ويشترط فيه المنفعة دائما من معين ينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما.
الشروح عليها
(ويشترط فيه) أربعة شروط: الأول ـ (المنفعة) أي أن تكون العين ينتفع بها (دائما مع معين) ، فلا يصح وقف شيء في الذمة كعبد ودار ولو وصفه كالهبة، (ينتفع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما) من أثاث وسلاح.
ولا يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى بها، ولا عين لا يصح بيعها كحر وأم ولد، ولا ما لا ينتفع به مع بقائه كطعام لأكل،
ويصح وقف المصحف والماء المشاع.
أن تكون العين ينتفع بها (دائما من معين) من جهة أو شخص.
يصح وقف المنفعة كخدمة عبد موصى له بها ومنفعة أم ولده في حياته، ومنفعة العين المستأجرة، واختار الشيخ صحته،
وقال: لو وقف منفعة يملكها كالعبد الموصى بخدمته، أو منفعة أم ولده في حياته، أو منفعة العين المستأجرة، فإنه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه، أو فرس يركبونه، أو ريحان يشمه أهل المسجد، وطيب الكعبة: حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة، لكن قد يطول بقاء مدة التطيب وقد يقصر، ولا أثر لذلك.
ولا عين لا يصح بيعها كحر وأم ولد ومرهون، وكلب، وسباع لا تصلح للصيد، وجوارح طير لا تصلح له، لأنه لا يصح بيعها.
«من معيَّن»، ضده المبهم، فلا يصح وقفه، مثل أن يقول: وقفت أحدَ بيتي، فهذا لا يصح؛ لأنه مبهم غير معين.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون القيم متساوية أو غير متساوية؛ لأنه لم يعينه،
والصحيح أنه إذا كانت متساوية فإنه يثبت الوقف.
مثال ذلك: إنسان عنده شقق متساوية من كل وجه، فقال: وقفت إحدى شققي على فلان، فهنا لا مانع؛ أولاً: لأنه عقد تبرع، والتبرع يتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره.
ثانياً: أن القيم متساوية، فلا فرق بين اليمين أو الشمال، وكما أنه أحد القولين في مسألة البيع ـ وهو معاوضة مبنية على المشاحة ـ أنه إذا تساوت القيم جاز بيع المبهم، بأن يقول: بعت عليك إحدى هاتين السيارتين.
وقوله:«من معين» ظاهر كلامه أنه لا يصح وقف ما ليس بمعين، يعني ما لم تثبت عينه.
مثال ذلك: إنسان اشترى من شخص سيارة موصوفة، صفتها كذا
وكذا، ثم أراد أن يوقفها، فهذه لا يصح وقفها؛ لأنها دين في الذمة غير معينة.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يشترط أن يكون معلوماً،
فلو وقف أحد عقاراته بدون أن يعلمه فإنه يصح وقفه؛ لأن هذا معين،
والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول،
وإذا كان مجهولاً فإنه قد يكون أكثر مما قد يتصوره الواقف،
والراجح صحة هذا؛ لأنه لم يجبر على الوقف؛ وليس الوقف مغالبة حتى يقول: خدعت أو غلبت؛ بل الوقف تبرع أخرجه الإنسان لله تعالى، كما لو تصدّق بدراهم بلا عدٍّ فتصح وتنفذ ولا يصح الرجوع فيها؛ لأنه تصدَّق وتبرَّع؛ فلهذا كان الراجح أنه يصح وقف المعيّن وإن كان مجهولاً؛ لأنه تبرّع محض إذا أمضاه الإنسان نفذ. «ينتفع به»، أي: بهذا المعين. «مع بقاء عينه»، هذا هو الشرط المهم هنا،
فإن كان لا يمكن أن ينتفع به إلا بتلف عينه فإنه لا يصح وقفه؛ لأن الوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة،
فلو وقف جراب تمر على الفقراء فإنه لا يصح؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بتلف عينه؛ لأن الفقراء سوف يأكلونه وإذا أكلوه لم تبق عينه، فلا بد أن يكون من معيَّن يُنتفع به مع بقاء عينه.
ولو وقف خبزاً على الفقراء فلا يصح؛ لأنه لا يمكن أن يُنتفع به مع بقاء عينه.
واستثنوا من هذا الماء، فقالوا: إن وقفه يصح؛ لأنه ورد عن السلف ، فيجوز أن يوقف هذه القربة على العِطَاش من المسلمين، فيقال: إن وروده عن السلف يدل على جواز مثله إذ لا وجه لاستثنائه. فالصواب أنه يجوز وقف الشيء الذي لا ينتفع به إلا بتلفه،
فإذا قال: هذا الجراب من التمر وقف على الفقراء، قلنا: جزاك الله خيراً، وقبل منك، وهو بمنزلة الصدقة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصواب، أنه يجوز وقف الشيء الذي ينتفع به مع تلف عينه.
فإن وقف دراهم للقرض، وقال: هذه وقف لإقراض المحتاجين، فهل يصح أو لا يصح؟ على المذهب لا يصح؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع بالدراهم إلا بتلفها، يأخذها المستقرض ويشتري بها حاجاته فتتلف.
والصحيح أن هذا جائز؛ لأنه إذا جاز وقف المعين الذي يتلف بالانتفاع به، فوقف مثل هذا من باب أولى؛ لأنه إذا استقرضه سيرد بدله ويكون دائماً.
إذاً الصواب جواز وقف الدراهم لإقراضها المحتاجين، ولا حرج في هذا، ولا دليل على المنع، والمقصود إسداء الخير إلى الغير. «كعقار»، مثل الدور والدكاكين والأراضي التي تزرع أو تستأجر أحواشاً أو مستودعات، فهذه يجوز أن يوقفها. «وحيوان»، الحيوان ينتفع به؛ لأنه إن كان مركوباً فبركوبه،
وإن كان محلوباً فبحلبه، والحيوان يمكن أن ينتفع به مع بقاء عينه،
فإن قال: وقفت هذه الشاة لِتُطْعَم للفقراء، فهل يصح أو لا يصح؟ على المذهب لا يصح؛ لأنه قيَّده بما يمكن الانتفاع به مع بقائه، فهو كما لو وقف التمر والأرز والبر وما أشبهه. «ونحوهما» في الوقت الحاضر مثل السيارات، فيصح وقفها،
وكذا الأقلام؛ لأنها تستعمل مع بقاء عينها، لكن الأقلام التي تستهلك مثل الرصاص، قد نقول: إن الرصاص الذي فيها بمنزلة المداد فيصح وقفها، وقد نقول: إن المقصود من هذا القلم هو الرصاصة التي فيه، ولا يمكن الانتفاع به إلا بتلفها، فلا يصح على المذهب.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ الأقلام السابقة، فقد كانت الأقلام فيما سبق من أغصان الشجر اليابسة، تؤخذ وتُبْرَى بمبراة ويكتب بها ـ وقد أدركنا هذا ـ فهذه لا بد أن تتآكل، مثل أعواد الأراك فإنها تتآكل، فالظاهر أنه على قاعدة المذهب لا يصح، ولكن قد يقال بالصحة؛ لأن استهلاكها يسير والانتفاع بها يطول، وليست كالأكل، مثل التمر والبر وما أشبه ذلك.
فهذا الشرط الأول يشتمل على أكثر من شرط، فلا بد أن يكون فيه منفعة،
وأن تكون دائمة، وأن يكون معيَّناً،
وأن ينتفع به مع بقاء عينه، فهو شرط واحد يشتمل على أربعة شروط.
وَأَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ كَالمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ والمَسَاكِينِ والأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ …
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.