ويجلد مكلفا عالما شرب خمرا
Its commentaries
ويجلد مكلفا عالما شرب خمرا ولو شهد بزنا دون أربعة من الرجال أو نساء أو عبيد حدوا ولو تقاذفا لم يتقاصا ولقاذف تحليف مقذوفه أنه ما زنى قط.
وسقط بعفو من مقذوف أو ووارثه الحائز.
ولا يستقل المقذوف باستيفاء الحد.
ولزوج قذف زوجته التي علم زناها وهي في نكاحه ولو بظن ظنا مؤكدا مع قرينة كأن رآها وأجنبيا في
خلوة أو رآه خارجا من عندها مع شيوع بين الناس بأنه زنى بها أو مع خبر ثقة أنه رآه يزني بها أو مع تكرر رؤيته لهما كذلك مرات ووجب نفي الولد إن تيقن أنه ليس منه وحيث لا ولد ينفيه فالأولى له الستر وعليها وأن يطلقها إن كرهها فإن أحبها أمسكها لما صح: أن رجلا أتى النبي ص فقال امرأتي لا ترد يد لامس فقال طلقها قال: إني أحبها قال أمسكها [النسائي رقم: ٣٢٢٩, ٣٤٦٤, ٣٤٦٥, أبو داود رقم: ٢٠٤٩] .
فرع: إذا سب شخص آخر فللآخر أن يسبه بقدر ما سبه مما لا كذب فيه ولا قذف: كيا ظالم ويا أحمق.
ولا يجوز سب أبيه وأمه.
وثالثها حد الشرب ويجلد أي الإمام أو نائبه مكلفا مختارا عالما بتحريم الخمر شرب لغير تداو خمرا وحقيتها عند أكثر ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ أصحابنا المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد فتحريم غيرها قياسي: أي بفرض عدم ورود ما يأتي وإلا فسيعلم منه أن تحريم الكل منصوص عليه وعند أقلهم كل مسكر ولكن لا يكفر مستحل المسكر من عصير غير العنب للخلاف فيه أي من حيث الجنس لحل قليله على قول جماعة
أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا كما حكاه الحنفية فضلا عن غيرهم
بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطرة لأنه مجمع عليه ضروري.
وخرج بالقيود المذكورة فيه أضدادها فلا حد على من اتصف بشيء منها من صبي ومجنون ومكره وجاهل بتحريمه أو بكونه خمرا إن قرب إسلامه أو بعد عن العلماء ولا على من شرب لتداو وإن وجد غيرها كما نقله الشيخان عن جماعة وإن حرم التداوي بها.
فائدة [في بيان ضابط حرمة شرب الخمر] كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيرها حرم قليله وكثيره لخبر الصحيحين [البخاري رقم: ٢٤٢, مسلم رقم: ٢٠٠١] : "كل شراب أسكر فهو حرام" وخبر مسلم [رقم: ٢٠٠٣] كل مسكر خمر وكل خمر حرام ويحد شاربه وإن لم يسكر: أي متعاطيه.
وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها وإن حرمت وأسكرت بل التعزير: ككثير البنج والحشيشة والأفيون.
(قوله: ولو شهد بزنا دون أربعة) أي شهد به رجال أحرار مسلمون كائنون دون أربعة أي أقل من أربعة فدون ظرف غير متصرف صفة لفاعل محذوف، وهذا هو الصحيح الذي جرى عليه سيبويه والبصريون، وجرى الكوفيون على أنها من الظروف المتصرفة فعليه هي فاعل شهد
(قوله: أو نساء أو عبيد) أي أو شهد به نساء أو عبيد ولو زادوا على أربعة
(قوله: حدوا) أي لانهم في غير الأولى ليسوا من أهل الشهادة، وحذرا في الأولى من الوقوع في أعراض الناس بصورة الشهادة
ولما في البخاري أن عمر رضي الله عنه حد الثلاثة الذين شهدوا بزنا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ولم يخالفه أحد.
قال في التحفة والنهاية: ولهم، أي لما دون الاربعة، تحليفه أنه لم يزن،
فإن نكل وحلفوا لم يحدوا.
اه.
(قوله: ولو تقاذفا) أي صدر من كل منهما قذف لصاحبه،
(وقوله: لم يتقاصا) أي لم يسقط حد هذا بقذف الآخر ولا العكس، بل لكل منهما حد على الآخر، وذلك لأن شرط التقاص اتحاد الجنس والصفة وهو متعذر هنا لاختلاف تأثير الحدين باختلاف البدنين غالبا
(قوله: ولقاذف تحليف مقذوفه) أي رجاء أن ينكل المقذوف فيحلف القاذف ويسقط عنه الحد
(قوله: وسقط) أي حد القذف،
(وقوله: بعفو) أي عنه كله
فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شئ.
(وقوله: من مقذوف) متعلق بمحذوف صفة لعفو: أي عفو صادر من مقذوف
(قوله: أو وارثه الحائز) أي أو بعفو صادر من وارث المقذوف الحائز: أي لجميع التركة وخرج بالحائز غيره كأن عفا بعض الورثة فلا يسقط منه شئ، وذلك لانه يرث الحد جميع الورثة الخاصين غير موزع، بل يثبت كله جملة لكل واحد بدلا عن الآخر،
فلو عفا بعضهم عن حصته فللباقين استيفاء جميعه لانه عار، والعار يلزم الواحد كما يلزم الجميع.
وكما يسقط الحد بالعفو يسقط بإقامة البينة على زنا المقذوف وبإقرار المقذوف به وبإرث القاذف الحد
(قوله: ولا يستقل المقذوف الخ) أي بل الذي يستقل به الإمام أو نائبه،
فلو استقل به المقذوف لم يقع الموقع ولو كان بإذن الامام أو القاذف،
فإن مات القاذف به قتل المقذوف ما لم يكن بإذن القاذف وإن لم يمت لم يجلد حتى يبرأ من الالم الاول
(قوله: ولزوج قذف زوجته الخ) ظاهره أن له ذلك ويسقط عنه الحد، وليس كذلك، بل لا يسقط عنه إلا إذا أقام بينة على زناها أو لاعن زوجته.
تنبيه: إعلم أن الفقهاء عقدوا اللعان بابا وذكروه بعد الظهار، والشارح رحمه الله تعالى لم يتعرض له أصلا، ويناسب ذكر نبذه تتعلق به هنا.
وحاصلها أن اللعان شرعا كلمات خمسة جعلت كالحجة للمضطر إلى قذف الزوجة التي لطخت فراشه أو إلى نفي ولد علم أو ظن ظنا مؤكدا أنه ليس منه ظاهرا كأن لم يطأ أو ولدته لدون ستة أشهر من الوطئ، والقذف لنفيه حينئذ واجب وهي أن يقول: إذا قذف زوجته أربع مرات أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا وأن يقول الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وذلك لقوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) * ويحصل باللعان أشياء كانتفاء نسب نفاه به حيث كان ولد لما في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما وألحق الولد بالمرأة ودرأ الحد عنه الثابت لها بالقذف،
وكذا للزاني إن كان قد عينه في قذفه وسماه في لعانه وكتحريم المرأة عليه مؤبدا لخبر البيهقي اللاعنان لا يجتمعان وكإيجاب الحد عليها إن لم تلاعن فإن لاعنت فلا حد، وذلك لقوله تعالى: * (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادة بالله إنه لمن الكاذبين.
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) * وكانفساخ النكاح ظاهرا وباطنا
(قوله: التي علم زناها) أي كأن رآها تزني وكأن أخبره عدد التواتر بزناها،
فإن لم يعلم زناها ولم يظنه ظنا مؤكدا حرم عليه قذفها ولعانها ولو كان هناك ولد لانه يلحقه بالفراش وقوله وهي في نكاحه: الجملة حال من زناها: أي علم زناها والحال أنها هي في نكاحه فإن علم زناها وليست هي في نكاحه فليس له أن يقذفها،
فإن قذفها حد وليس له لعان لعدم احتياجه لقذفها حينئذ كالاجنبية
(قوله: ولو بظن ظنا مؤكدا) تأمل هذه الغاية بعد قوله علم زناها والاولى أو ظن بأو العاطفة بدل ولو
(قوله: مع قرينة) حال من ظنا أي أو ظنه ظنا مصحوبا بقرينة، والأولى أن يقول بقرينة بباء التصوير بدل مع المفيدة للمصاحبة، وذلك لان الظن يحصل بالقرينة مع الشيوع لا معها
(قوله: كأن رآها الخ) تمثيل للقرينة،
(وقوله: أو رآه) أي أو رأى الاجنبي خارجا من عند زوجته: أي أو رأى رجلا معها مرارا في محل ريبة أو مرة تحت شعار واحد، وهو ما ولي الجسد من الثياب
(قوله: مع شيوع بين الناس) متعلق بالفعلين قبله، ويحتمل جعله متعلقا بمحذوف صفة لقرينة: أي مع قرينة مصحوبة بشيوع فلا تكفي القرينة وحدها لانه ربما رأى الاجنبي دخل عليها لخوف أو سرقة أو نحوها أو دخلت هي على الاجنبي لذلك ولا الشيوع وحده لانه قد يشيعه عدو لها أو من طمع فيها ولم يظفر بشئ
(قوله: أو مع خبر ثقة) معطوف على قوله مع قرينة، وعبارة التحفة: وكإخبار عدل رواية أو من اعتقد صدقه له عن معاينة بزناها وليس عدوا لها ولا له ولا للزاني.
قال بعضهم: وقد بين كيفية الزنا لئلا يظن ما ليس بزنا وكإقرارها له به واعتقد صدقها.
اه.
(قوله: أو مع تكرر الخ) معطوف على قوله مع قرينة، أو على قوله أو مع خبر ثقة،
(وقوله: رؤيته) أي الزوج،
(وقوله: لهما) أي لزوجته والاجنبي وقوله كذلك: أي في الخلوة أو خارجا من عندها،
(وقوله: مرات) مفعول مطلق مؤكد لقوله تكرر، إذ التعدد يفهم من التكرر
(قوله: ووجب نفي الولد) أي فورا،
فإن أخر بلا عذر بطل حقه من النفي فيلحقه الولد،
بخلاف ما إذا كان بعذر كأن بلغه الخبر ليلا فأخر حتى يصبح، أو كان مريضا أو محبوسا ولم يمكنه إعلام القاضي بذلك أو لم يجد القاضي فأخر حتى يجده فلا يبطل حقه في ذلك أن تعسر عليه الاشهاد بأنه باق على النفي، وإلا بطل حقه
ثم إن علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا قذفها ولاعن، ولا بد أن يذكر نفي الولد في كلمات اللعان الخمسة بأن يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا وأن هذا الولد ليس مني أو هذا الولد من زنا فإن لم يعلم زناها أو يظنه فلا يجوز له قذفها، كما تقدم، ويقتصر على النفي باللحان لجواز كونه من شبهة أو زوج سابق بأن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين في أن هذا الولد ليس مني،
(وقوله: إن تيقن أنه ليس منه) أي أو ظنه ظنا مؤكدا، وذلك بأن لم يطأها في القبل أو لم تستدخل ماءه المحترم أصلا أو وطئها فيه أو استدخلت ماءه المحترم ولكن ولدته لدون ستة أشهر من الوطئ ولو لاكثر منها من العقد أو فوق أربع سنين من الوطئ فإن لم يكن يعلم أو يظن أنه ليس منه حرم عليه النفي والقذف
(قوله: وحيث لا ولد ينفيه الخ) هذا مقابل لمقدر: أي ما مر من جواز القذف ووجوب نفي الولد إذا كان هناك ولد ينفيه،
فإن لم يكن هناك ولد فالاولى له أن يستر عليها مع إمساكها أو مع طلاقها فهو مخير في ذلك، فقوله بعد وأن يطلقها الخ بيان لهذين الحالين، وقوله فإن أحبها أمسكها: في البجيرمي: قال الحلبي فيه تصريح بأن له إمساكها مع علمه بأنها تأتي الفاحشة.
اه.
(قوله: إذا سب شخص آخر للآخر أن يسبه) أي لخبر أبي داود أن زينب لما سبت عائشة رضي الله عنها قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - سبيها وإذا سبه فقد استوفى حق نفسه، ويبقى على الاول إثم الابتداء لما فيه من الايذاء، والاثم لحق الله تعالى.
قال في التحفة: كذا قاله غير واحد، والذي يتجه أنه لا يبقى عليه إلا الثاني لأنه إذا وقع الاستيفاء بالسبب المماثل فأي ابتداء يبقى على الاول للثاني حتى يكون عليه إثم؟ وإنما الذي عليه الاثم المتعلق بحق الله،
فإذا مات ولم يتب عوقب عليه إن لم يعف عنه.
اه.
بتصرف.
(وقوله: بقدر ما سبه) قال ح ل: أي عددا لا مثل ما يأتي به الساب لان الذي يأتي به الساب قد يكون كذبا وقذفا وهو لا يسب بنظيره،
(وقوله: مما لا كذب فيه ولا قذف) بيان للقدر الصادر من الثاني فهو متعلق بمحذوف حال منه: أي حال كون هذا القدر الذي يسبه به ليس فيه كذب ولا قذف وليس بيانا لما الواقعة على السب الصادر من السب الاول، ويدل على ذلك عبارة شرح المنهج ونصها: وإنما يسبه بما ليس كذبا ولا قذفا.
اه.
وكتب عليها البجيرمي: قوله بما ليس كذبا ولا قذفا وإن كان ما أتى به الاول كذبا وقذفا، وقد يقال في هذا لم يسبه بقدر ما سبه ح ل.
ويدفع بأن المراد قدره عددا لا صفة كما ذكره.
اه.
(قوله: كيا ظالم ويا أحمق) تمثيل لما لا كذب فيه ولا قذف، وذلك لأنه ليس هنا أحد يكاد ينفك عن ذلك والاحمق هو من يفعل الشئ في غير موضعه مع علمه بقبحه.
وفي المصباح الحمق فساد في العقل.
تنبيه: قال في المغني: يجوز للمظلوم أن يدعو على ظالمه كما قاله الجلال السيوطي في تفسير قوله تعالى: * (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) * قال: بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه: اه.
ويخفف عن الظالم بدعاء المظلوم لما رواه أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينقصه حتى يستوفي حقه وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من دعا على من ظلمه فقد استنصر وفي كتاب اللطائف للقاضي أبي يوسف أن امرأة من بني إسرائيل كانت صوامة قوامة سرقت لها امرأة دجاجة فنبت ريش الدجاجة في وجه السارقة وعجزوا عن إزالته عن وجهها، فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقالوا: لا يزول هذا الريش إلا بدعائها عليها، فلم تزل تكرر ذلك حتى سقط جميع الريش.
اه.
(قوله: وثالثها) أي الحدود
(قوله: حد الشرب) أي شرب كل مسكر، وهو من الكبائر لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) * أي القمار و * (الانصاب) * أي ما ينصب ليعبد من دون الله * (والازلام) * أي القداح التي يضرب بها * (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * وقوله عليه الصلاة والسلام: لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه زاد في رواية: وآكل ثمنها وقوله عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشرب الخمر وقوله عليه الصلاة والسلام: اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر وقوله عليه الصلاة والسلام: إذا تناول العبد كأس الخمر ناداه الايمان: أنشدك بالله أن لا تدخله علي فإني لا أستقر أنا وهو في موضع واحد،
فإن شربه يفر منه مفرة لم يعد إليه أربعين صباحا،
فإن تاب تاب الله عليه وسلب من عقله شيئا لا يرده عليه إلى يوم القيامة.
واعلم: أن في شربها عشر خصال مذمومة تقع له في الدنيا: أولها إذا شربها يصير بمنزلة المجنون ويصير مضحكة للصبيان ومذموما عند العقلاء، وإلى هذا أشار ابن الوردي بقوله: واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل؟ ثانيها: أنها مذهبة للعقل متلفة للمال.
ثالثها: أن شربها سبب للعداوة بين الاخوان والاصدقاء.
رابعها: أن شربها يمنع من ذكر الله ومن الصلاة.
وخامسها: أن شربها يحمل على الزنا وعلى طلاق امرأته وهو لا يدري.
سادسها: أنها مفتاك كل شر.
سابعها أن شربها يؤذي الحفظة الكرام بالرائحة الكريهة.
ثامنها: أن شاربها أوجب على نفسه أربعين جلدة،
فإن لم يضرب في الدنيا ضرب في الآخرة بسياط من نار على رؤوس الأشهاد والناس ينظرون إليه والآباء والاصدقاء.
تاسعها: أنه أغلق باب السماء على نفسه فلا ترفع حسناته ولا دعاؤه أربعين يوما.
عاشرها: أنه مخاطر بنفسه لانه يخاف عليه أن ينزع الايمان منه عند موته.
وأما العقوبات التي في الآخرة فلا تحصى: كشرب الحميم، والزقوم، وفوت الثواب، وغير ذلك.
واعلم: أن الخمرة كان شربها جائزا في صدر الإسلام، ثم حصل التحريم بعد ذلك في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد،
وفي تفسير البغوي ما نصه: وجملة القول على تحريم الخمر أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي: * (من ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) * فكان المسلمون يشربونها، وهي لهم حلال يومئذ.
ثم أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الانصار أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى: * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) * إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا أناسا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب وتقدم بعضهم ليصلي فقرأ: *
(قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون) * بحذف لا النافية، فأنزل الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) * فحرم السكر في أوقات الصلاة.
فلما نزلت هذه الآية تركها قوم وقالوا لا خير في شئ يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير أوقاتها حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر.
واتخذ عتبان بن مالك طعاما ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند عتبان وانتسبوا وتناشدوا الاشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو للانصار وفخر لقومه، فأخر رجل من الانصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه شجة موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكا إليه الانصار فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) * إلى قوله * (فهل أنتم منتهون) * وذلك بعد غزوة الاحزاب بأيام فقال عمر انتهينا يا رب.
اه.
(قوله: ويجلد) أي بسوط أو عصا معتدلة أو نعل أو أطراف ثياب لما روى الشيخان أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يضرب بالجريد والنعال وفي البخاري عن أبي هريرة أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسكران فأمر بضربه: فمنا من ضرب بيده، ومنا من ضرب بنعله، ومنا من ضرب بثوبه.
ويفرق الضارب الضرب على الاعضاء فلا يجمعه في موضع واحد لانه قد يؤدي إلى الهلاك، ويجتنب المقاتل، وهي المواضع التي يسرع الضرب فيها إلى القتل: كالقلب ونقرة النحر والفرج، ويجتنب الوجه أيضا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ولانه مجمع المحاسن،
بخلاف الرأس فلا يجتنبه لانه مغطى بالعمامة غالبا
(قوله: أي الإمام أو نائبه) أي أن الذي يستوفي الحد الإمام أو نائبه لا غيرهما
(قوله: مكلفا) أي ولو حكما، فدخل السكران المتعدي بسكره، ولا بد أن يكون ملتزما للاحكام.
فخرج الحربي لعدم التزامه لها، والذمي أيضا لأنه لا يلزم بالذمة ما لا يعتقده
(قوله: عالما بتحريم الخمر) أي وبكون ما شربه خمرا
(قوله: شرب إلخ) الجملة صفة لمكلفا أي مكلفا موصوفا بكونه شرب خمرا، أي أو أكل بأن جمد الخمر وأكله،
بخلاف ما لو احتقن به بأن أدخله دبره أو استعط به بأن أدخله أنفه فلا يحد بذلك لان الحد للزجر ولا حاجة إليه هنا
(وقوله: خمرا) أي صرفا لغير ضرورة وإن قل وإن لم يسكر لقلته وإن كان درديا، وهو ما يبقي في أسفل إنائه ثخينا، وخرج بالصرف ما لو شربه في ماء استهلك فيه بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح، أو أكل خبزا عجن دقيقه به أو لحما طبخ به، أو معجونا هو فيه فلا حد بذلك لاستهلاك عين الخمر،
بخلاف ما لو شرب مرق اللحم المطبوخ به أو غمس به أو ثرد فيه فإنه يحد به لبقاء عينه، وخرج بغير ضرورة ما لو غص بلقمة، أي شرق بها، ولم يجد غيره فأساغها به فلا حد عليه لوجوبها عليه إنقاذا لنفسه من الهلاك، فهذه رخصة واجبة،
فلو وجد غيره، ولو بولا، أساغها به، وحرم إساغتها بالخمر، ولكن لا حد به على المعتمد للشبهة
(قوله: وحقيقتها) أي حقيقة الخمر اللغوية ما ذكر، وعليه فإطلاق الخمر على المسكر من غير عصير العنب مجاز.
(وقوله: المسكر من عصير العنب) إنما سمي خمرا لكونه يخمر العقل: أي يستره
(قوله: وإن لم يقذف بالزبد) أي وإن لم يرم به
قال في المصباح: الزبد بفتحتين من البحر وغيره كالرغوة اه.
(قوله: فتحريم غيرها) أي غير الخمرة المتخذة من عصير العنب كالمتخذة من الانبذة:
(وقوله: قياسي) أي بالقياس على المتخذ من عصير العنب بجامع الاسكار في كل
(قوله: أي بفرض إلخ) أي أن كونه قياسا إنما هو على فرض عدم ورود ما يأتي من خبر الصحيحين وخبره مسلم وقال سم: لا حاجة إليه بناء على جواز القياس مع وجود النص
(قوله: وإلا) أي بأن فرض وروده.
(وقوله: فسيعلم منه) أي مما يأتي.
(وقوله: أن تحريم الكل) أي ما اتخذ من عصير العنب وما اتخذ من غيره، والملائم والاخصر في الجواب أن يقول فهو منصوص عليه
(قوله: وعند أقلهم) معطوف على قوله عند أكثر أصحابنا: أي وحقيقتها عند أقلهم كل مسكر وهذا هو ظاهر الاحاديث كحديث كل مسكر خمر، وكل خمر حرام
(قوله: ولكن لا يكفر مستحل المسكر) عبارة النهاية: ولكن لا يكفر مستحل قدر لا يسكر من غيره.
اه.
وكتب الرشيدي عليها: بخلاف مستحل الكثير منه فإنه يكفر، خلافا لابن حجر.
اه.
(قوله: للخلاف فيه) أي في المسكر من غير عصير العنب.
(وقوله: أي من حيث الجنس) دفع به ما يقال أن الخلاف ليس فيه مطلقا، بل في القليل منه وهو القدر الذي لا يسكر.
وحاصل الدفع أن يقال أن المراد أن الخلاف فيه من حيث جنسه وهو يصدق بالقليل والكثير والمراد القليل،
(وقوله: لحل قليله) أي وهو القدر الذي لا يسكر بدليل قوله بعد أما المسكر الخ
(قوله: بخلاف مستحله) أي المسكر وقوله من عصير العنب متعلق بمحذوف حال من ضمير مستحله.
وقوله الصرف: خرج غير الصرف وقد تقدم الكلام عليه
(وقوله: الذي لم يطبخ) أي
بخلاف ما لو طبخ على صفة يقول بحلها بتلك الصفة بعض المذاهب.
اه.
ع ش
(قوله: لانه مجمع عليه ضروري) علة لمحذوف: أي
بخلاف مستحله من عصير العنب الخ فيكفر به لانه مجمع عليه ضروري: أي لان تحريمه مجمع عليه.
وفي مغنى الخطيب: ولم يستحسن الامام إطلاق القول بتكفير مستحل الخمر.
قال: وكيف نكفر من خالف الاجماع ونحن لانكفر من يرد أصله وإنما نبدعه؟ وأول كلام الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن تحريم الخمر ثبت شرعا ثم حلله فإنه رد للشرع.
حكاه عن الرافعي.
ثم قال: وهذا إن صح فليجر في سائر ما حصل الاجماع على افتراضه فنفاه أو تحريمه فأثبته، وأجاب عنه الزنجاني بأن مستحل الخمر لا نكفره لانه خالف الاجماع فقط، بل لانه خالف ما ثبت ضرورة أنه من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - والاجماع والنص عليه.
اه.
(قوله: وخرج بالقيود المذكورة فيه) أي في جلد من شرب المسكر، وهي كونه مكلفا مختارا عالما بتحريم الخمر شرب لغير تداو خمرا
(قوله: فلا حد على من الخ) أي ولا حرمة أيضا في معظمها
(وقوله: بشئ منها) أي من أضدادها
(قوله: من صبي الخ) بيان لشئ
(قوله: ومكره) منه المصبوب في حلقه قهرا،
ويجب عليه أن يتقايأه بعد زوال الاكراه
(قوله: وجاهل بتحريمه) بخلاف ما لو كان عالما به وجهل وجوب الحد عليه فانه يجب عليه الحد لأنه كان من حقه حيث علم الحرمة أن يمتنع عن الشرب فلما شرب مع ذلك غلظ عليه بإيجاب الحد.
وقوله أو بكونه خمرا: أي أو جاهل بكونه خمرا كأن شربه يظنه ماء أو نحوه فلا حد عليه للعذر ويصدق في دعواه الجهل بيمينه
(قوله: إن قرب إلخ) قيد في عدم حده بالجهل
(قوله: ولا على من شرب لتداو) أي ولا حد على من شرب الخمر للتداوي.
(قوله: وإن وجد غيرها) أي غير الخمر من الطاهرات للشبهة وهو غاية لعدم الحد بشربها للتداوي
(قوله: وإن حرم التداوي بها) أي بصرفها، وهو غاية ثانية لما ذكر، وإنما حرم التداوي بها لانه - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن التداوي به قال إنه ليس بدواء ولكنه داء.
وصح خبر أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وما دل عليه القرآن أن فيها منافع إنما هو قبل تحريمها،
وأما بعده فالله سبحانه وتعالى سلبها منافعها.
وخرج بصرفها ما إذا استهلكت في دواء فيجوز التداوي به إذا لم يجد ما يقوم مقامه من الطاهرات كالتداوي بالنجس غير الخمر كلحم الميتة والبول بالشرط المذكور.
(قوله: فائدة) أي بيان ضابط حرمة شرب الخمر
(قوله: كل إلخ) مبتدأ خبره حرم قليله إلخ
(قوله: من خمر) بيان للشراب، وهي المتخذة من عصير العنب،
(وقوله: أو غيرها) أي غير الخمر، وهو المتخذ من نقيع التمر والزبيب وغيره
(قوله: حرم قليله وكثيره) قال في المغني: وخالف الإمام أبو حنيفة في القدر الذي لا يسكر من نقيع التمر والزبيب غيره، واستند لاحاديث معلولة بين الحفاظ، وأيضا أحاديث التحريم متأخرة فوجب العمل بها.
اه.
(قوله: لخبر الصحيحين) أي ولخبر أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره وخبر ما أسكر كثيره قليله حرام
(قوله: ويحد شاربه وإن لم يسكر) أي حسما لمادة الفساد كما حرم تقبيل الاجنبية والخلوة بها لافضائه إلى الوطئ المحرم
(قوله: أي متعاطيه) تفسير لقوله شاربه: أي أن المراد بالشارب المتعاطي له سواء كان بالشرب أو غيره، كما في المغنى، وعبارته.
تنبيه: المراد بالشارب المتعاطي شربا كان أو غيره، سواء فيه ليتفق على تحريمه والمختلف فيه، وسواء جامدة ومائعه مطبوخه ونيئه، وسواء أتناوله معتقدا تحريمه أم إباحته على المذهب لضعف أدلة الاباحة.
اه.
(قوله: وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات) أي ما عدا جامد الخمر،
أما هو فيحد متعاطيه كما مر
(قوله: فلا حد فيها) أي الجامدات وقوله وإن حرمت: الصواب حذف هذه والاقتصار على ما بعده لان الكلام فيما حرم من الجامدات.
تأمل
(قوله: بل التعزير) أي بل فيها التعزير
(قوله: ككثير البنج إلخ) تمثيل لما حرم من الجامدات
(قوله: والحشيشة) أي وككثير الحشيشة. واعلم: أن العلماء قد ذكروا في مضار الحشيشة نحو مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية: منها أنها تورث النسيان والصداع وفساد العقل والسل والاستسقاء والجذام والبرص وسائر الامراض وإفشاء السر وإنشاء الشر وذهاب الحياء وعدم المروءة وغير ذلك،
ومن أعظم قبائحها أنها تنسي الشهادة عند الموت، وجميع قبائحها موجود في الافيون والبنج ونحوهما.
ويزيد الافيون بأن فيه تغيير الخلقة، كما هو مشاهد من أحوال من يتعاطاه، وما أحسن ما قيل في الحشيشة: قل لمن يأكل الحشيشة جهلايا خسيسا قد عشت شر معيشه دية العقل بدرة فلماذا يا سفيها قد بعتها بحشيشة؟ والبدرة كما في القاموس كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف درهم
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.