ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعدها
الشروح عليها
(ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها) أي النجاسة (فيها) أي في الصلاة (لم يعدها) لاحتمال حدوثها بعدها فلا تبطل بالشك،
لا زيادة له على هذه المسألة.
بمستتبع لها (ومن) رأى عليه نجاسة بعد صلاته أي رآها على بدنه أو ثوبه أو بقعته. أي جهل عينها بأن أصابه شيء لا يعلم أطاهر أم نجس؟ ثم علم نجاسته بعد صلاته، أعاد أو جهل حكمها بأن إزالتها شرط لصحة الصلاة، أو جهل أنها كانت في الصلاة ثم علم، أو علم أن كان ملاقيها ولم يكن يعلم ذلك في صلاته، ثم علم بعد صلاته أعاد، هذا المذهب.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وَمَنْ رَأَى عَلَيه نَجَاسَةً بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَجَهِلَ كَوْنَهَا فيها لَمْ يُعدْ، وإنْ عَلِمَ أنَّهَا كَانَتْ فِيهَا، لَكِنْ نَسِيهَا أَوْ جَهِلها أَعَادَ»، المراد بالنَّجاسة ما لا يُعفى عنه من النجاسات؛ لأنَّ ما يُعفى عنه لا يضرُّ وجوده. وقوله:«عليه»، أي: على بدنه أو ثوبه.
وقد ذكر المؤلِّفُ هنا صورتين:
الصُّورة الأُولى: أشار إليها بقوله: «وجهل كونها فيها»، أي: لا يدري هل كانت عليه وهو في صلاته، أم أصابته بعد الصَّلاة،
ففي هذه الصُّورة لا إعادة عليه لوجهين:
الوجه الأول: أنَّ صلاتَه قد انقضت من غير تيقُّن المفسد، والأصلُ عَدمُه، ولهذا لو شَكَّ إنسانٌ بعد الصَّلاة هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فلا يضرُّه؛ لأنَّه فَرَغَ من الصَّلاة.
الوجه الثَّاني: أنَّه لا يدري؛ أحصلت تلك النَّجاسة قبل سلامه أو بعد سلامه، والأصل عدم الحصُول فلا إعادة.
وإن غلب على ظنِّه أنَّها كانت قبلَ الصَّلاة فلا إعادة عليه أيضاً؛ لأنَّ غلبة الظَّنِّ هنا كالشَّكِّ، والشَّكّ كالعدم، ولهذا لمَّا سُئِل الرَّسولُ ﷺ عن الرَّجُلِ يُشكِلُ عليه ـ وهو في صلاته ـ أخرج منه شيء؟ قال:«لا يخرجُ حتى يسمعَ صوتاً؛ أو يجدَ ريحاً». ولأنَّ القاعدة: أنَّ اليَقين لا يزولُ إلا بيقين، فلا يزول بشيءٍ مظنون أو مشكوكٍ فيه.
الصُّورة الثَّانية: عَلِمَ أنَّ النَّجاسة كانت في الصَّلاة؛ لكن جهلها فلم يعلم إلا بعد صلاته، فعليه الإعادة على كلام المؤلِّف.
مثاله: رَجُل صَلَّى؛ فلما سَلَّم وَجَدَ على ثوبه نجاسة يابسة؛ يتيقَّن أنها أصابته قبل الصَّلاة، ولكن لم يعلم بها.
واعلمْ أنَّ الجهل ثلاثة أقسام:
الأول: أن يعلم أن النَّجاسة كانت في الصلاة لكن بعد أن سلَّم، وهذا ما ذكره المؤلِّف.
الثاني: أن يعلم وجودها في الصلاة، لكن لا يدري أهي من النَّجاسات المانعة من صحة الصَّلاة أم لا.
مثاله: رَجُل صلَّى وفي ثوبه بُقعٌ؛ لا يدري أهي من النجاسات المعفوِّ عنها أم لا؟ فتبيَّن أنها من النَّجاسات التى لا يُعفى عنها.
الثالث: أن يعلمَ وجودها في الصَّلاة؛ لكن لا يدري أنَّ إزالتها شرطٌ لصحَّة الصَّلاة. والمثال واضح.
ففي هذه الأقسام كلِّها تلزمه إعادة الصَّلاة؛ لإخلاله بشرطِ الصَّلاة، وهو اجتناب النَّجاسة، فهو كما لو صَلَّى بغير وُضُوء جاهلاً بالحدث.
وقوله:«أو نَسيَها»، أي: نَسيَ أنَّ النَّجاسة أصابته، ولم يذكر إلا بعد سلامه فعليه الإعادة على كلام المؤلِّف؛ لإخلاله بشرط الصَّلاة؛ وهو اجتناب النجاسة؛ فهو كما لو صَلَّى محدثاً ناسياً حدثه.
ومثل ذلك لو نسيَ أن يغسلها.
والرَّاجح في هذه المسائل كلِّها: أنه لا إعادة عليه سواء نسيها، أم نسي أن يغسلها، أم جهل أنها أصابته، أم جهل أنها من النَّجاسات، أم جهل حكمها، أم جهل أنها قبل الصَّلاة، أم بعد الصلاة. والدَّليل على ذلك: القاعدة العظيمة العامة التي وضعها الله لعباده وهي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، وهذا الرَّجُل الفاعل لهذا المحرَّم كان جاهلاً أو ناسياً، وقد رفع الله المؤاخذة به، ولم يبقَ شيء يُطالب به.
وهناك دليل خاصٌّ في المسألة، وهو أنَّ رسول الله ﷺ حين صَلَّى في نعلين وفيهما قَذَرٌ؛ وأعلمه بذلك جبريل لم يستأنف الصَّلاة وإذا لم يُبْطِل هذا أولَ الصَّلاة، فإنه لا يُبْطِلُ بقيَّة الصَّلاة.
ولو قال قائل: ما الذي منع قياسها على ما إذا صَلَّى محدثاً وهو جاهل أو ناسٍ؟
فالجواب: أنَّ ترك الوُضُوء من باب ترك المأمور، فالوُضُوء شيء مأمور به؛ يُطلب من الإنسان أن يقوم به، والنجاسة شيء منهيٌّ عنه؛ يُطلب من الإنسان أن يتخلَّى عنه، فلا يمكن قياس فعل المحظور على ترك المأمور؛ لأن فعل المحظور إذا عُفي عنه مع الجهل والنسيان كان فاعله كمن لم يفعله سَوَاء؛ لعدم الإثم به.
أمَّا ترك المأمور مع الجهل والنسيان فيُعفى عنه حال تركه؛ فليس في الإثم كمن تركه عامداً؛ لكنه يمكن تدارك مصلحته بإعادته على الوجه المأمور به، فتنبَّه للفرق فإنه واضح.
وعلى هذا؛ لو أن أحداً أكل لحم إبل، وهو لم يعلم أنه لحم إبل، أو أنه ناقض للُوضُوء، أو علم بذلك لكن نسيَ أن يتوضَّأ؛ أو نسيَ أنه أكله؛ وقام وصلَّى بلا وُضُوء ثم علم، فعليه الإعادة؛ لأن هذا من باب ترك المأمور؛
بخلاف النَّجاسة، فهي من باب فعل المحظور، هذا هو الصَّحيح في هذه المسألة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد .
وَمَنْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ لَمْ يَجِبْ قَلْعُهُ مَعَ الضَّرَرِ .........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.