ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر ونحوه
الشروح عليها
(ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر) طوعا أو كرها (ونحوه) كشرب دواء لحديث «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» رواه مسلم، وغشي على عمار ثلاثا ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث، ويقضي من شرب محرما حتى زمن جنون طرأ متصلا به تغليظا عليه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر) إجماعا في النوم،
وكذا في الإغماء ما لم تطل مدته،
فإن مذهب مالك والشافعي لايلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء منها، وأبو حنيفة لا يراه بعد خمس صلوات، وعندنا يلزم القضاء مطلقا، لأنه لا تطول مدته غالبا، أشبه النوم المتفق على القضاء في حالته،
وأما السكر فبطريق الأولى، والإغماء مصدر، أغمي عليه، أي غشي عليه، وتقدم أنه آفة تعرض للدماغ أو القلب بسببها تتعطل القوى المدركة والمحركة حركة إرادية، والسكر اسم مصدر وهو زوال العقل بشراب ونحوه، يقال: سكر يسكر فهو سكران، والجمع سكرى وسكارى، والسكر حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر وما يقوم مقامها إليه معه، فيتعطل معه عقل المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، قال الشيخ: وصلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا تجوز بالاتفاق،
ولا يجوز أن يمكن من دخول المسجد.
سكر) طوعا أو كرها (أو نحوه) كشرب دواء ولو غير محرم، وفاقا لأبي حنيفة، ومذهب مالك والشافعي لا يلزمه القضاء، وجزم الشارح وغيره أنه إن تطاول زمنه فكالمجنون وإلا فكالإغماء.
وقضى تلك الثلاث . ويقضي من شرب محرما كمسكر فزال عقله بالسكر المحرم، ما فاته في وقت السكر من الصلاة والصوم وسائر الواجبات، وجها واحدا وفاقا،
وقال الشيخ: بلا نزاع وكذا
قال في الإنصاف، وتجب على من زال عقله بمرض بلا نزاع.
حتى زمن جنون طرأ متصلا به تغليظا عليه أي ويلزمه قضاء ما فاته حتى صلاة حال الجنون، لاتصاله بالسكر المحرم تغليظا عليه، صوبه في تصحيح الفروع،
فلو شرب محرما وجن في الحال، واستمر جنونه،
وإن مات والحال ما ذكر مات عاصيا، لأنه جنى على نفسه بشربه المحرم، كما لو جن المرتد، لأن سقوطها بالجنون رخصة، وليس من أهلها، فكذا هنا، وطرأ يطرأ مهموز، وفيه العطف على متبوع محذوف، لأن تقديره: فيقضي كل صلاة ونحوها، حتى صلاة زمن جنون طرأ وهو جائز.
«ويقضي مَنْ زالَ عقلُهُ بنومٍ»، وعندي أنَّ في العبارة شيئاً من التَّساهل؛ لأنَّ النَّائمَ ليس زائلَ العقلِ بل مُغطًّى عقلُهُ، وفاقدٌ لإحساسه الظَّاهريِّ.
والمعنى: أنَّ النَّائمَ يقضي الصَّلاة، وهذا ثابتٌ بالنَّصِّ والإجماع .
أمَّا النَّصُّ: فهو قوليٌّ وفعليٌّ، فالقوليُّ: قول النبيِّ ﷺ: «من نسيَ صلاةً أو نَامَ عَنها، فكفَّارتُها أن يصلِّيَهَا إذا ذكرها».
وأمَّا الفعليُّ: فلأنَّ النبيَّ ﷺ قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السَّفر . ولأنَّنا لو قلنا بعدم قضائها مع كثرة النَّوم لسقط منها كثير، ولكان ذلك مَدْعاة للتَّساهل بها في النَّوم عنها.
وأمَّا الإجماع: فقد نقله غيرُ واحد من أهل العلم.
وأفاد قوله:«ويقضي» أنَّ صلاة النَّائم ونحوه بعد خروج الوقت تُعتبر قضاءً، وذهب شيخُ الإسلام ابنُ تيمية إلى أنَّ كلَّ من صَلَّى بعد الوقت معذوراً فصلاتُه أداءً ، لأنَّ النبيَّ ﷺ وقَّت للنَّائم الصَّلاة عند استيقاظه، والنَّاسي عند ذِكْرِه.
أَوْ إِغْمَاءٍ أو سُكْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، ........... «أو إغماء»، أي: يقضي من زال عقلُهُ بإغماءٍ، والإغماء: هو التَّطبيق على العقل، فلا يكون عنده إحساس إطلاقاً،
فلو أَيْقَظْتَه لم يستيقظ.
فإذا أُغمي عليه وقتاً أو وقتين وجبَ عليه القضاء؛ لورود ذلك عن بعض الصَّحابة رضي الله عنهم كعمار بن ياسر ، وقياساً على النَّوم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
والأئمةُ الثَّلاثةُ يَرَون عدم وجوب القضاء على المُغمى عليه ، لكنَّ أبا حنيفة رحمه الله يقول: إذا كانت خمس صلوات فأقلَّ فإنَّه يقضي ؛ لأنَّها سهلة ويسيرة،
أمَّا إذا زادت على الخمس فلا يقضي، وكلامُ أبي حنيفة مبنيٌّ على شيء من العقل والرَّأي؛ فأخذ بعِلَّةِ مَنْ عَلَّل بالقضاء، وأخذ بسقوط الأمر للمشقَّة. ولكن لا شَكَّ أنَّ مثل هذا التَّقديرِ الدَّقيق يحتاج إلى دليل، وإلاَّ فهو تحكُّمٌ؛ فالإنسان الذي لا يَشُقُّ عليه خمسُ صلوات لا يَشُقُّ عليه ستُّ صلوات.
فإذا نظرنا إلى التَّعليل وجدنا أنَّ الرَّاجح قول من يقول: لا يقضي مطلقاً؛ لأنَّ قياسه على النَّائم ليس بصحيح، فالنَّائم يستيقظ إذا أُوقِظَ،
وأمَّا المُغمى عليه فإنَّه لا يشعر.
وأيضاً: النَّوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنَّه لا يقضي سقط عنه كثير من الفروض. لكن الإغماء قد يمضي على الإنسان طولُ عمره ولا يُغمى عليه، وقد يسقط من شيء عالٍ فيُغمى عليه، وقد يُصاب بمرضٍ فيُغمى عليه.
وأما قضاء عمَّار ـ إن صحَّ عنه ـ فإنَّه يُحمل على الاستحباب، أو التَّورُّعِ، وما أشبه ذلك . «أو سُكْرٍ»، أي: يقضي من زال عقله بسُكْر،
فإذا كان آثماً بسُكْره فلا شكَّ في وجوب القضاء عليه؛ لأنَّه حصل باختياره، ولأنَّه غير مأذون له بذلك، ولأنَّنا لو أسقطنا عنه قضاء الصَّلاة، وهو من أهل شُرب الخمر، فإنَّه كلَّما أراد ألاَّ يُصلِّي شرب مسكراً، فحصل على جنايتين: على شرب المُسكر، وعلى ترك الصَّلاة.
وإن كان غير آثم بسُكْره كما لو شرب شراباً جاهلاً أنَّه مسكر، فإنَّه يقضي أيضاً؛ لأنَّ هذا حصل باختياره، لكن لا إثم عليه؛ لأنَّه جاهلٌ بكونه مُسْكراً.
وأما قياسه على المُغمى عليه ففيه نظر.
فإن قلت: «أليس الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ، فكيف يُلزم بقضاء ما نُهي عن قِرْبَانه؟ فالجواب: أنَّه ليس في الآية نهي عن قِرْبان الصَّلاة مطلقاً؛ وإنَّما نُهي عن قِرْبَانها حال السُّكْرِ حتى يعلم السَّكران ما يقول، فإذا علم ما يقول لزمته الصَّلاة أداءً إن كان في وقتها، أو قضاءً إن كان بعد الوقت، ولهذا كان الأئمة الأربعة متَّفقين على أنَّ مَنْ زال عقلُهُ بسُكْرٍ فإنَّه يَقضي . «أو نحوه»، أي: نحو ما ذُكِرَ مثل البَنْج والدَّواء، وهذا محلُّ خِلاف ، فمن أهل العلم من قال: إن زالَ عقلُهُ بشيء مباح فلا قضاء عليه؛ لأنَّه معذور. والذي يترجَّحُ عندي: أنه إن زال عقلُهُ باختياره فعليه القضاء مطلقاً، وإن كان بغير اختياره فلا قضاء عليه.
ولا تصحُّ من مجنونٍ ولا كافرٍ، فإِنْ صلَّى فَمُسْلمٌ حُكْماً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.