فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر) من رمضان لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه.

٨٩١

وفي " الصحيحين ": «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» زاد أحمد " وما تأخر ". وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة أو لعظم قدرها عند الله أو لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وهي أفضل الليالي وهي باقية لم ترفع للأخبار،

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

(وترجى ليلة القدر في العشر الأَخير) من رمضان هذه الصحيح من المذهب، وقول جمهور العلماء، من الصحابة وغيرهم، ومذهب مالك، والشافعي، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل عليه، وعلى هذا لو نذر الاعتكاف، أو الطلاق في ليلة القدر، لزمه اعتكاف العشر كلها، ووقع الطلاق في آخر ليلة منها، هذا إن صدر قبل مضي شيء منها،

٣٬٤٢١

فإذا نذر أو علق بعد أن مضى ليلة، لم تطلق إلا بمضي العشر كلها من العام الآتي، ولم يف بالنذر إلا باعتكاف ما بقي، مع عشر الآتي أيضًا، وليلة القدر في رمضان وفاقًا، فتطلب فيه، لشرفها وعظمها، وبركتها، صرح به الموفق وغيره.

تقدم من ذنبه» . زاد أحمد «وما تأخر» أي من ذنبه، وله من عبادة «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» وللنسائي من حديث قتيبة «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ، قال الحافظ: وإسناده على شرط الصحيح، وقيامها يكفر الذنوب لمن وافقت له، شعر بها أو لم يشعر.

لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة أي لما تكتبه فيها الملائكة من الأقدار، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة، إلى مثلها من السنة المقبلة، لقوله تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} وهو قول أكثر المفسرين، والمراد التقدير الخاص، لا التقدير العام، فإنه متقدم على خلق السموات والأرض، كما صحت به الأخبار.

أفضل الليالي . وهي باقية، لم ترفع للأخبار المتواترة بطلبها وقيامها، ونقل جمع من أهل المذاهب أنها خاصة بهذه الأمة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وأمارتها ما في حديث أبي وغيره: أن الشمس تطلع في صبيحتها كالطشت، وهذا أشهر علاماتها، ولأحمد عن عبادة: إنها صافية، بالجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح،

٣٬٤٢٢

وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، لا يحل لشيطان أن يخرج معها حينئذ، قال الشيخ: وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يفتح الله على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر.

. وهي باقية، لم ترفع للأخبار (وأوتاره آكد) أي أوتار العشر الأخير من رمضان، آكد من الشفع، وأبلغ من بقية ليالي الشهر، وهو مذهب جمهور العلماء، وهي الحادية، والثالثة، والخامسة، والسابعة، والتاسعة والعشرون.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» البحث في ليلة القدر ليس هذا محله فيما يبدو لنا، ومحله

٨٬٤٦٥

إما الاعتكاف، وإما صلاة التطوع.

٨٬٤٦٦

أما الاعتكاف فلأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا رجاء إصابة ليلة القدر.

٨٬٤٦٧

وأما صلاة التطوع فلأن ليلة القدر يشرع إحياؤها، ولا مناسبة بين ليلة القدر وبين صوم التطوع فيما نرى، ولكنهم رحمهم الله لما أتموا ذكر الصيام وما يتعلق به ذكروا ليلة القدر.

وليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً، ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح البخاري.

٨٬٤٦٨

وفي ليلة القدر مباحث:

المبحث الأول: هل هي باقية أو رفعت؟ الجواب: الصحيح بلا شك أنها باقية، وما ورد في الحديث أنها رفعت، فالمراد رفع علم عينها في تلك السنة؛ لأن النبي ﷺ رآها ثم خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت ، هكذا جاء الحديث.

المبحث الثاني: هل هي في رمضان، أو غيره؟

الجواب: لا شك أنها في رمضان وذلك لأدلة منها:

أولاً: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ، فالقرآن أنزل في شهر رمضان، وقد قال الله ـ تعالى ـ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ [القدر]،

٨٬٤٦٩

فإذا ضممت هذه الآية إلى تلك تعين أن تكون ليلة القدر في رمضان، لأنها لو كانت في غير رمضان ما صح أن يقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

وهذا دليل مركب، والدليل المركب لا يتم الاستدلال به إلا بضم كل دليل إلى الآخر، والأدلة المركبة لها أمثلة منها هذا المثال.

ومنها أقل مدة الحمل الذي إذا ولد عاش حياً، هي ستة أشهر، علمنا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾

٨٬٤٧٠

وقال في آية أخرى ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإذا أسقطنا العامين من ثلاثين شهراً بقي ستة أشهر فتكون مدة الحمل. المبحث الثالث: في أي ليلة من رمضان تكون ليلة القدر.

الجواب: القرآن لا بيان فيه؛ في تعيينها، لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان،

٨٬٤٧١

فإن الرسول ﷺ«اعتكف العشر الأولى من رمضان، يريد ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل: إنها في العشر الأواخر، وأريها ﷺ ، وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وفي ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وكان معتكفاً ﷺ فأمطرت السماء فوكف المسجد ـ أي: سال الماء من سقفه ـ وكان سقف مسجد النبي ﷺ من جريد النخل فصلى الفجر ﷺ بأصحابه، ثم سجد على الأرض، قال أبو سعيد: فسجد في ماء وطين حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهته» فتبيَّن بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين.

وأري جماعة من أصحابه ليلة القدر في السبع الأواخر فقال ﷺ :«أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر» أي اتفقت «فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»، وعلى هذا فالسبع الأواخر أرجى العشر الأواخر، إن لم يكن المراد بقوله ﷺ :«أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر» أي في تلك السنة، فهذا محتمل؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر كلها إلى أن مات، فيحتمل أن يكون معنى قوله «أرى رؤياكم قد تواطأت» أي: في تلك السنة بعينها، لم تكن ليلة القدر إلا في السبع الأواخر، وليس المعنى في كل رمضانٍ مستقبلٍ تكون في السبع الأواخر، بل تبقى في العشر الأواخر كلها.

المبحث الرابع: هل ليلة القدر في ليلة واحدة كل عام أو تنتقل؟

في هذا خلاف بين العلماء.

٨٬٤٧٢

والصحيح أنها تتنقّل فتكون عاماً ليلة إحدى وعشرين، وعاماً ليلة تسع وعشرين، وعاماً ليلة خمس وعشرين، وعاماً ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، لكن أرجى الليالي ليلة سبع وعشرين، ولا تتعين فيها كما يظنه بعض الناس، فيبني على ظنه هذا، أن يجتهد فيها كثيراً ويفتر فيما سواها من الليالي.

والحكمة من كونها تتنقل أنها لو كانت في ليلة معينة، لكان الكسول لا يقوم إلا تلك الليلة، لكن إذا كانت متنقلة، وصار كل ليلة يحتمل أن تكون هي ليلة القدر صار الإنسان يقوم كل العشر،

٨٬٤٧٣

ومن الحكمة في ذلك أن فيه اختباراً للنشيط في طلبها من الكسلان.

المبحث الخامس: في سبب تسميتها ليلة القدر.

فقيل: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل، وبيان إتقان صنعه، وخلقه فهناك: كتابة أولى وهذه قبل خلق السموات والأرض، بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه كتابة لا تتغير ولا تتبدل لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ *﴾ [الرعد] أي: أصله الذي هو مرجع كل ما يكتب.

الكتابة الثانية عُمُرية، فيكتب على الجنين عمله، ومآله، ورزقه، وهو في بطن أمه، كما ثبت هذا في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود المتفق عليه .

الكتابة الثالثة، الكتابة السنوية، وهي التي تكون ليلة القدر، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ *فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *﴾ [الدخان] يفرق، أي: يفصل ويبين كل أمر حكيم، وأمر الله كله حكيم.

٨٬٤٧٤

وقيل: سميت ليلة القدر، من القدر وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي: ذو شرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القدر].

٨٬٤٧٥

وقيل: لأن للقيام فيها قدراً عظيماً، لقول النبي ﷺ :«من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» وهذا لا يحصل في قيام ليلة سوى ليلة القدر،

٨٬٤٧٦

فلو أن الإنسان قام ليلة الاثنين والخميس أو غيرهما، في أي شهر لم يحصل له هذا الأجر. المبحث السادس: ورد أن من قام ليلة القدر غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : كل حديث ورد فيه «وما تأخر» غير صحيح؛ لأن هذا من خصائص النبي ﷺ؛ حتى أهل بدرٍ ما قيل لهم ذلك؛ بل قيل:«اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»؛ لأنهم فعلوا هذه الحسنة العظيمة في هذه الغزوة، فصارت هذه الحسنة العظيمة كفارة لما بعدها، وما قاله رحمه الله صحيح.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.