وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة
الشروح عليها
كتاب الوقف] يقال: وقف الشيء وحبسه وأحبسه وسبله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة، وهو مما اختص به المسلمون ومن القرب المندوب إليها. (وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) على بر أو قربة، والمراد بالأصل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه،
وشرطه أن يكون الواقف جائز التصرف.
مما اختص به المسلمون ومن القرب المندوب إليها لما تقدم من الأخبار، ولقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} هذا إذا كان على وجه القربة.
القرب المندوب إليها (وهو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) أي، والوقف شرعا: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به، وتسبيل منفعته من غلة، وثمرة، وغيرها.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وهو تحبيس الأصل» أي: منعه، و «الأصل» أي: العين، كالدار ـ مثلاً ـ والشجر، والأرض، والسيارة، وما أشبه ذلك؛ لأن الوقف يكون في المنقول والعقار. «وتسبيل المنفعة» يعني إطلاقها، وعلمنا بأن التسبيل بمعنى الإطلاق لقوله في الأصل إنه «تحبيس»، فيكون ضده الإطلاق.
والمعنى أن المُوقِف يحبس الأصل عن كل ما ينقل الملك فيه، ويسبل المنفعة ـ يعني الغلة ـ كأجرة البيت مثلاً، والثمرة، والزرع، وما أشبه ذلك.
والأصل في هذا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضاً في خيبر، وكانت نفيسة عنده، فجاء يستشير النبي ﷺ ماذا يصنع فيها؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ينفقون مما يحبون، فأرشده إلى الوقف، وقال:«إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»،
وفي لفظ:«احبس أصلها، وسبِّل ثمرها»، وهذا أول وقف في الإسلام، وهو غير معروف في الجاهلية، بل أحدثه الإسلام، ففعل عمر رضي الله عنه وجعل لها مصارف نذكرها ـ إن شاء الله ـ فيما بعد.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأول قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ .
وأبو طلحة رضي الله عنه لما أنزل الله هذه الآية، جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾،
وإن أحب مالي إليَّ «بيرحاء»، وهي اسم نخل مستقبلة مسجد الرسول ﷺ في المدينة، وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه الرسول ﷺ ويشرب منه، وهذا لا شك أغلى شيء عند أبي طلحة، فقال: يا رسول الله ضَعْهَا حيثُ شِئْتَ، فقال الرسول ﷺ :«بَخٍ بَخٍ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وأرى أن تجعلها في الأقربين»، فجعلها في قرابته وبني عمه . ولم يذكر المؤلف رحمه الله الحكم التكليفي للوقف، يعني هل هو جائز أو حرام، أو واجب، أو مندوب، وإنما ذكر حكمه الوضعي فقال:«ويصح».
لكن نقول: الوقف تبرع بالمال، وحبس له عن التصرف فيه،
فإذا كان على جهة مشروعة كان مستحباً؛ لأنه من الصدقة،
وإذا نذره الإنسان كان واجباً بالنذر،
وإذا كان فيه حيف أو وقف على شيء محرم كان حراماً،
وإذا كان فيه تضييق على الورثة كان مكروهاً، فيمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة، هذا من حيث الحكم التكليفي.
فإذا جاءنا إنسان يقول: أنا أريد أن أوقف هذه الأرض لأعمر عليها مسجداً، نقول له: هذا مستحب؛ لأنه من الإحسان والصدقة، والله ـ تعالى ـ يحب المحسنين. «بالقول» بأن يقول: وقفت داري، أو وقفت سيارتي، أو وقفت أرضي، وما أشبه ذلك، وسيأتي أن القول ينقسم إلى قسمين.
أما الفعل فيشترط أن يكون هناك قرينة تدل على أنه وقف،
فإذا وجدت قرينة تدل على أنه وقف فهو وقف ولو نوى خلافه،
ولهذا قال:
وبِالفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، كَمَنْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَسْجِداً وأَذِنَ للنَّاسِ في الصَّلاةِ فِيهِ أَوْ مَقْبَرَةً وَأَذِنَ فِي الدَّفْنِ فِيهَا ..
«وبالفعل الدال عليه، كمن جعل أرضه مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه»، يعني بنى مسجداً وقال للناس: صلوا فيه، فهنا لم يقل: إنه وقف، لكنه فعل فعلاً يدل على الوقف؛ لأن الرجل بنى مسجداً وقال للناس: صلوا،
وأما من بنى مصلى عند بستانه وصار الناس يأتون ويصلون فيه، فهذا لا يدل على أنه وقف، لكن إذا بنى مسجداً يعني على هيئة مسجد،
وقال للناس: صلوا فيه، فهو وقف وإن لم يقل: وقفت؛ لأن هذا الفعل دال عليه حتى لو نوى خلافه، فإنه يكون وقفاً اعتباراً بقوة القرينة.
وإذا قال: إني أردت أنه عارية، قلنا: في هذه الحال يجب أن تكتب: إني أعرت هذا المكان للناس يصلون فيه، متى احتجته أخذته، ولا بد من هذا وإلا صار وقفاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.