ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه فذلك في كل مرة، إلا أن يكون نوى مرة واحدة.
Its commentaries
قال: ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه فذلك في كل مرة، إلا أن يكون نوى مرة واحدة. ش: إذا حلف على زوجته أنها لا تخرج إلا بإذنه، أو بغير إذنه، أو حتى يأذن لها، فخرجت بغير إذنه حنث، لوجود المخالفة فيما حلف عليه، وانحلت يمينه بلا نزاع، إذ حرف «أن» لا يقتضي التكرار،
وإن أذن لها فخرجت لم يحنث بلا ريب، لعدم المخالفة، ثم هل يحتاج بعد ذلك في كل خروج إلى إذن أو قد انحلت يمينه بالإذن الأول؟ فيه روايتان، المذهب منهما الأول، وهذا معنى قول الخرقي: فذلك في كل مرة، أي إذا لم يحنث، وأصل الخلاف والله أعلم من قوله: إن خرجت. معناه خروجا، وخروجا نكرة في سياق الإثبات، لكنها في سياق الشرط،
فمن لحظ كونها في سياق الشرط - وهو التحقيق - قال: تعم كل خروج، فكل خروج محلوف عليه أنها لا تخرج إلا على صفة، وهو الإذن فإذا خرجت بغير إذنه حنث،
وإن كان قد أذن لها في خروج سابق،
ومن لحظ كونها نكرة في سياق الإثبات، مع قطع النظر إلى الشرط، قال: إنما تناولت خروجا واحدا على صفة وهو الإذن،
فإذا أذن لها فخرجت زالت اليمين، لوجود المحلوف عليه، هذا كله مع الإطلاق،
أما مع التقييد باللفظ، كما إذا قال: حتى آذن لك مرة، أو في كل مرة، فلا ريب في اعتماد ذلك، وتقوم مقام اللفظ النية، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله.
(تنبيه) : أخذ أبو الخطاب في الهداية الرواية الثانية من قول عبد الله عن أبيه: إذا حلف أن لا تخرج امرأته إلا بإذنه، إذا أذن لها مرة فهو إذن لكل مرة، وتكون يمينه على ما نوى،
وإن قال: كلما خرجت فهو بإذني، أجزأه مرة واحدة، وهذا ظاهر في الأخذ،
وكذلك تبعه أبو البركات، وأبو محمد في المقنع على حكاية الرواية، إلا أن قول أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في: كلما خرجت فهو بإذني، أنه يجزئه مرة واحدة، فيه نظر، لأن هذا صريح في العموم، وقد يحمل قوله: أجزأه مرة واحدة. إذا نوى بالمرة الإذن في كل مرة، أو أنه عبر بالعام - وهو كل خروج - عن الخاص، وهو خروج واحد مجازا، اهـ. وقطع أبو محمد في المغني بالرواية الأولى، وجعل رواية عبد الله فيما إذا أذن لها مرة أنه يسمع منه، وكأنه أخذ ذلك من قوله في الرواية: وتكون يمينه على ما نوى.
والظاهر خلافه والله أعلم.
[مَسْأَلَة: حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ] (٨١٢٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَرَّةً) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك. فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ، أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛
لِأَنَّ حَرْفَ " أَنْ " لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا،
فَإِذَا حَنِثَ مَرَّةً، انْحَلَّتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت.
وَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ. وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، فَمَتَى خَرَجَتْ بَعْدَ هَذَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، طَلُقَتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْحَلُّ، فَلَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ، بِحَرْفٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ،
فَإِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ إذْنٍ، حَنِثَ،
وَإِنْ وُجِدَ بِإِذْنٍ، بَرَّ؛ لِأَنَّ الْبَرَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِنْثُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي قَوْلِهِ: إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي. كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِإِذْنِهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك. مَتَى أَذِنَ لَهَا، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَحْنَثْ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِذْنَ فِيهَا غَايَةً لِيَمِينِهِ، وَجَعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ إذْنِهِ، فَمَتَى أَذِنَ انْتَهَتْ غَايَةُ يَمِينِهِ، وَزَالَ حُكْمُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَخَرَجَتْ بَعْدَ طُلُوعِهَا، وَلِأَنَّ حَرْفَ " إلَى "" وَحَتَّى " لِلْغَايَةِ، لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ، وَقَدْ وُجِدَ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَخْرُجْ بِإِذْنِهِ. وَقَوْلُهُمْ: قَدْ بَرَّ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهَا، فَكَيْفَ يَبَرُّ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت رَجُلًا إلَّا أَخَاكِ، أَوْ غَيْرَ أَخِيك، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَكَلَّمَتْ أَخَاهَا، ثُمَّ كَلَّمَتْ رَجُلًا آخَرَ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، وَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِتَكْلِيمِهَا أَخَاهَا؟
وَالثَّانِي، أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الصِّفَةُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهُ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت عُرْيَانَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إنْ خَرَجْت رَاكِبَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً مَاشِيَةً، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَاسِقًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ. لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَكْلِيمِهَا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ.
وَقَوْلُهُمْ: تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ. قُلْنَا: قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ آذَنَ لَك. مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَاللَّفْظَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فِي مَعْنَاهُ، فِي إخْرَاجِ الْمَأْذُونِ مِنْ يَمِينِهِ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِهِ. هَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ،
فَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى خُرُوجٍ وَاحِدٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَنَوَى الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ، إذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ: إذَا أَذِنَ لَهَا مَرَّةً، فَهُوَ إذْنٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْت، فَهُوَ بِإِذْنِي. أَجْزَأَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: إلَى أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، الْغَايَةَ،
وَأَنَّ الْخُرُوجَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ، دُونَ مَا بَعْدَهَا، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِالْإِذْنِ؛ لِنِيَّتِهِ،
فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ.
[فَصْلٌ: قَالَ إنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأُذُن لَهَا ثُمَّ نَهَاهَا فَخَرَجَتْ] (٨١٢٨) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَأَذِنَ لَهَا، ثُمَّ نَهَاهَا، فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا بِإِذْنِي.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ قَدْ أَبْطَلَ إذْنَهُ، فَصَارَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي بَيْعٍ، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُ، فَبَاعَهُ، كَانَ بَاطِلًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ، ثُمَّ تَشَاغَلَتْ بِغَيْرِهِ، أَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَخَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَلَا إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
الثَّانِي، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي الْغَالِبِ أَنْ لَا تَذْهَبَ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إلَى غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا الْحَمَّامَ وَغَيْرَهُ، أَوْ الْعِيَادَةَ وَغَيْرَهَا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت لَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ،
وَإِنْ قَصَدَتْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ، فَخَرَجَتْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَطْلُقُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بَعْدَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَزَلَ وَكِيلَهُ انْعَزَلَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ، فَكَذَلِكَ تَصِيرُ مَأْذُونًا لَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْإِذْنَ إعْلَامٌ،
وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ:{آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} . أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ فَاسْتَوَيَا فِي الْعِلْمِ. {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . أَيْ إعْلَامٌ. {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . فَاعْلَمُوا بِهِ.
وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِذْنِ، يَعْنِي أَوْقَعْته فِي إذْنِك، وَأَعْلَمْتُك بِهِ. وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ إعْلَامًا، فَلَا يَكُونُ إذْنًا، وَلِأَنَّ إذْنَ الشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا، كَذَلِكَ إذْنُ الْآدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ وُجُودُ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ.
[فَصْلٌ: حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَصَعِدَتْ سَطْحهَا] (٨١٢٩) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَصَعِدَتْ سَطْحَهَا، أَوْ خَرَجَتْ إلَى صَحْنِهَا، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ، فَخَرَجَتْ إلَى الصَّحْنِ، أَوْ إلَى سَطْحِهِ، حَنِثَ. وَهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا تَخْرُجُ، ثُمَّ حَمَلَهَا فَأَخْرَجَهَا،
فَإِنْ أَمْكَنَهَا الِامْتِنَاعُ فَلَمْ تَمْتَنِعْ، حَنِثَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ، إنَّمَا أُخْرِجَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهَا خَرَجَتْ مُخْتَارَةً، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهَا، أَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ. وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا،
فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الِامْتِنَاعُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا غَيْرُ الْحَالِفِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ، فَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَأْذَنْ، فَخَرَجَتْ، حَنِثَ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ،
وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْمَشْرُوطِ.
[مَسْأَلَةٌ: حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ تَمْرًا] (٨١٣٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ، فَأَكَلَهُ تَمْرًا، حَنِثَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ الرُّطَبِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ عَيَّنَهُ بِالْإِشَارَةِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَأْكُلَهُ رُطَبًا، فَيَحْنَثَ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجَمِيعِ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ صَرِيحًا. الثَّانِي: أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ، وَذَلِكَ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ؛
أَحَدُهَا، أَنْ تَسْتَحِيلَ أَجْزَاؤُهُ. وَيَتَغَيَّرَ اسْمُهُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: لَا أَكَلْت هَذِهِ الْبَيْضَةَ. فَصَارَتْ فَرْخًا. أَوْ لَا أَكَلْت هَذِهِ الْحِنْطَةَ. فَصَارَتْ زَرْعًا فَأَكَلَهُ، فَهَذَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ وَاسْتَحَالَتْ أَجْزَاؤُهُ.
وَعَلَى قِيَاسِهِ، إذَا حَلَفَ: لَا شَرِبْت هَذَا الْخَمْرَ. فَصَارَتْ خَلًّا، فَشَرِبَهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، وَزَالَ اسْمُهُ، مَعَ بَقَاءِ أَجْزَائِهِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ. فَصَارَ تَمْرًا، وَلَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ. فَصَارَ شَيْخًا، وَلَا آكُلُ هَذَا الْحَمَلَ. فَصَارَ كَبْشًا. أَوْ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ. فَصَارَ دِبْسًا، أَوْ خَلًّا، أَوْ نَاطِفًا، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَلْوَاءِ. وَلَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، فَصَارَتْ دَقِيقًا، أَوْ سَوِيقًا، أَوْ خُبْزًا، أَوْ هَرِيسَةً. أَوْ: لَا أَكَلْت هَذَا الْعَجِينَ، أَوْ هَذَا الدَّقِيقَ.
فَصَارَ خُبْزًا. أَوْ: لَا أَكَلْت هَذَا اللَّبَنَ. فَصَارَ سَمْنًا، أَوْ جُبْنًا، أَوْ كُشْكًا. أَوْ: لَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ. فَصَارَتْ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ فَضَاءً، ثُمَّ دَخَلَهَا أَوْ أَكَلَهُ، حَنِثَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَا إذَا حَلَفَ: لَا كَلَّمْت هَذَا الصَّبِيَّ. فَصَارَ شَيْخًا. وَلَا أَكَلْت هَذَا الْحَمَلَ. فَصَارَ كَبْشًا. وَلَا: دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ. فَدَخَلَهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا.
وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، فِي الْحِنْطَةِ إذَا صَارَتْ دَقِيقًا. وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الرُّطَبِ إذَا صَارَ تَمْرًا، وَالصَّبِيِّ إذَا صَارَ شَيْخًا، وَالْحَمَلِ إذَا صَارَ كَبْشًا، وَجْهَانِ. وَقَالُوا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَصُورَتَهُ زَالَتْ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ، فَصَارَتْ فَرْخًا.
وَلَنَا، أَنَّ عَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ، فَحَنِثَ بِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا أَكَلَتْ هَذَا الْحَمَلَ. فَأَكَلَ لَحْمَهُ. أَوْ: لَا لَبِسْت هَذَا الْغَزْلَ. فَصَارَ ثَوْبًا، فَلَبِسَهُ. أَوْ: لَا لَبِسْت هَذَا الرِّدَاءَ. فَلَبِسَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ.
وَفَارَقَ الْبَيْضَةَ إذَا صَارَتْ فَرْخًا؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا اسْتَحَالَتْ، فَصَارَتْ عَيْنًا أُخْرَى، وَلَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالِاسْمِ مَعَ التَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا هَذَا. فَغَيَّرَ اسْمَهُ. أَوْ: لَا كَلَّمْت صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ. فَكَلَّمَهُ بَعْدَ بَيْعِهِ. وَلِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْإِضَافَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَبَدَّلَتْ الْإِضَافَةُ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ، وَلَا عَبْدَهُ هَذَا، وَلَا دَخَلْت دَارِهِ هَذِهِ. فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ، فَكَلَّمَهُمَا، وَدَخَلَ الدَّارَ، حَنِثَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدٌ، وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْنَثُ، إلَّا فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُوَالَى وَلَا تُعَادَى، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ مَالِكِهَا، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِهَا، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا،
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي الْغَالِبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ التَّعْيِينُ وَالْإِضَافَةُ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ فُلَانٍ، وَلَا صَدِيقَهُ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي، وَيَلْزَمُهُ فِي الدَّارِ إذَا أَطْلَقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكَهَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا بَعْدَ بَيْعِ مَالِكِهَا إيَّاهَا. الْقِسْمُ الرَّابِعُ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ثُمَّ عَادَتْ، كَمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثُمَّ أُعِيدَ، وَقَلَمٍ انْكَسَرَ ثُمَّ بُرِيَ، وَسَفِينَةٍ تَفَصَّمَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ، وَدَارٍ هُدِمَتْ ثُمَّ بُنِيَتْ، وَأُسْطُوَانَةٍ نُقِضَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛
لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا وَاسْمَهَا مَوْجُودٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا لَمْ يُزِلْ اسْمَهُ، كَلَحْمٍ شُوِيَ أَوْ طُبِخَ، وَعَبْدٍ بِيعَ، وَرَجُلٍ مَرِضَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ لَمْ يَزُلْ، وَلَا زَالَ التَّغَيُّرُ، فَحَنِثَ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ.
[فَصْلٌ: قَالَ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمَتْ سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ وَطَلْق الزَّوْج فَفَعَلَ] (٨١٣١) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ أَوْ سَيِّدَ صُبَيْحٍ، أَوْ صَدِيقَ عَمْرٍو، أَوْ مَالِكَ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ. أَوْ: لَا كَلَّمْت هِنْدَ امْرَأَةَ سَعْدٍ، أَوْ صُبَيْحًا عَبْدَهُ، أَوْ عَمْرًا صَدِيقَهُ. فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ وَالطَّيْلَسَانَ، وَعَادَى عَمْرًا، وَكَلَّمَهُمْ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْإِضَافَةُ، غَلَبَ الِاسْمُ؛ بِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّعْيِينِ لِتَعْرِيفِ الْمَحَلِّ.
(٨١٣٢) فَصْلٌ: وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ الْإِضَافَةِ، أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَإِنَّمَا لِامْرِئِ مَا نَوَى ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.