ومن ترك واجبا فعليه دم
الشروح عليها
(ومن ترك واجبا) ولو سهوا (فعليه دم) فإن عدمه فكصوم المتعة
لا زيادة له على هذه المسألة.
«ومن ترك واجباً فعليه دم»، الواجبات ذكرنا أنها سبعة،
وإذا أطلق الدم في لسان الفقهاء فهو: سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بد فيها من شروط الأضحية، وهي أن تكون قد بلغت السن المعتبر وهو في الإبل خمس سنين،
وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة،
وفي الضأن نصف سنة ستة أشهر، ولا بد أيضاً أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البين ونحوه.
وهذا الدم دم جبران لا دم شكران، وعليه فيجب في الحرم أن يتصدق به جميعه على فقراء الحرم، ويوزع في الحرم،
فإن ذبحه خارج الحرم لم يجزئ،
ولو ذبح هدي المتعة والقران في عرفة لم يجزئ؛ لأنه في غير المكان المعتبر شرعاً،
فإذا ذبحه في عرفة فكأنما ذبحه في الصين،
ولو ذبح في الصين مثلاً وجاء به إلى عرفة لم يجزئ، فالحل واحد من عرفة إلى أبعد الدنيا.
وقال بعض الشافعية: إذا ذبحه في الحل وفرقه في الحرم فلا بأس؛ لأن أهله هم أهل الحرم، وقد أداه إليهم، ولكن قد يقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذبحه في الحرم وذبحه في الحل، حيث إنه عبادة والعبادة في الحرم أفضل منها في الحل،
فإذا ذبح في الحل فاتته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصح،
وإن كان المقصود التصدق على فقراء الحرم أن يصل إليهم لكن ـ أيضاً ـ الذبح نفسه عبادة، فكونه ينقل من محل فاضل إلى محل مفضول يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نذر أن يصلي ركعتين بالمسجد الحرام فإنه لا يصح أن يصلي الركعتين في المسجد النبوي؛ لأن المسجد الحرام أفضل،
وإذا كان النبي ﷺ ما عذر الصحابي الذي ذبح أضحيته في غير الوقت، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نظراً، لكن إذا سألنا أناس وليس في المسألة دليل واضح ينهى عن الذبح في الحل، فينبغي أن يقال: لا تعيدوا ولا تعودوا، لا تعيدوا أي: لا تذبحوا مرة ثانية، ولا تعودوا أي: لا تعودوا لمثله، خصوصاً إذا كانوا أناساً يغلب عليهم الجهل وسلامة القلب، وأنهم ما تعمدوا المخالفة، والمقصود حصل بإعطاء اللحم إلى أهله،
فإن قيل: أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ـ وإن كان معذوراً بجهل ـ نلزمه بالإعادة؟
هذا لا شك إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، ولكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم،
أما قول النبي ﷺ :«كل منى منحر»، «وكل فجاج مكة طريق ومنحر»، فلا يدل على أن غيرها ليس بمنحر إلا بالمفهوم، ومثل هذه الأمور التي ليس فيها نص، والأمر قد انقضى وانتهى، لا حرج على الإنسان أن يراعي أحوال المستفتي، فلا يشق عليه في أمر لم يجد فيه نصاً، لكن يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذه المسألة لأنها مهمة. وقوله:«فعليه دم» ما الدليل على أن تارك الواجب عليه دم؟
هذا ـ أيضاً ـ يحتاج إلى دليل واضح يستطيع أن يواجه الإنسان ربه به، إذا أوجب على عباد الله ما لم يوجبه الله عليهم؛ لأن إيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب أو أشد؛ لأن إسقاط ما يجب تخفيف، وإيجاب ما لم يجب تشديد، والموافق للإسلام التخفيف، فإيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم، وفيه قول على الله بلا علم، وإشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد، وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجباً، لكن هل فيه تكليف على العباد؟
الجواب: لا، وكذلك نقول في التحريم والتحليل، فتحريم ما كان مباحاً أشد من إباحة ما عسى أن يكون حراماً.
والدليل على هذا قول صحابي جليل وهو ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال:«من ترك شيئاً من نسكه، أو نسيه فليهرق دماً»، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولاً أو فعل فعلاً لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حمل على أنه مرفوع حكماً، ولا يرد على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف بالتساهل في النقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل يشدد في النقل عنهم، كما سبق، كما أن هذا حكم وليس خبراً، فعليه نقول ما يلي: أولاً: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وله حكم الرفع؛
لأن مثله لا يقال بالرأي.
ثانياً: على فرض أن مثله يقال بالرأي وأن ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع، وأنه قاله بالاجتهاد.
وكيف يكون بالاجتهاد؟
الجواب: لأنه رضي الله عنه رأى أنَّ تركَ ما يجب كفعل ما يحرم، كلاهما انتهاك للنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، وابن عباس رضي الله عنهما اختار أكمل الثلاثة فقال:«من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً»، فيكون هذا الرأي مبنياً على اجتهاد، وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل المحظور، فوجب الدم.
ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر، أي إن سُلِّمَ الدليل من جهة النظر،
وأن في ترك الواجب دماً فذاك،
وإن لم يسلم، وقيل: الأصل براءة الذمة، وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فيقال: في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة، وهي حفظ الناس عن التلاعب،
فلو قيل: ليس في ترك الواجب دم،
وأن في تركه الاستغفار والتوبة، فأكثر الناس لا يهتمون، يقول: أملأ لك أجواء مكة كلها إلى المدينة استغفاراً وتوبة ولا مانع عندي، لكن لا تجعلني أخسر،
ولو خمسين ريالاً، فكثير من الناس يهمه المال أكثر من انتهاك النسك.
فلو قيل: إن هذا واجب،
ومن تركه فهو آثم، وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك، كما لو قلنا إن فيه الدم تذبحه في مكة، وتوزعه على الفقراء؟
الجواب: لا، لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواء؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك،
وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة واعتراض، فنقول: إن هذا من باب تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي ﷺ«أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل»، فإننا نرجو أن نكون قد أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
ولهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجباً أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة لهذا النظر الذي ذكرناه، لكن إذا لم يجد دماً، فالمذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله،
فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها في بلده. لكن هذا القول لا دليل عليه لا من أقوال الصحابة ولا من القياس.
وليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ فدم المتعة شكران،
وأما الدم لترك الواجب فدم جبران، لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجباً: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك، أو وَكِّلْ من تثق به من الوكلاء،
فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، وهذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.