ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض.
الشروح عليها
(ومتى افترق المتصارفان) بأبدانهما كما تقدم في خيار المجلس قبل قبض الكل) أي كل العوض المعقود عليه في الجانبين (أو) قبل قبض (البعض) منه (بطل العقد فيما لم يقبض) سواء كان الكل أو البعض لأن القبض شرط لصحة العقد لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد» ، ولا يضر طول المجلس مع تلازمهما،
ولو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبين صح، وقبض الوكيل قبل مفارقة موكله المجلس كقبض موكله،
ولو مات أحدهما قبل القبض فسد العقد.
افترق المتصارفان) بأبدانهما كما تقدم في خيار المجلس يعني أن التفرق هنا كالتفرق في خيار المجلس، وهو ما لم يتفرقا عرفا بأبدانهما من مكان التبايع، وتقدم مفصلا.
وسلم «وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد» وتقدم نحوه من غير وجه، وحكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أن القبض في المجلس، شرط لصحة الصرف،
وقال ابن القيم: حرم التفريق في الصرف، وبيع الربوي بمثله قبل القبض، لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثل،
وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر، إذا كانا من جنس واحد.
يدا بيد» ولا يضر طول المجلس مع تلازمهما أي لا يضر في صحة الصرف طول المجلس قبل القبض، مع تلازم المتبايعين.
العقد . (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد) فلا تبدل قال الموفق: هذا أظهر الرواتين، وهو مذهب مالك، والشافعي، ويحصل التعيين بالإشارة، سواء ضم إليها الاسم أو لا، كبعتك هذا الثوب بهذه الدراهم، أو بهذه فقط من غير تعيين، أو: بعتك هذا بهذه، من غير تسمية العوضين.
«ومتى افترق المتصارفان» المتصارفان هما المتبايعان بالصرف، والصرف في اللغة الصوت، ومنه ما جاء في حديث المعراج:«حتى بلغ مكاناً سمع فيه صريف الأقلام»، يعني صوتها، والصرف بيع نقد بنقد، تبيع مثلاً ذهباً بفضة أو فضة بفضة يعني دراهم بدراهم أو دراهم بدنانير، وسمي صرفاً لأنهم كانوا يزنون الدراهم والدنانير، يتبايعون بالوزن، حينما نضعها في الميزان يكون لها صريف، أي: صوت ولهذا سمي صرفاً. «قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض» أي: وصح فيما قبض.
مثال ذلك: اشترى مائة درهم بعشرة دنانير فهذا صرف،
فإذا استلم كل واحد منهما ما آل إليه صح العقد، أي: تبين أن العقد صحيح،
وإذا سلمه خمسين درهماً فقط وتفرقا، صح العقد في خمسين الدرهم ويقابلها خمسة دنانير والباقي لا يصح، وهذا بناء على تفريق الصفقة وأنه يمكن أن يصح بعضها دون بعض؛ لأن الحكم يدور مع علته، فما وجد فيه شرط الصحة فهو صحيح، وما لم يوجد فيه شرط الصحة فليس بصحيح.
مثال آخر: أعطاه ديناراً يصرفه بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم، فهل يصح؟
نقول: يصح العقد فيما قبض،
ولا يصح فيما لم يقبض، فيصح العقد في نصف الدينار، ويبقى نصفه أمانة عند البائع، فيكون هذا الدينار مشتركاً بين البائع والمشتري.
وفائدة ذلك أنه لو زاد سعر الذهب فيما بين هذه الصفقة، وبين استلام حقه إذا وجد الآخر بقية الدراهم،
فإذا تغير السعر فهو على حساب صاحبه، فمثلاً لو كان حين صرف الدينار بالدراهم يساوي الدينار عشرة دراهم، ثم صار يساوي عشرين درهماً فإنه يبقى نصف الدينار بعشرة دراهم؛ لأن ما بقي من الدينار بقي عند الآخر وديعة،
ولا يصح العقد فيه.
فإن لم يسلم شيئاً إطلاقاً بطل العقد في الجميع، وهذه المسألة نظيرها إذا اشترى الإنسان حلياً من شخص بعشرة آلاف ريال وسلمه خمسة آلاف ريال فقط، والباقي قال: أحضره لك غداً فإنه يصح في النصف، والباقي لم يدخل في ملكه ولا يصح فيه العقد،
فإن لم يعطه شيئاً بأن قال: سآتيك بالدراهم بعد العصر وأعطني الحلي الآن، بطل العقد في الجميع،
فإن قال المشتري: أنا ليس عندي دراهم وأريد أن أشتري منك حلياً، فقال البائع: أنا أسلفك، فسلفه عشرة آلاف ريال ثم ردها على البائع فهذا حيلة بلا شك، فلا يجوز؛ لأن مفاسد المحرمات لا تزول بالحيل عليها، بل إن الحيل لا تزيد المفاسد إلا مفاسد،
أما لو سلفه آخر فلا بأس.
وقوله:«بطل العقد فيما لم يقبض» وجه ذلك أن القبض شرط لصحة العقد؛ لقول النبي ﷺ :«بيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».
والدراهم والدّنَانِيْرُ تَتَعَيَّنُ بِالتّعْيينِ فِي العَقْدِ، فَلَا تُبَدّلُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.