ولو حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين. وقد روي عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن حلف بنحر ولده روايتان: إحداهما كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشا.
Its commentaries
قال: ولو حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين. ش: نص أحمد على هذا في رواية حرب وغيره.
٣٦٩٦ - وذلك لما ذكر أبو محمد بن حزم في كتاب الإعراب، قال: وروينا من طريق الحجاج بن منهال، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها كفارة يمين صبر، إن شاء بر وإن شاء فجر» وذكر أبو محمد بن قدامة أن الأثرم رواه عن مجاهد، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيحتمل أنه روي من طريقين.
٣٦٩٧ - وهو وإن كان مرسلا، فقد عضده أن ذلك قول ابن مسعود، ولا يعرف عن صحابي غيره خلافه،
(وعنه) - وقال أبو محمد: إنه قياس المذهب - يجزئه كفارة واحدة، بناء على أن الحلف بجميع صفات الله تعالى كما تقدم لا يجب بها أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة واحدة - وهي كلامه سبحانه - أولى، قال أبو محمد: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الأول على الاستحباب، لأنه قال: عليه بكل آية كفارة،
فإن لم يمكنه فكفارة واحدة.
قلت: وهذا للوجوب أقرب منه للاستحباب، لأن أحمد إنما نقله لكفارة واحدة عند العجز، إذ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] وهو لا يطيق إلا ذلك، والحكم فيما إذا حلف بالمصحف أو بكلام الله، كالحكم فيما تقدم، لأن ذلك عبارة عن القرآن، والحكم فيما إذا حلف بسورة من القرآن كالحكم في الحلف بكله، هل يجب عليه بكل آية منها كفارة، أو لا تجب إلا كفارة واحدة؟ فيه القولان. قال: وقد روي عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن حلف بنحر ولده روايتان: إحداهما كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشا.
ش: هذا أولا مبني على قاعدة تأتي للخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو أن نذر المعصية ينعقد موجبا لكفارة يمين، إذ ذبح الولد معصية، بل من أعظم المعاصي، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: ١٥١] وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: ٣١] .
٣٦٩٨ - «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» » وأمر إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بذبح ولده أمر مختص به، لا يتعداه إلى غيره، ثم قد نسخ ذلك بالفداء بالكبش.
إذا تقرر هذا فمن أوجب كفارة يمين جرى على القاعدة في نذر المعصية، إذ الواجب فيه كفارة يمين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى هذا ميل أبي محمد،
وقال أبو الخطاب في خلافه: إنه الأقوى.
ومن أوجب ذبح كبش، قال: لأنه الذي أوجبه الله تعالى على إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بدلا عما أوجبه الله تعالى عليه من ذبح ولده، إذ مقتضى النذر أن يلزم ذبح الولد، لكن لما منعنا الله من ذلك كان بمنزلة منع إبراهيم من ذبح ولده، ثم إبراهيم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أوجب الله عليه ذبح كبش بدلا عن ذبح الولد، فكذلك نحن.
٣٦٩٩ - وقد اختلف عن الحبر ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - على قولين، كالروايتين السابقتين، وأنصهما عنه ذبح كبش، كما هو أنص الروايتين عن أحمد، وهو اختيار القاضي، ونصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - صور المسألة فيمن حلف بنحر ولده، كأن قال: إن فعلت كذا فلله علي نحر ولدي. أو: ولدي نحير إن فعلت كذا،
وكذلك الحكم فيما إذا نذر وأطلق، كأن قال: لله علي نحر ولدي، والحكم في نذر نحر نفسه أو نحر أجنبي كذلك، قاله القاضي وأبو محمد، وقد نص عليه أحمد في ذبح نفسه، في رواية ابن منصور،
وأشار إليه في ذبح الأجنبي، في رواية أبي طالب.
وقول الخرقي: فيمن حلف بنحر ولده، هذه العبارة تشمل ما إذا كان له ولد واحد أو أولاد، لكن مراده والله أعلم إذا لم يكن له إلا ولد واحد، لأن أحمد نص في الثانية أن الكبش يتعدد بتعدد الأولاد، وهو جار على قاعدته، ومنصوصه في الطلاق وغيره من أن المفرد المضاف يعم.
وقوة كلام الخرقي يقتضي أنه لا تجب عليه الكفارة إلا إذا حنث، ونص عليه أحمد فيمن نذر أن ينحر نفسه يفدي نفسه إذا حنث، وقوله: يذبح كبشا، كذا قال بعضهم، وبعضهم قال شاة، وأحمد قد أجاب تارة بهذا، وتارة بهذا.
[الحلف بالعتق]
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ] (٧٩٨١) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ، لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا، وَتَكَرُّرَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْحَلِفُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْلَى أَنْ تُجْزِئَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شَاءَ بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ» .
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَلَمْ نَعْرِفْ مُخَالِفًا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا. قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ، فِي كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ،
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَرَدُّهُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْعَجْزِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَالِاحْتِيَاطِ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ، كَمَا أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً حِينَ حَلَفَتْ بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ،
وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} . وَهَذِهِ يَمِينٌ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ تُوجِبْ كَفَّارَاتٍ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ إيجَابَ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ يُفْضِي إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بِحِنْثِهِ تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا، تَرَكَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَقَدْ يَكُونُ بِرًّا وَتَقْوَى وَإِصْلَاحًا، فَتَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ بِقَوْلِهِ:{وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} .
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ، فَلَمْ يُطِقْ، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ] (٧٩٨٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَالْأُخْرَى يَذْبَحُ كَبْشًا) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فَعَلْت كَذَا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي. أَوْ يَقُولَ: وَلَدِي نَحِيرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا. أَوْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ. فَعَنْ أَحْمَدَ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أَوْ نَذْرُ لَجَاجٍ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَذْبَحَ ابْنَهَا: لَا تَنْحَرِي ابْنَك، وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، كَفَّارَتُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ، وَيُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الْوَلَدِ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ كَنَذْرِ ذَبْحِ شَاةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَكَانَ أَمْرًا بِذَبْحِ شَاةٍ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ شَاةٍ، أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلَا بِالْمَعَاصِي، وَذَبْحُ الْوَلَدِ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قِيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءِ،
وَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ،
وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ،
وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» .
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «النَّذْرُ حَلِفُهُ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ وَلَدَهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّذْرَ لِذَبْحِ الْوَلَدِ كِنَايَةٌ عَنْ ذَبْحِ كَبْشٍ. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ، لَمْ يَكُنْ الْكَبْشُ فِدَاءً، وَلَا كَانَ مُصَدِّقًا لِلرُّؤْيَا قَبْلَ ذَبْحِ الْكَبْشِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ابْتِلَاءً، ثُمَّ فُدِيَ بِالْكَبْشِ، وَهَذَا أَمْرٌ اخْتَصَّ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ، لَحِكْمَةٍ عَلِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ، فَقَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ،
فَإِنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الِابْنِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي شَرْعِنَا، وَلَا مُبَاحٍ، بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَتَكُونُ كَفَّارَتُهُ كَكَفَّارَةِ سَائِرِ نُذُورِ الْمَعَاصِي.
[فَصْلٌ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ] (٧٩٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إذَا حَنِثَ: يَذْبَحُ شَاةً.
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ ذَبْحَ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الَّذِي قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا. فَقَالَ: عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ. وَلِأَنَّهُ نَذَرَ ذَبْحَ آدَمِيٍّ، فَكَانَ عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ، كَنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فَكَانَ مُوجَبُهُ كَفَّارَةً، لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنَّ أَنْحَرَ نَفْسِي. قَالَ: فَتَجَهَّمَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَفَّفَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: أَهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ. ثُمَّ أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ نَذَرْت أَنْ لَا تُكَلِّمَ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ؟ إنَّمَا هَذِهِ خُطْوَةٌ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، اسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَتُبْ إلَيْهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا، أَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَذْرِ سَائِرِ الْمَعَاصِي لَا غَيْرُ.
[فَصْلٌ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ نَحْرَ وَلَدِهَا وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ] (٧٩٨٤) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ نَحْرَ وَلَدِهَا، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ: تَذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا، وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا. وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ كَفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ ذَبْحُ كَبْشٍ. جَعَلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ إذَا أُضِيفَ اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فَكَانَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشٌ.
فَإِنْ عَنَتْ بِنَذْرِهَا وَاحِدًا فَإِنَّمَا عَلَيْهَا كَبْشٌ وَاحِدٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَمَّا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ الْوَاحِدِ، فُدِيَ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَفْدِ غَيْرَ مَنْ أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ،
وَكَذَا هَاهُنَا، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَمَّا نَذَرَ ذَبْحَ ابْنٍ مِنْ بَنِيهِ إنْ بَلَغُوا عَشَرَةً، لَمْ يَفْدِ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا.
وَسَوَاءٌ نَذَرَتْهُ مُعَيَّنًا، أَوْ عَنَتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ،
فَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ: وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَبْحَ الْكِبَاشِ كَفَّارَةُ يَمِينِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ نَذْرِهَا يَمِينٌ.
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، تُجْزِئُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، عَلَى مَا سَبَقَ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.