقْضِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ] (٣٥٧٩) فَصْلٌ: وَإِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ،
فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ.
وَأَيُّهُمَا قَضَى الْحَقَّ بَرِئَا جَمِيعًا مِنْ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ،
فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا، كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ رَهْنٌ،
وَإِنْ أَحَالَ الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ،
فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ دَيْنُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ أَحَالَ أَحَدُهُمَا الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَضَاءِ.
[فَصْلٌ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ] (٣٥٨٠) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَيَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَمِ ثَلَاثَةٍ، أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ،
فَإِذَا قُضِيَ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا
فَرْعٌ. وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ.
وَمَتَى حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِالْإِبْرَاءِ، فَلَا رُجُوعَ فِيهَا بِحَالٍ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ مَعَ الْغُرْمِ، وَلَيْسَ فِي الْإِبْرَاءِ غُرْمٌ. وَالْكَفَالَةُ كَالضَّمَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى جَمِيعِهِ، وَتَزِيدُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بَرِئَ كَفِيلَاهُ،
وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي دُونَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ، فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ،
وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ.
[فَصْلٌ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ أَوْ تَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ] (٣٥٨١) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ، أَوْ تَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي إلْزَامَهُ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْحَقُّ لَازِمٌ لَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُهُ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي هَذَا الدَّيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا فِيهِ.
وَإِنْ ضَمِنَ عَنْهُ دَيْنًا آخَرَ، أَوْ كَفَلَ بِهِ فِي حَقٍّ آخَرَ، جَازَ؛ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ. "
[فَصْلٌ ضَمِنَ الْحَقَّ عَنْ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ] (٣٥٨٢) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ الْحَقَّ عَنْ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ،
فَإِنْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ، بَرِئَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ،
وَإِنْ أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُمْ فُرُوعٌ لَهُ.
وَإِنْ أُبْرِئَ أَحَدُ الضُّمَّانِ، بَرِئَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ فُرُوعٍ لَهُ، فَلَمْ يَبْرَءُوا بِبَرَاءَتِهِ، كَالْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلِيِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِيهِ بِالضَّمَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ فَرْعًا.
وَلَوْ تَكَفَّلَ بِالرَّجُلِ الْوَاحِدِ رَجُلَانِ، جَازَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِبَدَنِهِ، لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ. وَأَيُّ الْكَفِيلَيْنِ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَفَلَ الْمَكْفُولُ الْكَفِيلَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُ فِي الْكَفَالَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا لَهُ فِيمَا كَفَلَ بِهِ.
وَإِنْ كَفَلَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَقِّ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْعٍ لَهُ فِي ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ أَدَّى الدَّيْن مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ] (٣٥٨٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَمَتَى أَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ عَنِّي، أَوْ لَمْ يَقُلْ) . يَعْنِي إذَا أَدَّى الدَّيْنَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ،
فَأَمَّا إنْ قَضَى الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا بِهِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلرُّجُوعِ بِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ. وَسَوَاءٌ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
فَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدِهَا، أَنْ يَضْمَنَ بِأَمْرِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَيُؤَدِّيَ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ عَنِّي. أَوْ: أَدِّ عَنِّي. أَوْ أَطْلَقَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ قَالَ: اضْمَنْ عَنِّي، وَانْقُدْ عَنِّي. رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: اُنْقُدْ هَذَا. لَمْ يَرْجِعْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لَهُ، يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ، وَيُودِعُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: اضْمَنْ عَنِّي، وَانْقُدْ عَنِّي. إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْحَقِّ،
وَإِذَا أَطْلَقَ ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هَبْ لِهَذَا، أَوْ تَطَوَّعْ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ رَجَعَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ مُخَالِطَهُ بِالنَّقْدِ عَنْهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ ضَمِنَ وَدَفَعَ بِأَمْرِهِ، فَأَشْبَهَ إذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ، أَوْ قَالَ: اضْمَنْ عَنِّي.
وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ بِالنَّقْدِ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا ضَمِنَهُ، بِدَلِيلِ الْمُخَالِطِ لَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا أَدَّى عَنْهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. الْحَالُ الثَّانِي، ضَمِنَ بِأَمْرِهِ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ. الثَّالِثُ، أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَدَفَعَ مَا عَلَيْهِ، رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالدَّفْعِ. وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الضَّمَانِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ إذْنَهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْأَدَاءِ صَرِيحًا. الْحَالُ الثَّالِثُ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَضَى بِأَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ؛
لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، أَوْ كَمَا لَوْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إذْنَهُ فِي الْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ.
قُلْنَا: الْوَاجِبُ بِضَمَانِهِ إنَّمَا هُوَ أَدَاءُ دَيْنِهِ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا آخَرَ، فَمَتَى أَدَّاهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ لَزِمَهُ إعْطَاؤُهُ بَدَلَهُ. الْحَالُ الرَّابِعُ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّهُمَا لَوْ كَانَا يَسْتَحِقَّانِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَيِّتِ، صَارَ الدَّيْنُ لَهُمَا، فَكَانَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِمَا، كَاشْتِغَالِهَا بِدَيْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَفَ دَوَابَّهُ وَأَطْعَمَ عَبِيدَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّهُ قَضَاءٌ مُبْرِئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ.
فَأَمَّا عَلِيٌّ وَأَبُو قَتَادَةَ، فَإِنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِالْقَضَاءِ وَالضَّمَانِ، فَإِنَّهُمَا قَضَيَا دَيْنَهُ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ، لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُحْتَسِبِ بِالرُّجُوعِ.
[فَصْلٌ يَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ] (٣٥٨٤) فَصْلٌ: وَيَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ، فَالزَّائِدُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ،
وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ دَفَعَ عَنْ الدَّيْنِ عَرَضًا، رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْر الدَّيْنِ لِذَلِكَ،
وَإِنْ قَضَى الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ.
فَإِنْ أَحَالَهُ، كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِهِ، وَيَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَحَالَ بِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَهُ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ، لِفَلَسٍ أَوْ مَطْلٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْحَوَالَةِ كَالْإِقْبَاضِ.
[فَصْلٌ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا] (٣٥٨٥) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ، عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ مَا عَلَيْهِ، فَضَمِنَ آخَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْجَمِيعِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عَنْهُ، وَلَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ،
فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِهَا، إنْ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ، وَقَضَاهَا ضَامِنُهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة، لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِائَةِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَيْهِ كَالْأَصْلِ. " [فَصْلٌ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِأُذُنِهِ فَطُولِبَ الضَّامِنُ] (٣٥٨٦) فَصْلٌ: إذَا ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ، فَطُولِبَ الضَّامِنُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْأَدَاءُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ الضَّامِنُ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ غَرَامَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ مِنْهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَة؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِإِذْنِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَهَنَهُ، كَانَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِفِكَاكِهِ وَتَفْرِيغِهِ مِنْ الرَّهْنِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْعَارِيَّةَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بِتَعْوِيقِ مَنَافِعِ عَبْدِهِ الْمُسْتَعَارِ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِمَا يُزِيلُ الضَّرَرَ عَنْهُ، وَالضَّامِنُ لَا يَبْطُلُ بِالضَّمَانِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ.
فَأَمَّا إنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ يُطَالِبُ بِهِ، وَلَا شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِأَمْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ،
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ. فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِحَالٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ. فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، عَلَى مَا مَضَى تَفْصِيلِهِ.
[فَصْلٌ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ فَقَضَى أَحَدُهُمْ الدَّيْنَ] (٣٥٨٧) فَصْلٌ: فَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ، فَقَضَى أَحَدُهُمْ الدَّيْنَ، بَرِئُوا جَمِيعًا.
فَإِنْ قَضَاهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ قَضَاهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ عَنْهُ،
وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَذِنَ لَصَاحِبِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ، فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ أَذِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِيَّ، وَلَمْ يَأْذَنْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِضَامِنِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ الضَّامِنُ لِضَامِنِهِ، رَجَعَ الْمَأْذُونُ لَهُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْآخَرُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ،
فَإِنْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِلضَّامِنِ الثَّانِي فِي الضَّمَانِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الضَّامِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْجَعُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ لَهُ أَلْف عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ] (٣٥٨٨) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ عَلَى رَجُلَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَأَبْرَأَ الْغَرِيمُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْأَلْفِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ.
وَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ أَبْرَأْهُ الْغَرِيمُ مِنْهَا، وَعَيَّنَ الْقَضَاءَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَنْ الْأَصْلِ وَالضَّمَانِ، انْصَرَفَ إلَيْهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ نِصَابٍ وَلَهُ نِصَابَانِ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ، كَانَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَنْ الْأَصْلِ، وَنِصْفُهَا عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى جُمْلَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ لَفْظُ الْقَاضِي وَنِيَّتُهُ،
وَفِي الْإِبْرَاءِ لَفْظُ الْمُبْرِئِ وَنِيَّتُهُ،
وَمَتَى اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الْمُعْتَبَرُ لَفْظُهُ وَنِيَّتُهُ.
[فَصْل ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ] (٣٥٨٩) فَصْل: وَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ،
وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَاعْتَرَفَ الْحَاضِرُ بِذَلِكَ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَلْفِ مِنْهُ،
فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَاعْتَرَفَ، رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِهِ،
وَإِنْ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،
وَإِنْ أَنْكَرَ الْحَاضِرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،
فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَاسْتَوْفَى الْأَلْفَ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي ظَلَمَهُ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْغَائِبُ وَعَادَ الْحَاضِرُ عَنْ إنْكَارِهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْحَاضِرِ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ وَبَرِئَ،
فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ أَيْضًا وَحَلَفَ، بَرِئَ،
وَإِنْ اعْتَرَفَ، لَزِمَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا خَمْسُ الْمِائَةِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمَضْمُونَةِ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِيَمِينِهِ، فَتَسْقُطُ عَنْ ضَامِنِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِهَا وَغَرِيمُهُ يَدَّعِيهَا، وَالْيَمِينُ إنَّمَا أَسْقَطَتْ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ تُسْقِطْ عَنْهُ الْحَقَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بَعْدَ يَمِينِهِ، لَزِمَهُ، وَلَزِمَ الضَّامِنَ.
[فَصْلٌ ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ] (٣٥٩٠) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ، فَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا،
فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ الضَّامِنُ بِمَا قَضَاهُ عَنْهُ؟ نَظَرْنَا؛
فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِالْقَضَاءِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ،
وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْقَضَاءِ، وَكَانَ قَدْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ وَلَمْ يُوجَدْ،
وَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ، ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ مَيْتَةً أَوْ غَائِبَةً فَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ وَلَا فَرَّطَ.
وَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ مَرْدُودَةٍ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ، كَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ، لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ لِتَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ كَعَدَمِهَا،
وَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ، كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا، مِثْلُ أَنْ أَشْهَدَ عَبْدَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَرُدَّتْ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَ مَيْتًا أَوْ غَائِبًا، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لَيْسَ إلَيْهِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ مَنْ لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ.
وَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَرْجِعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا كَانَ الِاحْتِيَاطُ إلَيْهِ،
فَإِذَا تَرَكَ التَّحَفُّظَ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ دُونَ الضَّامِنِ.
وَالثَّانِي، لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى قَضَاءً لَا يُبْرِئُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى فِي غَيْبَتِهِ.
فَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ، فَاسْتَوْفِي مِنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَ بِهِ ذِمَّتَهُ ظَاهِرًا. قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِمَا قَضَاهُ أَوَّلًا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حَصَلَتْ بِهِ فِي الْبَاطِنِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا،
وَالثَّانِيَ مَا أَبْرَأَهُ بَاطِنًا.
وَلَنَا، أَنَّ الضَّامِنَ أَدَّى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ إذَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَرَجَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْمُبْرِئَ فِي الْبَاطِنِ مَا أَوْجَبَ الرُّجُوعَ، فَيَجِبُ أَنْ يَجِبَ بِالْبَاقِي الْمُبْرِئِ فِي الظَّاهِرِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ،
فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنْ الضَّامِنِ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ، لِكَوْنِهِ إقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَقَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ، كَشَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ بِالرَّضَاعِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَبَرِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
[فَصْلٌ لَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ] (٣٥٩١) فَصْلٌ: وَلَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ خِيَارٌ، كَالنَّذْرِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ.
فَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الضَّمَانِ وَالْكَفَالَة لُزُومُ مَا ضَمِنَهُ أَوْ كَفَلَ بِهِ، وَالْخِيَارُ يُنَافِي ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَتَصِحَّ الْكَفَالَةُ، كَمَا قُلْنَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَفَلَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُبْطِلُهُ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ.
[فَصْلٌ ضَمِنَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُلٍ أَلْفًا] (٣٥٩٢) فَصْلٌ: وَإِذَا ضَمِنَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُلٍ أَلْفًا، ضَمَانَ اشْتِرَاطٍ فَقَالَا: ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِنِصْفِهِ.
وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ ثُلُثَهُ.
فَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا وَهَذَانِ ضَامِنُونَ لَك الْأَلْفَ. فَسَكَتَ الْآخَرَانِ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ.
فَهَذَا ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ إنْ شَاءَ.
وَإِنْ أَدَّى أَحَدُهُمْ الْأَلْفَ كُلَّهُ، أَوْ حِصَّتَهُ. لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ أَصْلِيٌّ، وَلَيْسَ بِضَامِنٍ عَنْ الضَّامِنِ الْآخَرِ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ كِفْل بِنَفْسِ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا] (٣٥٩٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ.
(وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ صَحِيحَةٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. هَذَا مَذْهَبُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: الْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ ضَعِيفَةٌ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ صَحِيحَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِي الْقِيَاسِ،
وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَثَرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِعَيْنٍ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَالْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ وَبَدَنِ الشَّاهِدِينَ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْكَفَالَة، كَالْمَالِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ عَلَى الْكَفِيلِ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَغْرَمُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ، فَوَجَبَ بِهَا الْغُرْمُ، كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانِ أَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ] (٣٥٩٤) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أَوْ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ، أَوْ بِوَجْهِهِ، كَانَ كَفِيلًا بِهِ.
وَإِنْ كَفَلَ بِرَأْسِهِ أَوْ كَبِدِهِ، أَوْ جُزْءٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ، أَوْ بِجُزْءِ شَائِعٍ مِنْهُ، كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، صَحَّتْ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِهِ كُلِّهِ.
وَإِنْ تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ زَوَاله، كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَصِحُّ الْكَفَالَةُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى صِفَتِهَا إلَّا بِإِحْضَارِ الْبَدَنِ كُلِّهِ، فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمْلَةِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْبَعْضِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ بِدُونِ الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَائِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَسْرِي لَا يَصِحُّ إذَا خُصَّ بِهِ عُضْوٌ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلّ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدِينِ لَازِمٍ] (٣٥٩٥) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَاب الشَّافِعِيَّةِ: لَا تَصِحُّ بِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ، وَلَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْهُ لِجَهْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْبَدَنِ لَا بِالدَّيْنِ، وَالْبَدَنُ مَعْلُومٌ، فَلَا تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ لِاحْتِمَالِ عَارِضٍ، وَلِأَنَّا قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ يَصِحُّ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَالِ ابْتِدَاءً، فَالْكَفَالَةُ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ابْتِدَاءً أَوْلَى. وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَجِبُ إحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ، وَإِذْنُ وَلِيِّهِمَا يَقُومُ مَقَامَ إذْنِهِمَا.
وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِحُّ. وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ صَحَّتْ مَعَ الْحُضُورِ صَحَّتْ مَعَ الْغَيْبَةِ وَالْحَبْسِ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ، لِكَوْنِ الْمَحْبُوسِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، أَوْ أَمْرِ مَنْ حَبَسَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى الْحَبْسِ بِالْحَقَّيْنِ جَمِيعًا، وَالْغَائِبُ يَمْضِي إلَيْهِ فَيُحَضِّرُهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ خَبَرَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ: قَالَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ الرَّدُّ فِيهَا، فَلَا يَفْعَلُ.
[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ] (٣٥٩٦) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لِآدَمِي كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا كَفَالَةَ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِعَانَ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِي، فَصَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ فِيهِ كَحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ اسْتِيثَاقٌ، وَالْحُدُودُ مَبْنَاهَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الِاسْتِيثَاقُ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَلَمْ تَصِحّ الْكَفَالَةُ بِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الزِّنَى.
[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِالْمَكَاتِبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ] (٣٥٩٧) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْمُكَاتِبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ لَا يَلْزَمُهُ. فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ، كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ.
[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً] (٣٥٩٨) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً، كَمَا يَصِحُّ الضَّمَانُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا،
وَإِذَا أَطْلَقَ كَانَتْ حَالَّةً؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُهُ الْحُلُولُ اقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ، كَالثَّمَنِ وَالضَّمَانِ،
فَإِذَا تَكَفَّلَ حَالًّا كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ،
فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَهُنَاكَ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَكْفُولَ لَهُ تَسَلُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غَرَضُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ،
فَإِنْ قَبِلَهُ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ. أَوْ قَدْ سَلَّمْته إلَيْك. أَوْ قَدْ أَخْرَجْت نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ، فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَالْإِجَارَةِ،
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ بَرِئَ، لِأَنَّهُ أَحْضَرَ مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ غَرِيمِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ تَسَلُّمَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ كَالْمُسْلِمِ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ، أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ، وَبَرِئَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى فَعَلَهُ، فَبَرِئَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمهُ إلَيْهِ؛
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إحْضَارِهِ وَامْتِنَاعِ الْمَكْفُولِ لَهُ مِنْ قَبُوله.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ مَعَ وُجُودِ صَاحِبِ الْحَقِّ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَى نَائِبِهِ، كَحَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً، لَمْ يَلْزَمْ إحْضَارُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ،
فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَأَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ بَرِئَ.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مُرْتَدًّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يُؤْخَذْ بِالْحَقِّ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْمُضِيُّ إلَيْهِ وَإِعَادَتُهُ.
وَقَالَ ابْن شُبْرُمَةَ: يُحْبَسُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ أَدَائِهِ إمْكَانُ التَّسْلِيمِ.
وَإِنْ كَانَ حَالًّا كَالدَّيْنِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ فِيهَا وَلَمْ يُحْضِرْهُ، أَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، أُخِذَ بِمَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ مَكَانُهُ، لَمْ يُطَالَبْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ،
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ حُبِسَ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وُجُوبِ الْغُرْمِ فِيمَا مَضَى.
وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَسْلِيمِهِ، لَزِمَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ حُجَّةُ الْغَرِيمِ غَائِبَةً، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، أَوْ الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ اقْتِضَاؤُهُ مِنْهُ، أَوْ قَدْ وَعَدَهُ بِالْإِنْظَارِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، كَمَا نَقُولُ فِي مَنْ دَفَعَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ حُلُولِهِ
[فَصْلٌ عَيَّنَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان ثُمَّ أَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ] (٣٥٩٩) فَصْلٌ: وَإِذَا عَيَّنَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان، فَأَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَحْضَرَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ مِنْ الْبَلَدِ وَسَلَّمَهُ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَتَى أَحْضَرَهُ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ،
وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُلْطَانٌ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَيُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُجَّةِ فِيهِ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ، لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ فِيهِ، وَإِلَّا بَرِئَ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَلَّمَ مَا شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان فِي غَيْرِهِ، فَلَمْ يَبْرَأْ، كَمَا لَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَهُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُجَّةِ فِيهِ، لِغَيْبَةِ شُهُودِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَهْرُبُ مِنْهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، يُفَارِقُ مَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ عَجَّلَ الْحَقَّ قَبْلَ أَجَلِهِ، فَزَادَهُ خَيْرًا،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ وَجَبَ قَبُولُهُ.
وَإِنْ وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ، كَالسَّلَمِ.
فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَحْبُوسًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ مَحْبُوسًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَبْسَ يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ.
وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَحْبُوسًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْحَاكِمِ لَا يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ.
وَإِذَا طَالَبَ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ، أَحْضَرَهُ مَجْلِسَهُ، وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ.
فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، حَبَسَهُ بِالْحَقِّ الْأَوَّلِ أَوْ حَقِّ الْمَكْفُولِ لَهُ.
[فَصْلٌ كِفْل إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ] (٣٦٠٠) فَصْلٌ: وَإِنْ كَفَلَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتُهُ فِيهِ، وَهَكَذَا الضَّمَانُ.
وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى الْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَالْعَطَاءِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَالْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ. وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا هُنَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، جَعَلَ لَهُ أَجَلًا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَصَحَّ، كَالنَّذْرِ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْكَفَالَةِ. وَقَدْ رَوَى مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ كَفَلَ رَجُلًا آخَرَ، فَقَالَ: إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَمَا عَلَيْهِ عَلَى. فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلَكِنْ إنْ قَالَ: سَاعَةَ كَذَا. لَزِمَهُ. فَنَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّاعَةِ وَتَوَقَّفَ عَنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أَوْ وَقْتَ شَيْءٍ يَحْدُثُ، مِثْلُ وَقْتِ الْحَصَادِ وَنَحْوه.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنَحْو ذَلِكَ، صَحَّ.
وَإِنْ قَالَ: إلَى الْغَدِ أَوْ شَهْرِ كَذَا. تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي السَّلَمِ.
[فَصْل تَكَفَّلَ بِرَجُلِ إلَى أَجَلٍ] فَصْلٌ: وَإِذَا تَكَفَّلَ بِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، إنْ جَاءَ بِهِ فِيهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِخَطَرٍ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُوجِبُ الْكَفَالَةِ وَمُقْتَضَاهَا، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنَّ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَكَ حَبْسِي.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الْكَفَالَةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ قَالَ: إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ، أَوْ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَالَك عَلَى فُلَانٍ. أَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا عَلَيْهِ. أَوْ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ. أَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَطَرٌ فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ بِهِ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَلِأَنَّهُ إثْبَاتُ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُهُ، كَالْهِبَةِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى سَبَبِ الْوُجُودِ، فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ، كَضَمَانِ الدَّرَكِ. وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ.
فَإِنْ قَالَ: كَفَلْت بِفُلَانٍ إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا. وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أَوْ ضَامِنُ الْمَالِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ. لَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ،
وَالثَّانِيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ فِيهِمَا.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: كَفَلْت بِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ.
[فَصْلٌ قَالَ كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَبْرَأَ فُلَانٌ الْكَفِيلُ أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ] (٣٦٠٢) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ، عَلَى أَنْ يَبْرَأَ فُلَانٌ الْكَفِيلُ. أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَيَكُونُ فَاسِدًا وَتَفْسُدُ الْكَفَالَةُ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَحْوِيلَ الْوَثِيقَةِ الَّتِي عَلَى الْكَفِيلِ إلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ، إلَّا أَنْ يُبْرِئَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْكَفِيلَ الْأَوَّلَ؛
لِأَنَّهُ إنَّمَا كَفَلَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَا تَثْبُتُ كَفَالَتُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ.
وَإِنْ قَالَ: كَفَلْت لَك بِهَذَا الْغَرِيمِ، عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ.
أَوْ ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ، بِشَرْطِ أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ ضَمَانِ الدِّينِ الْآخَرِ، أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانِ. خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فَسْخَ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ أَنْ يَتَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولُ بِهِ بِآخَرَ، أَوْ يَضْمَنَ دَيْنًا عَلَيْهِ، أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا عَيَّنَهُ، أَوْ يُؤْجِرَهُ دَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدِ] (٣٦٠٣) فَصْلٌ: وَلَوْ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، صَحَّ. وَأَيُّهُمْ قَضَى الدَّيْنَ بَرِئَ الْآخَرَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الضَّمَانِ.
وَإِنْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ، بَرِئَ كَفِيلَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَيْنِ، وَهُوَ إحْضَارُ نَفْسِهِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ.
وَإِنْ أَحْضَرَ أَحَدَ الْكَفِيلَيْنِ، لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ، فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا، أَوْ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ. وَفَارَقَ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُمَا،
فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ مِمَّا تَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ، بَرِئَ فَرْعَاهُ، وَكَّلَ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ لَيْسَ بِفَرْعٍ لِلْآخَرِ، فَلَمْ يَبْرَأْ بِبَرَاءَتِهِ.
وَلِذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ كَفِيلَاهُ.
وَلَوْ أُبْرِئَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ بَرِئَ وَحْدَهُ، دُونَ صَاحِبِهِ.
[فَصْل تَكَفَّلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا] (٣٦٠٤) فَصْلٌ: وَلَوْ تَكَفَّلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ، فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَحْضَرَهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ، فَقَدْ الْتَزَمَ إحْضَارَهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،
فَإِذَا أَحْضَرَهُ عِنْدَ وَاحِدِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ، وَكَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِرَجُلَيْنِ، فَوَفَّى أَحَدَهُمَا حَقَّهُ. " [فَصْلٌ تَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ إلَى رِضَى الْكَفِيلِ] (٣٦٠٥) فَصْلٌ: وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ إلَى رِضَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إلَّا بِرِضَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَهُ لَا قَبْضَ فِيهَا، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فِيهَا، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهَا الْتِزَامُ حَقٍّ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ فِيهَا، كَالنَّذْرِ،
فَأَمَّا رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُعْتَبَرُ، كَالضَّمَانِ.
وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا إحْضَارُهُ،
وَإِنْ تَكَفَّلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُضُورُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَلْزَمَهُ الدَّيْنَ، وَفَارَقَ الضَّمَانَ،
فَإِنَّ الضَّامِنَ يَقْضِي الْحَقَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، مَتَى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، فَأَرَادَ الْكَفِيلُ إحْضَارَهُ، لَزِمَهُ الْحُضُورُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهَا، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ، كَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ إذَا طَلَبَهُ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَظَرْنَا؛
فَإِنْ طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْهُ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، وَقَدْ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي طَلَبِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمَكْفُولُ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْغِلْ ذِمَّتَهُ، وَإِنَّمَا الْكَفِيلُ شَغَلَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ بِذَلِكَ حَقٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ: أَحْضِرْ كَفِيلَك. كَانَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا.
وَإِنْ قَالَ: اُخْرُجْ مِنْ كَفَالَتِك. احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ، كَاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُطَالَبَةً بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ تَوْكِيلًا، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ مَعَهُ.
[فَصْلٌ قَالَ رَجُلٌ لِآخَر اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ أَوْ اُكْفُلْ بِفُلَانِ] (٣٦٠٦) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ اُكْفُلْ بِفُلَانٍ. فَفَعَلَ، كَانَ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَيْنِ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إرْشَادٌ وَحَثٌّ عَلَى فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ بِهِ بِشَيْءٍ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.