ومن باع نخلا تشقق طلعه فلبائع مبقى (١) إلى الجذاذ
الشروح عليها
(ومن باع) أو وهب أو رهن نخلا تشقق طلعه) ولو لم يؤبر (فـ) الثمر (لبائع مبقى إلى الجذاذ إلا أن يشترطه مشتر) ونحوه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» متفق عليه، والتأبير: التلقيح، وإنما نص عليه والحكم منوط بالتشقق لملازمته له غالبا،
وكذا لو صالح بالنخل أو جعله أجرة أو صداقا أو عوض خلع
بخلاف وقف ووصية فإن الثمرة تدخل فيهما أبرت أو لم تؤبر كفسخ لعيب ونحوه،
للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» متفق عليه أي من اشترى نخلا بعد أن تؤبر، أي تشقق وتلقح، والتأبير التشقيق والتلقيح، وذلك أنه يشق طلع النخلة الأنثى، ليذر فيها شيء من طلع النخلة، الذكر، فالثمرة للبائع، إلا أن يشترطها المشتري، وذلك كأن يقول: اشتريت الشجرة بثمرتها، فدل الحديث على أن من باع نخلة وعليها ثمرة مؤبرة، لم تدخل الثمرة في البيع، بل تستمر على ملك البائع، إلا أن يشترطها المبتاع فتكون له، ودل بمفهومه على أنها إن كانت غير مؤبرة تدخل في البيع، وتكون للمشتري، والبيع صحيح باتفاق أهل العلم، والنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، المراد بها المستقلة، وهنا الثمرة تابعة للنخل، فتدخل تبعا.
وقال أحمد الذي قد أبر للبائع، والذي لم يؤبر للمشتري، واختار الشيخ، أن الحكم منوط بالتأبير، وهو ظاهر النص، وألحق بالبيع باقي عقود المعاوضات، لأنها في معناه،
وكذا الهبة، والرهن، وتترك إلى الجذاذ، لأن تفريغ المبيع بحسب العرف والعادة.
لملازمته له غالبا . وكذا لو صالح بالنخل أي ومثل من باع في الحكم، لو صالح بنخل تشقق طلعه،
ولو لم يؤبر، فثمرته لمعط، ما لم يشترطه آخذ.
. وكذا لو صالح بالنخل أو جعله أجرة
ومثله لو جعله جعلا، أو أخذه تبعا للأرض بشفعة.
«ومن باع نخلاً تشقق طلعه فلبائع مبقى إلى الجذاذ إلا أن يشترطه مشتر» هذا بيع النخل وليس بيع الأرض،
فإذا باع نخلاً ـ أي: النخلة نفسها ـ تشقق طلعها يعني انفرج؛ وذلك لأن النخلة أول ما تظهر ثمرتها تكون مغطاة بالكُفُرَّى، وعندنا نسميه في اللغة العامية الكافور، ثم إذا نمى هذا العذق، داخله انشق وانفرج،
فإذا باع نخلاً تشقق طلعه، فالطلع هنا يكون للبائع إلا إذا اشترطه المبتاع،
وإن لم يتشقق فهو للمشتري؛ لأنه تبع للنخلة، والدليل قول النبي ﷺ :«من باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع»، ولننظر هل الدليل مطابق للمدلول أو لا؟
الجواب: لا؛ لأن المؤلف رحمه الله علّق الحكم بالتشقق سواء أبّره البائع أم لا.
والتأبير التلقيح، وهو أن يؤخذ من طلع الفحل شيء يوضع في طلع النخلة،
فإذا وضع صلحت الثمرة وإن لم يوضع فسدت، ولهذا لما قدم النبي ﷺ المدينة وجدهم يؤبرون، فيرقى الفلاح إلى الفحل ويأخذ العِذْقَ ويجعل منه على ثمرة النخلة فيصعد مرة وينزل ويصعد مرة وينزل مع التعب، فقال عليه الصلاة والسلام :«لا أرى ذلك يغني شيئاً»، فلما قال الرسول ﷺ هذا الكلام تركوه، فلم يؤبروا النخل فصارت النتيجة أن النخل فسد، ثم قال ﷺ بعد ذلك:«أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وتركهم يؤبرون، ومراده أنتم أعلم بأمور دنياكم ليس بالأحكام الشرعية فيها، ولكن بتصريفها والتصرف فيها، فنحن أعلم بالدنيا من حيث الصناعة،
أما من جهة الأحكام فهي إلى الله ورسوله ﷺ، ولهذا أخطأ من قال: إن الدين الإسلامي لا ينظم المعاملات، واستدل بهذا الحديث، فنقول: هذا خطأ عظيم، فالدين الإسلامي ينظم كل شيء؛ أليس الرسول ﷺ نهى أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها ؟! أليس هو الذي قال:«من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها»؟! فهذه أحكام شرعية، لكن مسألة التأبير وعدم التأبير هذا داخل في الصناعة. وهذا يرجع إلى التجارب، والناس يعرفون إذا كانوا مجربين أكثر ممن لم يكن مجرباً، فالمؤلف علق الحكم بالتشقق، فمتى باع البائع نخلاً متشققاً طلعه، فالطلع له، سواء أبّره أم لم يُؤبّره.
لكن الحديث قال فيه الرسول ﷺ :«من باع نخلاً بعد أن تؤبر»، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما حكم به المؤلف رحمه الله والصواب أن الحكم معلق بالتأبير لما يلي: أولاً: لأن النبي ﷺ علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حده الرسول ﷺ.
ثانياً: أن البائع إذا أبّره فقد عمل فيه عملاً يصلحه وتعلقت نفسه به،
بخلاف ما إذا لم يؤبره فإنه لم يصنع شيئاً فيه.
وعلى هذا فالصواب: أنه إذا باع نخلاً تشقق طلعه قبل أن يؤبره فالثمر للمشتري،
وإن أبره فهو للبائع.
فإذا أبر نخلة ولم يؤبر الأخرى فلكلٍ حكمه، فتكون ثمرة النخلة المؤبرة للبائع، وثمرة النخلة غير المؤبرة للمشتري.
وإن أبر بعض النخلة ـ لأن الطلع قد لا يكون متساوياً كما هو الواقع ـ فللبائع تغليباً للتأبير؛ ولأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يؤبر النخل جميعاً إلا في هذه السنوات الأخيرة بالنسبة لبلادنا، فإنهم كانوا يؤبرونها جميعاً، ينتظرون قليلاً بعد أن تتشقق الأولى، ويشقون الصغار قبل أن تتشقق ليوفر عليهم الطلوع والنزول للنخلة،
وفي الزمن السابق لما كان الناس نشطاء متفرغين، كان الشخص يمكن أن يصعد للنخلة عدة مرات يلقح أول الثمر ووسطه وآخره.
إذا قال قائل: لماذا عدل بعض الفقهاء رحمهم الله عن التأبير إلى التشقق؟
قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق النبي ﷺ الحكم بالتأبير والمراد سببه.
فيقال: من أين الدليل على أن هذا هو مراد الرسول ﷺ وكلامه صريح واضح؟ فكيف يجوز لنا أن نحرفه إلى معنى آخر خلاف ظاهر اللفظ؟
ثم إن العلة في كون الثمر للبائع بعد التأبير واضحة، ولا تنطبق على ما إذا تشقق بدون تأبير، وحينئذ لا يصح القياس ولا تحريف الحديث إلى معنى آخر.
وقوله:«إلا أن يشترطه مشتر» فإن اشترطه المشتري يكون له،
والدليل على ذلك:
أولاً: عموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، والأمر بالوفاء بالعقد أمر به وبأوصافه وشروطه التي تشترط فيه.
ثانياً: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ، والشرط الذي التزمه الإنسان هو عهد على نفسه.
ثالثاً: ما جاء عن النبي ﷺ: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً»، وهذا لا يحرم حلالاً ولا يحلّل حراماً.
فإذا قال قائل: أيهما أولى للمشتري أن يشترط أن تكون الثمرة المؤبرة أو التي تشقق طلعها له؟ أو أن يبقيها للبائع؟
الجواب: أن يشترط أنها له؛ لأنه يسلم من تردد هذا البائع على الثمرة،
ومن المعلوم أن البائع إذا باع النخلة صارت ملكاً للمشتري ليس له عليها سبيل إطلاقاً،
فإذا كان فيها ثمرة مؤبرة، ولم يشترطها المشتري صار البائع يتردد على هذه الثمرة، فهذا الذي اشترط أن تكون الثمرة له بعد التأبير أعني المشتري ربما يتضرر إذا لم يشترط، أو على الأقل يتأذى بتردد البائع عليه، فنرى أن الأولى في هذه الحال أن يشترط أن تكون الثمرة له؛ إبعاداً عن النزاع والعداوات والمشكلات.
وهنا مسألة ينبغي لطالب العلم ـ أيضاً ـ أن يفهمها وهي أن الحقوق التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله أنها حق للإنسان أو ليست حقّاً هم يذكرونها على سبيل البيان، لكن ينبغي لطالب العلم تربيةً للعالَم أن يقول: الأفضل كذا إذا رأى أن هذا الشرط يبعد عن الخصومة والنزاع، فلا تكن فقيهاً كالقاضي بل كن فقيهاً مربيّاً،
فإذا جاء إنسان يستشيرك ويقول: هل ترى أن الأفضل أن أشترط أن تكون الثمرة لي وقد أبرها البائع أو أن أدعها له؟
نقول: الأفضل أن تشترط، فتسلم من التردد والتأذي، وربما تكون هذه النخلة في بيت وسوف يتردد على البيت فهذه مشكلة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.