ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت
الشروح عليها
(ولرب الحق مطالبة من شاء منهما) أي: من المضمون والضامن (في الحياة والموت) لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما لحديث «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
«ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت» رب الحق هو الدائن، له مطالبة من شاء منهما، أي: من الضامن والمضمون عنه في الحياة وفي الموت.
أما في الحياة فأن يكون كل منهما حيّاً، فيأتي صاحب الحق لزيد الذي هو الضامن، أو لعمرو الذي هو المضمون، فيطالب هذا وهذا، وله أن يطالبهما جميعاً بأن يأتي هذا في الصباح، وهذا في المساء، أو يطلب واحداً منهما، ويسكت عن الآخر.
وأما في الموت فلو مات الضامن، فله أن يطالبه في تركته؛ لأن الدين المضمون صار ديناً على الضامن كأنه أصيل، فكما أن الإنسان إذا مات مدينه يطالب الورثة من التركة فهكذا الضامن،
فإن لم يخلف مالاً فإنه يطالبه في الآخرة لأنه التزم أن يقضي هذا الدين.
أما المضمون عنه فواضح، فلو مات المضمون عنه فإن لصاحب الحق أن يطالبه في تركته،
فإن لم يخلف تركة طالبه يوم القيامة.
فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ لَا عَكْسُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ للمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا لَهُ؛ بَلْ رِضَا الضَّامِنِ، وقوله:«لرب الحق مطالبة من شاء منهما» ظاهره أنه لا فرق بين أن يتمكن صاحب الحق من استيفاء الحق من المضمون عنه أو لا يتمكن، أي أنه لا يشترط لجواز مطالبة الضامن، أن تتعذر مطالبة المضمون عنه، وهذا هو المذهب،
فلو أن صاحب الدين جاء إلى الضامن،
وقال: أعطني، أنت ضمنت فلاناً بعشرة آلاف ريال، قال: اذهب إليه هو الأصل، فهل يملك ذلك؟
الجواب: لا؛ لأن صاحب الحق له مطالبة هذا أو هذا، هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ وتعليل ذلك أن الضامن التزم وفاء الحق بدون شرط، أي: لم يقل الضامن حين ضمانه: إن تعذر استيفاؤك من المضمون عنه فأنا ضامن،
فلو قال هذا لكان المسلمون على شروطهم، لكن لما لم يقل هذا بل التزم التزاماً مطلقاً فلرب الحق أن يطالبه.
القول الثاني: أنه لا يملك مطالبة الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت، أو غيبة، أو مماطلة، أو فقر،
فإذا تعذرت مطالبة المضمون عنه فله أن يطالب الضامن.
وحجة هؤلاء أنه لا يرجع للفرع مع تمكن الاستيفاء من الأصل،
فإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يستغنى به عن الفرع، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله وعمل الناس اليوم على هذا القول،
أما في المحاكم، فالظاهر أنهم يحكمون بالمذهب وأن صاحب الحق إذا طالب الضامن ألزم بأن يدفع عنه الحق الذي ضمنه.
ولو أنه شرط فقال: إنك لا تطالبني إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالقاعدة على المذهب أن كل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه لا يصح، ومعلوم أنه إذا كان مقتضى العقد مطالبة الرجلين جميعاً، فإنه إذا شرط ألا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه صار منافياً لمقتضى العقد، ولكن الصحيح ـ حتى لو قلنا: بأن له مطالبة الرجلين ـ أنه إذا اشترط الضامن ألا يطالبه إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالصحيح أنه شرط صحيح؛
لعموم قوله:«المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً»، وهذا الشرط لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وغاية ما هنالك أن صاحب الحق أسقط مطالبة الضامن باختياره، فقد أسقط حقاً جعله الشارع له ولا ينافي الشرع.
وعلم من كلام المؤلف أن المضمون عنه لا تبرأ ذمته لو التزم به الضامن؛ لأنه قال: له مطالبتهما جميعاً.
وقال بعض العلماء: إذا ضمن عن الميت برئت ذمة الميت؛ لأن الميت لا ذمة له،
فإذا ضمن عنه صارت الذمة واحدة وهي ذمة الضامن؛ لأن ذمته عامرة
بخلاف الميت.
واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ لما ضمن أبو قتادة رضي الله عنه الدينارين عن الميت تقدم وصلى عليه، وقال:«حق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم»، فهذا يدل على أنه إذا ضمن ميتاً برئت ذمة الميت، كما قلنا في الرهن: إنه إذا مات الميت وعليه دين برهن يوفي فإن ذمته بريئة، وهذا القول لا شك أن له قوته، حتى وإن صحت الرواية التي قال فيها النبي ﷺ لأبي قتادة:«أوفيت أو أديت عنه، قال: نعم، قال: الآن برَّدْتَ عليه جلدته»، فهذه اللفظة لا نعرف عن صحتها، لكن إن صحت فليس معنى ذلك أن ذمة الميت لم تبرأ؛
لأنه لولا أن ذمة الميت برئت ما صلى عليه الرسول ﷺ، بل إنه اشترط قال:«حق الغريم وبرئ منه الميت؟ قال: نعم».
أيضاً ظاهر كلام المؤلف أن من ضمن دين ميت فإن ذمة الميت لا تبرأ، بدليل أنه أجاز للمضمون له أن يطالب في تركة الميت، ولكن الذي يظهر أنه إذا التزم التزاماً كاملاً، بغير نية الرجوع فإن ذمة الميت تبرأ،
أما إذا التزم مع نية الرجوع، فمعلوم أن ذمة الميت ـ وإن برئت من الأول ـ تعلق بها حق الثاني، لكن حق الثاني لا يتعلق بذمة الميت وإنما يتعلق بالتركة.
[فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه]
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.