فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ولا يجوز بيع الدين بالدين) حكاه ابن المنذر إجماعا لحديث «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الكالئ بالكالئ» وهو بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه،

١٬٢٢٣

وكذا بحال لم يقبض قبل التفرق وجعله رأس مال سلم.

[فصل في افتراق المتصارفين بأبدانهما قبل قبض الكل] فصل

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

يجوز بيع الدين بالدين) حكاه ابن المنذر إجماعا وحكاه أحمد وابن عبد البر وغيرهما،

٤٬٦٠٢

وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن بيع الكالئ بالكالئ -وهو بيع الدين بالدين- مثل أن يعقد رجل بينه وبين آخر سلما في عشرة أثواب موصوفة في ذمة المبتاع إلى أجل، بثمن مؤجل، وسواء اتفق الأجلان أو اختلفا في البيع، فهو باطل.

عليه . وكذا بحال لم يقبض قبل التفرق أي وكبيع ما في الذمة حالا بثمن مؤجل لمن هو عليه، بيع ما في الذمة بحال في الذمة لم يقبض قبل التفرق.

لم يقبض قبل التفرق وجعله رأس مال سلم وذلك بأن يكون له دين على آخر، فيقول: جعلت ما في ذمتك رأس مال سلم على كذا،

٤٬٦٠٣

ويحرم أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين،

٤٬٦٠٤

ومتى قال: إما أن تقلب أو تقوم عند الحاكم، وخاف أن يحبسه لعدم ثبوت إعساره عنده وهو معسر، كانت المعاملة حراما غير لازمة، باتفاق العلماء،

٤٬٦٠٥

ومن صور بيع الدين بالدين، لو كان لأحدهما على آخر دينا من غير جنسه، كذهب وفضة، وتصارفا، ولم يحضرا شيئا.

قبل التفرق وجعله رأس مال سلم . فصل أي في الصرف، وهو بيع نقد بنقد، اتحد الجنس أو اختلف.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ولا يجوز بيع الدَّين بالدَّين»

هذا ليس على إطلاقه ولكن له صور:

الأولى: بيع الدين على الغير، فلا يجوز أن يباع بالدين، بل ولا بالعين على المذهب مطلقاً.

مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مائة صاع بر، فجعل هذا الرجل يطلبه يقول: أعطني يا فلان، وهو يماطل به، فقيل للرجل الذي له الحق: نعطيك عنها مائة درهم، ونحن نأخذها من المطلوب فلا يجوز، حتى وإن كان بعين فإنه لا يجوز،

١١٬٨٥٠

فلو قيل لهذا الرجل الذي له مائة الصاع في ذمة فلان: سوف نعطيك عنها مائة ريال تأخذها نقداً، فإنه لا يجوز؛ لأنه يشبه أن يكون غير مقدور على تسليمه،

١١٬٨٥١

وإذا كان كذلك فإنه يكون فيه غرر، إذ إن المطلوب قد يوفي كاملاً وقد لا يوفي، وقد يوفي ناقصاً، فلا يصح.

لكن لو كان الذي اشترى دَين فلان قادراً على أخذه منه، كرجل له سلطة يستطيع أن يأخذ هذا المال الذي في ذمة الرجل، فالصحيح أنه يجوز وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن العلة في النهي عن بيع ما في الذمم إنما هي الخوف من الغرر، وعدم الاستلام فإذا زالت العلة زال المعلول وزال الحكم،

تعليق

ثم إن عجز عن أخذه فله الفسخ، وبشرط ألا يربح فيه البائع بمعنى ألا يبيعه بأكثر من ثمنه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن ، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وبشرط ألا يكون بينهما ربا نسيئة مثل أن أبيع عليه مائة صاع من التمر في ذمة فلان بمائة صاع من الشعير فهذا لا يجوز، لأنه يجري فيه ربا النسيئة وأنا لم أقبض العوض.

الثانية: بيع الدين على من هو في ذمته.

مثاله: أنا أطلب شخصاً مائة صاع بر، فجاء إلي وقال: أنا ليس عندي بر، ولكن أنا أعطيك عن مائة الصاع مائتي ريال؛

فهنا بيع دين بدين ففيه تفصيل:

إن كان باعه بسعر وقته فلا بأس،

١١٬٨٥٢

وإن باعه بأكثر فإنه لا يجوز، والدليل: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم»، فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال:«لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»،

فاشترط النبي ﷺ شرطين:

الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.

الشرط الثاني: ألاّ يتفرقا وبينهما شيء.

ووجه ذلك أنه إذا أخذها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، مَثَلاً الدينار يساوي عشرة دراهم فقال: أنا آخذ منك بأحد عشر، فهذا لا يجوز؛ لأن الذي أخذ أحد عشر بدل الدينار ربح درهماً فربح في شيء لم يدخل في ضمانه؛ لأن الدنانير في ضمان من هي في ذمته، ولم تدخل عليه إلى الآن، وقد نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن، وقلنا فيما سبق: المفهوم لا عموم له، إذ يصدق المفهوم بالمخالفة ولو في صورة واحدة،

١١٬٨٥٣

فإذا أخذها بأقل من سعر يومها، أي: الدينار يساوي عشرة فأخذه الطالب بتسعة فمفهوم الحديث: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها» أن هذه الصورة لا تجوز، لكنها في الواقع تجوز؛ لأنه لم يربح فيما لم يدخل في ضمانه، بل نزل بعض حقه، فأبرأه من بعض حقه، وإبراؤه من بعض حقه لا بأس به، فصار المفهوم الآن ليس له عموم، وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها، أن المفهوم لا عموم له، بل يصدق بصورة واحدة مخالفة، والصورة الواحدة المخالفة في المثال إذا أخذها بأكثر، أي: الدينار يساوي عشرة وأخذها بأحد عشر، فهذا لا يجوز؛

لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن.

فهمنا العلة في قول الرسول عليه الصلاة والسلام :«لا بأس أن تأخذها بسعر يومها»، فما هي العلة في قوله:«ما لم تتفرقا وبينكما شيء؟».

الجواب: العلة ظاهرة أيضاً؛ لأنه سيأخذ عن الدنانير دراهم، وبيع الدنانير بالدراهم لا بد فيها من القبض في مجلس العقد، وحينئذ لو لم يقبض لبطل العقد، كما لو باع دنانير بدراهم ولم يقبض فإنه يبطل العقد، فتبين أن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما متمشٍ على القواعد العامة في الشريعة، والمعروفة في أبواب الربا.

١١٬٨٥٤

ويشترط ـ أيضاً ـ ألا يتخذ حيلة على الربا،

١١٬٨٥٥

فإن اتخذ حيلة على الربا فهو حرام، مثل أن يبيع الدين الذي حل بدين أكثر مؤجلاً، فيقول: عندك الآن مائة صاع من البر وقد حل، ولكن ليس عندك، أبيعه عليك بمائة صاع من التمر مؤجلاً، ومائة الصاع من التمر أكثر قيمة من مائة الصاع من البر، فهذا لا يجوز لئلا يتخذ حيلة إلى قلب الدين.

إذاً بيع الدين بالدين: إذا باع ما في ذمة الغير لنفسه وهو مما يشترط فيه التقابض وجب القبض،

١١٬٨٥٦

وإذا كان لا يجب فيه التقابض فلا بأس أن يتأخر القبض لكن بشرط ألاّ تزيد القيمة لتأخر القبض.

مثاله: هذا الرجل في ذمته لفلان مائة ريال فجاء المطلوب وقال: ليس عندي مائة ريال، بل عندي عشرة دنانير، والدينار يساوي عشرة ريالات، قال: أعطني عشرة دنانير عن المائة، فهذا يجوز بشرط التقابض؛ لأنه بيع دراهم بدنانير،

١١٬٨٥٧

أما لو قال: أنا ليس عندي مائة ريال، وليس عندي دنانير لكن عندي بر، والصاع منه يساوي درهماً، فيكون عوض مائة الدرهم مائة صاع، قال: أنا أعطيك مائة صاع عن مائة درهم فوافق فلا يشترط التقابض؛ لأن بيع البر بالدراهم لا يشترط فيه التقابض؛ لعدم اتفاقهما في علة ربا الفضل.

١١٬٨٥٨

أما لو قال: أنا أقبل البر؛ لكن أعطني عن مائة الدرهم مائة صاع وعشرة أصواع فهذا لا يجوز؛ لأنه ربح في شيء لم يدخل في ضمانه.

١١٬٨٥٩

أما لو قال: أنت فقير أعطني بدل مائة الدرهم ثمانين صاعاً فهذا يجوز، لأنه يُعتبر إحساناً منه حيث اقتصر على بعض حقه، إذ إن حقه أن يكون مائة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعاً، فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه:«لا يصح بيع الدين بالدين»، بل لا بد فيه من التفصيل، وصار حديث ابن عمر رضي الله عنهما ميزاناً في هذا الأمر، أي: في بيع الدين على من هو عليه.

١١٬٨٦٠

أما بيع الدين على غير من هو عليه فلا يجوز إلا على قادر على أخذه، ولكن إذا قلنا: يجوز إذا كان قادراً على أخذه لا بد أن يكون المدين قد أقر بالدين،

١١٬٨٦١

أما إذا كان منكراً، وجاء إنسان وقال: أنا أريد أن أشتري دين فلان الذي هو لك وهو منكر ولم يقر، ولكن قال: أخاطر فأشتريه وأطالبه عند القاضي، فلا يجوز؛ لأنه مخاطرة، لكن كلامنا فيما إذا باع ديناً في ذمة مقر على شخص قادر على استخراجه، فالصواب أنه جائز، لأنه لا دليل على منعه، والأصل حل البيع لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . فَصْلٌ وَمَتَى افْتَرَقَ الْمتَصَارِفَان قَبْلَ قَبْضِ الكُلِّ أو البَعْضِ بَطَلَ العَقُدُ فِيْمَا لَمْ يُقْبَضْ.

«فصل» هذا الفصل ذكر فيه المؤلف حكم الصرف وهو بيع النقد بالنقد، وهذا لا يخرج عن ما سبق من القواعد في الربا، لكن خصّوه بفصل لطول فروعه والكلام عليه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.