فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(يلزم الإحداد مدة العدة كل) امرأة (متوفى زوجها عنها في نكاح صحيح) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» متفق عليه،

٢٬١٣٣

وإن كان النكاح فاسدا لم يلزمها الإحداد؛ لأنها ليست زوجة ولا يعتبر للزوم الإحداد كونها وارثة أو مكلفة فيلزمها (ولو ذمية أو أمة أو غير مكلفة) فيجنبها وليها الطيب ونحوه وسواء كان الزوج مكلفا أو لا لعموم الأحاديث ولتساويهن في لزوم اجتناب المحرمات

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

كل) امرأة (متوفى عنها زوجها، في نكاح صحيح) بلا نزاع بين أهل العلم، إلا عن الحسن شذبه عن أهل العلم، وخالف فيه السنة،

٦٬٢٩٣

وقال ابن رشد: أجمع المسلمون على أن الإحداد واجب، على النساء الحرائر المسلمات، في عدة الوفاة، إلا الحسن وحده.

الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال أي تمنع نفسها الزينة، وبدنها الطيب، على ميت من قريب ونحوه، فوق ثلاث فما دونها، وذلك أنه أبيح لأجل حفظ النفس، ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية.

فيلزمها (ولو ذمية أو أمة أو غير مكلفة) وهو مذهب الجمهور، مالك والشافعي، لعموم الأحاديث، واستثنى أصحاب الرأي الذمية والصغيرة، لأنهما غير مكلفتين، ولا مخصص.

أمة أو غير مكلفة) فيجنبها وليها الطيب ونحوه أي فيجنب ولي غير المكلفة، الطيب والزينة وغيرهما، مما تجنبه الحرة المسلمة.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«يلزم الإحداد» الإحداد مصدر أَحَدَّ يُحِدُّ،

٢٠٬٣٨٧

وأما مصدر حَدَّ يَحُدُّ فهو حَدٌّ، والحد في اللغة: المنع، ومنه حدود البيت، وحدود الدار، وما أشبه ذلك،

٢٠٬٣٨٨

أما الإحداد في الشرع: فهو أن تمتنع المرأة عن كل ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره.

والإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع، فالواجب على المتوفى عنها، والجائز على من مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام، والممنوع ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر.

٢٠٬٣٨٩

فإن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على أن الإحداد ينافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصاً عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان

٢٠٬٣٩١

وكذلك من قول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما شكوا إليه امرأة توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال:«لا»، فأعادوا عليه، قال:«لا»، ثم قال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر» ، فهذا دليل ـ أيضاً ـ على الوجوب، وأيضاً الرسول ﷺ نهى المتوفى عنها زوجها أن تلبس ثوباً فيه زينة وأن تتطيب، إلا ما استثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض، تتبخر به ، تتبع به أثر الدم، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله.

وهل يمكن أن نستدل لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام :«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»؟ بعض العلماء قال: يمكن أن يستدل به؛ لأن قوله:«لا يحل» معناه أنه حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب.

وبعض العلماء قال: لا يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف أن نفي الحل في قوله:«لا يحل» لا يقتضي الوجوب، وهذا صحيح، لكن أولئك استدلوا بوجه آخر، قالوا: نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن معناه التحريم، والتحريم لا يستباح إلا بواجب، كما استدلوا على أن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: لأن قطع شيء من الإنسان حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها في حال الخطبة ، قالوا:

٢٠٬٣٩٢

فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب.

على كل حال إن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث، مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبه الذي يحتمل الجدال، ولهذا فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال للذي أنكر الرب: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، هذا فيه تلبيس ليس بصحيح،

مُدَّةَ الْعِدَّةِ كُلَّ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ،

٢٠٬٣٩٤

وَلَوْ ذِمِّيَّةً، ......... «مدة العدة»«مدة» ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت،

٢٠٬٣٩٥

فإذا كانت حائلاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام،

٢٠٬٣٩٦

وإذا كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل،

٢٠٬٣٩٧

وإذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة. «كل متوفًّى عنها زوجها»«متوفًّى» اسم مفعول؛ لأنه مقبوض، وليس «متوفٍّ»؛ لأنها بمعنى قابض، وقد سبق أن بعضهم أجاز «متوفٍّ». «في نكاح صحيح» وقد سبق أنه لا يشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح؛ فالنكاح بلا ولي ليس بباطل ولكنه فاسد،

٢٠٬٣٩٨

فلو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة،

٢٠٬٣٩٩

ولا يجب عليها الإحداد؛ لأنه قال:«في نكاح صحيح» بهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فتجب العدة ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسداً.

ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة

٢٠٬٤٠٠

ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته،

٢٠٬٤٠١

أما من لا يعتقد صحته فلا عدة، لكن إن حصل وطء وجب

٢٠٬٤٠٢

إما الاستبراء أو العدة، بحسب ما تقدم من الخلاف، فالمهم أنه على المذهب يفرقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة ولا يجب الإحداد، قالوا: والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ فكذلك لا تدخل في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.

ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعاً لا يطلق عليه اسم ذلك العقد، فكل عقد فاسد لا يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله لا أبيع، فباع دخاناً، لا يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، فالأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تحمل على مدلولها الشرعي، فنقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، ولكن من اعتقد النكاح صحيحاً فله حكمه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح،

٢٠٬٤٠٣

ومن اعتقده فاسداً فحكمه حكم الباطل. «ولو ذمية»«لو» هذه إشارة خلاف، والذمية هي من عقدت لها الذمة من الكفار، فقوله:«ولو ذمية» فيه تساهل، والصواب أن يقال:«ولو كتابية» لأنه لا يشترط في جواز نكاح الكتابية أن تكون ذمية، ولأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب، كالمجوس، ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية، فهذا التعبير فيه نظر طرداً وعكساً، فالمراد اليهودية أو النصرانية، وهل يمكن أن يتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟

نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين،

٢٠٬٤٠٤

فلو مات عن امرأة غير مسلمة ـ يعني يهودية أو نصرانية ـ وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.

٢٠٬٤٠٥

فإن قلت: ما الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه زوجة، وعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام :«إلا على زوج».

تعليق

فلو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام :«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج … إلخ»، والذمية لا تؤمن بالله ولا اليوم الآخر الإيمانَ الذي يقتضي الإذعان والقبول، فليس الإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، بل لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا فهم غير مؤمنين،

٢٠٬٤٠٦

وإن قالوا: نؤمن بالله لقلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله محمد عليه الصلاة والسلام.

فنقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، وبأن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل،

٢٠٬٤٠٧

وإن كانوا يخاطبون بها مخاطبة عقوبة؛ فلا تقل للكافر: لا تُرَابِ؛ لأن الربا حرام، بل قل له: أسلم أولاً، ولا تقل له: لا تلبس خاتم ذهب؛ لأنه حرام، وإنما قل له: أسلم،

٢٠٬٤٠٨

وكذلك ما نقول له: صلِّ، بل نقول: أسلم، فهم لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، إنما مخاطبة عقوبة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *﴾ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *﴾ [المدثر]، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثراً في عقوبتهم ما ذكروها.

فما الجواب عن هذا الاستدلال؟

الجواب كالتالي:

أما الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام :«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» فالمراد بذلك الحث والإغراء، أي: إغراء المرأة على الفعل، وليس قيداً يخرج ما عداه، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يهين ضيفه، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف،

٢٠٬٤٠٩

وكذلك أيضاً قوله ﷺ :«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وليس قيداً يخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريماً حقاً فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك.

٢٠٬٤١٠

وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يخاطب بفروع الإسلام خطاب فعل؛ نقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها فلذلك وجب، ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غسل الجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه.

أَوْ أَمَةً، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ،

٢٠٬٤١١

وَيُبَاحُ لِبَائِنٍ مِنْ حَيٍّ، وَلَا يَجِبُ عَلَى رَجْعِيَّةٍ وَمَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِناً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، ........ «أو أمة» يعني يلزم الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، وتكون أمة إذا كان زوجها رقيقاً، أو كان حراً ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد.

٢٠٬٤١٢

فإن قال قائل: في إلزامها بالإحداد ضرر على سيدها.

فالجواب: أن هذا الضرر قد التزم به سيدها؛ لأن تزويجه إياها التزام بما يجب لذلك العقد، فيكون هو الذي أوجب على نفسه ذلك.

٢٠٬٤١٣

وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ليست مبنية على الإرث، بل مبنية على حق الزوج، وهي

٢٠٬٤١٤

فرع وتبع للعدة.

وأيضاً يقولون: إنه لما مات الزوج تعلق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها في العدة مُنع من ذلك. «أو غير مكلفة» وهي الصغيرةُ والمجنونةُ،

٢٠٬٤١٥

فلو مات شخص عن زوجة مجنونة فإنه تجب عليها العدة؛ لأنها زوجة،

٢٠٬٤١٦

ويجب عليها الإحداد فيَلْزمُ وليَّها أن يجنبها ما تتجنبه المحادة والصغيرة ولو كانت في المهد، كبنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها فيجب أن تُحِدَّ، فلا تلبس لباس الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يُخرج بها من البيت، كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله.

٢٠٬٤١٧

فإذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟!

نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، وليس من باب العبادات، فالعبادات مرفوعة عنها بلا شك، لكن هذا من حقوق الزوجية، فكما نلزمها بالعدة نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع لها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.