ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن
الشروح عليها
(ومن لزمه الغسل) لشيء مما تقدم (حرم عليه) الصلاة والطواف ومس المصحف و (قراءة القرآن) أي قراءة آية فصاعدا، وله قول ما وافق قرآنا إن لم يقصده كالبسملة والحمدلة ونحوهما كالذكر، وله تهجيه والتفكر فيه وتحريك شفتيه به ما لم يبين الحروف وقراءة بعض آية ما لم تطل، ولا يمنع من قراءته متنجس الفم، ويمنع الكافر من قراءته ولو رجي إسلامه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
مما تقدم (وحرم عليه) الصلاة والطواف ومس المصحف تقدمت أدلة تحريم الصلاة على من حدثه أصغر والإجماع عليه، فالأكبر بطريق الأولى، ويأتي الكلام فيمن ترك شرطا من شروطها،
وأما الطواف فلقوله {إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} وتقدم تحريمه على المحدث، ومس المصحف أيضا تقدمت الأدلة على تحريمه، وحكاية الإجماع عليه فالأكبر أولى، وقد وقع الإجماع عليه بل خصه بعض السلف في تفسير الآية به، فيدل على تأكد منعه منه.
وله قول ما وافق قرآنا، إن لم يقصده أي يباح له قول ما صادف لفظه لفظ القرآن إن لم يقصد القرآن فإن قصده حرم.
وافق قرآنا، إن لم يقصده كالبسملة والحمدلة ونحوهما كقول مسترجع {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *} وراكب: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} .
ولو رجي إسلامه . (ويعبر المسجد) أي يدخله أي يجوز لمن وجب عليه غسل أن يدخل المسجد لغير لبث
وكذا الحائض والنفساء إن أمنتا تلويثه.
«ومَنْ لَزِمَهُ الغُسْل حَرُمَ عليه قِراءة القُرْآنِ»، مَنْ: اسم شَرْط جازِم، وفعل الشَّرط: لَزِمه، وجوابه: حَرُمَ، وأسماء الشَّرط تُفيد العموم؛ فيكون المعنى: أيُّ إِنسان لَزِمَهُ الغُسْل سواء كان ذكراً أم أنثى،
ويلزَمُ الغُسْل بواحد من الموجِبات السِّتة السَّابقة.
فمن لَزِمَهُ الغُسْل حرم عليه: الصَّلاة، والطَّواف، ومَسُّ المصْحَفِ. لأن المؤلِّف سبق أن قال:«ويَحْرُمُ على المحدِثِ … » إلخ.
ويَحْرُمُ عليه أيضاً: قراءة القرآن، واللبْثُ في المسجد، وهذان يختصَّان بمن لَزِمَهُ الغُسْل .
وقوله:«حَرُمَ عليه قِراءةُ القُرآنِ»، أي: حتى يغتسل،
وإن توضَّأ ولم يغتسل، فالتَّحريم لا يزال باقياً.
وقوله:«قراءة القرآن» المراد أن يقرأ آية فصاعداً، سواء كان ذلك من المصْحَفِ، أم عن ظَهْرِ قَلْبٍ، لكن إِن كانت الآية طويلة فإِنَّ بعضها كالآية الكاملة.
وأطول آية في القرآن آية الدَّين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ … ﴾ الآية ، ومع ذلك لم تستَوعِب حروف اللُّغة العربيَّة،
واستوعب حروف اللُّغة العربيَّة آيتان أقصَرُ منها هما:
١ - آخر آية في سُورة الفَتْح وهي قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ … ﴾ ٢ - الآية التي في آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾ الآية وقوله:«قراءة القرآن»، أي: لا قراءة ذِكْرٍ يوافق القرآن، ولم يَقْصِد التِّلاوة؛ فإِنَّه لا بأس به كما لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أو الحمد لله رب العالمين؛ ولم يقصد التِّلاوة.
والدَّليل على أنَّ الجُنُب ممنوع من القرآن ما يلي:
١ - حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعَلِّمُهم القرآن، وكان لا يَحْجُزه عن القرآن إلا الجَنَابَة» .
٢ - ولأنَّ في مَنْعِهِ من قراءة القرآن حثًّا على المبادرة إِلى الاغتسال، لأنَّه إِذا عَلِمَ أنَّه ممنوع من قراءة القرآن حتى يَغْتسل فسوف يُبادِرُ إلى الاغتسال، فيكون في ذلك مصلحة.
٣ - أنَّه رُوِيَ أنَّ المَلَكَ يتلقَّف القرآن من فَمِ القارئ ،
وأنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جُنُب . وعلى هذا إِذا قرأ القرآن
فإِمَّا أن يَحْرُمَ الملَك من تلقُّفِ القُرآن، أو يؤذيه بِجَنَابَتِه، وهذا وإِنْ كان فيه شيء من الضَّعف لكن يُعلَّل به.
وأما بالنِّسبة للحائض: فإِنَّها مِمَّنْ يلزمه الغُسْل، وعلى هذا فجُمهور أهل العِلْمِ أنَّه لا يجوز لها أنْ تقرأَ القرآن؛ لكنْ لها أن تذكُرَ الله بما يوافق القرآن .
وقال شيخُ الإسلام رحمه الله : إِنه ليس في مَنْعِ الحائض من قراءة القرآن نُصوص صريحة صحيحة ،
وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي: ١ - أنّ الأصْلَ الحِلُّ حتى يقوم دليلٌ على المَنْعِ.
٢ - أنَّ الله أمر بتلاوة القرآن مُطْلَقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه،
فَمَنْ أخرجَ شخصاً من عِبَادة الله بقراءة القرآن فإِنَّنا نُطالبه بالدَّليل،
وإِذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنْعِ، فإِنَّها مأمورة بالقراءة.
فإن قيل: ألا يُمكِن أن تُقَاسَ على الجُنُبِ بجامع لُزُوم الغُسْلِ لكلٍّ منهما بسبب الخارج؟
أُجِيب: أنَّه قياس مع الفارق؛ لأنَّ الجُنُبَ باختياره أن يُزيل هذا المانع بالاغتسال،
وأمّا الحائضُ فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع.
وأيضاً: فإِن الحائض مُدَّتها تطول غالباً، والجُنُب مدَّته لا تطول؛ لأنه سوف تأتيه الصَّلاة،
ويُلْزم بالاغتسال.
والنُّفساء من باب أَوْلى أنْ يُرخَّص لها، لأنَّ مُدَّتها أطول من مُدَّة الحائض. وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله مَذْهبٌ قويٌّ.
ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين،
وفي المسألة أحاديث ضعيفة ، فلماذا لا نجعل المسألة معلَّقة بالحاجة،
فإِذا احتاجتْ إلى القِراءة كالأَوْراد، أو تَعاهُد ما حَفِظَتْهُ حتى لا تنسى، أو تحتاج إِلى تعليم أولادها؛ أو البنات في المدارس فيُباح لها ذلك،
وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأَحْوَطِ، وهي لن تُحْرَم بقيَّة الذِّكْرِ.
فلو ذهب ذاهب إِلى هذا لكان مذهباً قويًّا.
أما إسلام الكافر: فالكافر ممن يَلْزَمُه الغُسْل،
فلو أَسْلَمَ وأراد القراءة مُنِعَ حتى يَغتسل.
والدَّليل على ذلك: القياس على الجُنُبِ.
وهذا فيه نَظَرٌ قويٌ جدًّا؛ لأن العلماء أجمعوا على وجوب الغُسْل على الجُنُبِ
بخلاف الكافر فهو مختلَف في وجوبه عليه كما سبق ، ولا يُقاس المُختلَفُ فيه على المتَّفَقِ عليه.
فإن قيل: نحن نَقِيسُ بناءً على من يقول بوجوب الغُسْلِ على الكافر،
أمَّا من يقول بعدم الوجوب فالأمر ظاهر في عدم مَنْعِهِ من قراءة القرآن؟.
فالجواب: أنه حتى على قول من يقول بوجوب الغُسْل عليه، فإِنه لا يرى أنَّ وجوبه مُتَحَتِّم كتَحَتُّمِ الغُسْل من الجَنَابة، بل يرى أنه أضعف. وعليه فَمَنْعُ الكافر من قراءة القرآن حتى يغتسل ضعيف؛ لأنَّه ليس فيه أحاديث، لا صحيحة ولا ضعيفة، وليس فيه إِلا هذا القياس.
ويَعْبُرُ المسجدَ لحاجةٍ، .........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.