وبين المسلمين مطلقا.
الشروح عليها
(و) يحرم الربا (بين المسلمين مطلقا بدار إسلام أو حرب) لما تقدم، إلا بين سيد ورقيقه،
وإذا كان له على آخر دنانير فقضاه دراهم شيئا فشيئا،
فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار صح،
وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد فصارفه بها ثم وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين،
وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه ثم صارفه بعين وذمة صح.
[باب بيع الأصول والثمار] الأصول جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره، والمراد هنا الدور والأرض والشجر، والثمار جمع ثمر كجبل وجبال وواحد الثمر ثمرة.
مطلقا (١) بدار إسلام أو حرب) لما تقدم أي من الدليل على التحريم،
وفي الإنصاف: يحرم بين المسلمين، في دار الإسلام والحرب بلا نزاع.
الأخر ماله عليه، ثم صارفه بعين وذمة صح أي وإن قبض أحد المتصارفين من الآخر ماله عليه، ثم صارفه «بعين» أي معين، كهذا الدينار فهو معين (وذمة) وهو ما ليس بمعين، كعشرة دراهم في الذمة، صح، وكأن يكون لزيد على عمرو دينار، فيقضيه عمرو دراهم شيئا فشيئا، ولم يحسب عليه كل درهم بحسابه من الدينار، فلما تمت مقابلة الدينار من الدرهم، أخذ عمرو من زيد الدراهم، فقال: هذه عما في ذمتك من الدينار، فيكون مصارفا له بعين وذمة.
وقال ابن القيم: ظن بعض الفقهاء أن الوفاء يحصل باستيفاء الدين، بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء، صار في ذمة المدين مثله، ثم إنه يقاص بما عليه، وهذا تكلف، أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قبضه يحصل به، الوفاء، ولا حاجة أن يقدر في ذمة المستوفي دينا،
فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي، فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأي معين استوفاه، حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق.
بعين وذمة صح . باب بيع الأصول والثمار أي هذا باب يذكر فيه حكم بيع الأصول، وبيع الثمار، وما يتعلق بذلك.
الأصول جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره وفي القاموس: أسفل الشيء، وجمعه أصول وأصل، وفرع يتفرع تفريعا انحدر وصعد، ومنه: الأغصان كثرت.
«وبين المسلمين مطلقاً» أي: يحرم ـ أيضاً ـ الربا بين المسلمين مطلقاً،
وهذا الإطلاق فسره:
بقوله:«بدار إسلام وحرب» بدار إسلام كالبلاد الإسلامية، ودار حرب كالبلاد الحربية إذا دخلها المسلم بأمان وتبايع مع حربي، أو مع مسلم فإنه يحرم الربا؛ وذلك لعموم الأدلة.
ومن العلماء من اعتبر الدار،
وقال: إن الدار إذا كانت دار حرب فلا ربا فيها بين المسلمين وأهل الحرب، وهذا أبعد من القول الأول؛ لأن دار الحرب لا تغير الحكم، والنصوص عامة، والعقود يجب أن تجرى على ما تقتضيه الشريعة.
مسائل في «الروض»:
يقول:«لا ربا بين السيد ورقيقه» فيجوز للإنسان أن يشتري ثلاثة دراهم بدرهمين من رقيقه؛ لأن المال ماله لقول النبي ﷺ :«من باع عبداً له مال فماله للذي باعه».
وهل يجري بين الأب وابنه؟
الجواب: نعم يجري بين الأب وابنه؛ لأن مال الابن مستقل، ومال الأب مستقل، وكون الأب يملك أن يتملك من مال ولده ما شاء لا يعني أن مال ولده ملك له،
وأما قوله ﷺ :«أنت ومالك لأبيك»، فمراده أن لأبيك أن يتملك من مالك، وليس معناه أنك ملك لأبيك، أو أن مالك ملك له،
فإن هذا يمنعه الإجماع، فالابن ليس ملكاً لأبيه،
وإذا كان الابن ليس ملكاً لأبيه فماله ليس ملكاً له، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ، فجعل الميراث جارياً بين الآباء والأبناء،
ولو كان ملك الأبناء للآباء لم يكن هناك جريان للإرث.
وهل يجري الربا بين الزوج وزوجته؟
الجواب: نعم يجري.
مسألة: تشتري الأختان أحياناً حلياً، ثم إذا وصلتا إلى البيت قالت إحداهما: هذا الحلي لا أريده، فقالت الأخرى: أنا أريده، فقالت: نتبادل، وبينهما تفاضل، يعني هذه أسورتها واسعة وثقيلة وهذه بالعكس، فقالت: ليس بيننا حساب خذي الأسورة التي لي، وآخذ التي لك وأتنازل، فهذه أسورتها مثلاً عشر أواق وهذه خمس عشرة أوقية، والفقهاء يقولون: البيع مبادلة مال بمال، فهذا الذي في هذه المسألة تبادل،
فإن قالوا: تنازل، قلنا: التنازل لا يجوز إذا أدى إلى فعل محرم، وهذا يؤدي إلى فعل محرم،
وإذا كانت تريد أن تتنازل عن الحلي لأختها مجاناً لا مانع، لكن بعوض والتفاضل بينهما ممنوع ولا ينفع كلمة «تنازل»؛ فالحقائق إذا سميت بغير اسمها لا تتغير، وإلا فالكفار يسمون الخمر الشراب الروحي، وقد أشار النبي ﷺ إلى قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ، فالأسماء لا تغير حقائق المسميات.
إذاً يجري الربا بين الأقارب كلهم، وليس أحد يعامل أحداً بربا، وليس بينهما ربا إلا السيد مع رقيقه، وحقيقة الأمر أن تعامل السيد والرقيق ليس معاملة حقيقية؛ وإنما هي صورة معاملة؛ إذ إن مال الرقيق للسيد.
«وإذا كان له على آخر دنانير فقضاها دراهم شيئاً فشيئاً». مثاله: إنسان في ذمته عشرة دنانير لشخص فقضاها دراهم شيئاً فشيئاً،
فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدنانير صح؛ فالدنانير عشرة تساوي مائة، فصار هذا المطلوب كلما جاء بعشرة دراهم قال: هذه مقابل دينار فهذا يصح؛ لأن صاحب الدنانير قد قبضها في الواقع إذ هي عنده،
وإن كان لا يقول هكذا لكنه يأتي كل يوم بعشرة دراهم حتى انتهى وسلمه مائة فإنه لا يصح.
قال:«وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعده فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وأن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صح».
«إن لم يفعل» أي: إن لم يعطه كل درهم بحسابه يقول: هذا في مقابل كذا «ثم تحاسبا بعد» يعني بعد أن تمت الدراهم تحاسبا، وصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، صار يأتي كل يوم بعشرة دراهم فانتهت المائة،
وقال: الآن نتصارف فما عندك من المائة مقابل ما علي من الدنانير؛ ولم يحضر لا دنانير ولا دراهم، إذاً هو بيع دين بدين، بيع ما في ذمة المطلوب ـ دنانير ـ بما استلمه الطالب من الدراهم فلا يصح.
والطريق أن يحضر إحداهما ولهذا قال:«وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صح» فيقال: أحضر عشرة دنانير ثم بعد ذلك قل: هذه الدنانير هي مقابل ما عندك من الدراهم، وهي مائة فيكون الصرف الآن عيناً بذمة،
وإن أحضر كل واحد ما عنده فيصح من باب أولى؛ لأنه الآن صرف عين بعين.
والصحيح أنه يصح في هذه المسألة وفيما إذا تصارفا في الذمة؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما :«كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم» أنه لا تحضر الدراهم ويقع العقد على عينه فهذا ظاهر الحديث، ولأن التقابض قبل التفرق قد حصل، فالدراهم الآن في ذمتك والدنانير الآن في ذمتي، وتفرقنا وليس بيننا شيء، فالصحيح أنه يصح، وأنه ليس من باب بيع الدين بالدين، وإنما المنهي عنه من بيع الدين بالدين ما سبق تصويره ومر علينا.
مسألة: إذا اشترى إنسان أشياء من بقالة وكان يحاسبه كل شهر،
فإذا انتهى الشهر قال: كم علي؟ قال البقال: كذا
وكذا، فسلمه دون أن يعين الدراهم حين تسليمها فهذا يجوز، وهذا مما يؤيد القول بأنهما إذا تصارفا في الذمة، وكان كل واحد منهما قد قبض ما يؤول إليه فإنه صحيح. الشرح الممتع على زاد المستقنع لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين المجلد التاسع دار ابن الجوزي طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ بَابُ بَيْعِ الأُصولِ والثِّمَارِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.