إلا إذا نذر الصدقة بماله كله "أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل" فإنه يجزئه قدر الثلث
الشروح عليها
(إلا إذا نذر الصدقة بماله كله) من يسن له، فيجزيه قدر ثلثه ولا كفارة لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي لبابة لما نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى:«يجزي عنك الثلث» رواه أحمد، (أو) نذر الصدقة (بمسمى منه) أي من ماله، كألف (يزيد) ما سماه (على ثلث الكل، فإنه يجزيه) أن يتصدق بـ (قدر الثلث) ، ولا كفارة عليه، جزم به في " الوجيز " وغيره،
والمذهب أنه يلزمه الصدقة بما سماه،
ولو زاد على الثلث، كما في " الإنصاف " وقطع به في " المنتهى " وغيره،
يسن له . فيجزئه قدر ثلثه ولا كفارة أي فيجزئه قدر ثلثه يوم نذره، يتصدق به، ولا كفارة عليه، نص عليه.
صدقة لله تعالى «يجزئ عنك الثلث» رواه أحمد وقال لكعب، «أمسك عليك بعض مالك» ، فهو خير لك،
ومن حلف أو نذر لا يرد سائلا، فكمن حلف أو نذر الصدقة بماله كله، قال الشيخ: ويصرف مصرف الزكاة.
«إلا إذا نذر الصدقةَ بماله كله، أو بمسمَّى منه يزيد على ثلث الكل، فإنه يجزئه قدر الثلث» استثنى المؤلف من قوله:«لزمه الوفاء به» إذا نذر الصدقة بماله كله فإنه يجزئه قدر الثلث، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فللَّه عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر معلق، أو يقول: لله عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر مطلق، فيجزئه قدر الثلث، واستدل الأصحاب رحمهم الله لهذا بحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وحديث أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه.
أما كعب بن مالك فتخلف عن غزوة تبوك بدون عذر،
ولما رجع النبي ﷺ من تبوك جاء المنافقون يعتذرون إلى النبي ﷺ، فكان يعذرهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، ويفرحون بهذا؛ لأنهم أهل ظاهر، فيفرحون بالظاهر، ويقولون: يكفينا استغفار النبي ﷺ لنا، وما علموا أن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ـ والعياذ بالله ـ
أما كعب بن مالك، رضي الله عنه وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم فصدقوا، وقالوا: ما لنا عذر، وكعب بن مالك رضي الله عنه تكلم بين يدي النبي ﷺ بكلام فصيح عجيب؛ لأنه أشب القوم وأجلدهم،
وقال: إني أوتيت جدلاً، يعني أقدر أن أخاصم، وأعرف أن أتخلص، ولكن لا يمكن أن أتقدم إليك بعذر اليوم فتعذرني، ثم يفضحني الله ـ تعالى ـ غداً ـ الله أكبر ـ انظر الإيمان واليقين، المنافقون قال الله فيهم: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *﴾ [التوبة]،
أما هذا فلإيمانه أعطى الصدق،
وقال: ما لي عذر، وما ملكت راحلتين قط في غزوة كهذه، ولكن أخذه التسويف، لما خرج الناس أول يوم، قال: أنتظر غداً ألحقهم، في اليوم الثاني قال: غداً ألحقهم، حتى ذهب الوقت، فهجره النبي عليه الصلاة والسلام وصار لا يكلمه، حتى أنه يقول: آتي وأسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وأقول: أَحَرَّكَ شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ مع حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مقام مقال، ومع ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يلاحظه، إذا كبَّر للصلاة لاحظه النبي عليه الصلاة والسلام ونظر إليه،
فإذا أقبل عليه كعب أعرض؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يراعي أصحابه خير رعاية، بقي على هذه الحال يخرج إلى السوق يكلم الناس وما يكلمونه، حتى أبو قتادة ابن عم كعب بن مالك وأحب الناس إليه، دخل عليه في بستانه وسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال له: أنشدك الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله ﷺ يريد أن يتكلم، فلما ناشده الله لم يكلمه، ولكن قال: الله أعلم، وهذه كلمة تصلح خطاباً، وغير خطاب، فلما مضى عليهم أربعون ليلة أرسل النبي ﷺ إليهم أن يفارقوا زوجاتهم، فيتركونهن يذهبن لأهلهن، فقال كعب ـ لما جاءه رسول رسول الله ﷺ وقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك ـ قال: هل أطلقها أم أعتزلها؟
فلو قال: طلقها، لطلَّقَها، لكن قال: بل تعتزلها، فذهبت المرأة إلى أهلها، وبقوا خمسين ليلة، والناس هاجرون لهم، ولا يتكلمون معهم،
وفي أثناء هذه المدة جاء خطاب من ملك غسان إلى كعب بن مالك ـ فتنة عظيمة ـ قال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وطلب حضوره إليه حتى يكرمه ويعزه، فلما قرأ الكتاب لم يحتفظ به، بل مباشرة جعله في التنور وأوقد به؛ لئلا تخدعه نفسه فيستجيب، فنزلت توبتهم من الله عز وجل في ليلة من الليالي وبعد خمسين ليلة، جاء الفرج من الله عز وجل الله أكبر ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *﴾ .
فلما أصبح النبي ﷺ أخبر الناس بتوبة الله عليهم ـ الله أكبر ـ وكان كعب لا يصلي مع الجماعة؛ لأنه مهجور، فذهب رجل من المسلمين إلى سلع ـ جبل في المدينة معروف ـ ونادى بأعلى صوته: أبشر يا كعب بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمك! أبشر بتوبة الله عليك! وذهب رجل على فرس يبشره، وانظر إلى الصحابة رضي الله عنهم كيف فرحهم بتوبة الله تعالى على إخوانهم، وعلى أصحابهم، لكن كان صاحب الصوت أسرع، فصارت البشارة لصاحب الصوت، فأعطاه كعب بن مالك حلته، فلما جاء إلى النبي ﷺ ودخل المسجد قام إليه طلحة بن عبد الله رضي الله عنه يهنئه بتوبة الله عليه، قال: فكنت لا أنساها لطلحة أن كان أول الصحابة يهنئه رضي الله عنهم،
أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لما رآه كعب وجد وجهه يتهلل، كأنه قطعة قمر فرحاً بنعمة الله عز وجل بتوبته على هؤلاء الثلاثة؛ لأن النبي ﷺ لا شك أنه أشفق الناس على أمته وأصحابه، وأشدهم حباً للخير لهم، فكانت هذه القضية مما نزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وانظر المحنة تعقبها المنحة! كل محنة من الله عز وجل إذا صبرت عليها فأبشر بعقباها منحة، فبعد هذا قال الله عز وجل : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *﴾ [التوبة]، فجعلهم أسوة لغيرهم في الصدق،
ولما تاب الله عليهم، قال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال:«أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» متفق عليه ، وعند أبي داود «أنه يجزئه الثلث»، وقد سمى النبي ﷺ الثلث كثيراً، فقال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :«الثلث والثلث كثير».
وكذلك أيضاً: أبو لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله ﷺ، فقال له النبي ﷺ :«يجزئك منه الثلث» وقصة أبي لبابة ذكرها بعض الناس في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وليس هذا بصحيح،
والصحيح أنها كانت في قصة إشارته لحلفائه بني قريظة حين استشاروه: هل ينزلون على حكم النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأشار إلى حلقه، يعني أنه الذبح، فعرف رضي الله عنه أن في ذلك خيانة، فربط نفسه بسارية المسجد،
وقال: لا أطلقها حتى يحلها رسول الله ﷺ بعد أن يتوب الله عليه، فتاب الله عليه، وحلها الرسول ﷺ لما عرف صدق توبته، ثم قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له النبي ﷺ :«يجزئك الثلث»، ففي هذا دليل على أنه إذا نذر الصدقة بماله فإنه يجزئه الثلث.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن الصدقة بجميع المال لمن علم من نفسه التوكل جائزة، بل هي سنة فعلها أبو بكر رضي الله عنه، فتدخل في عموم قوله ﷺ :«من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وأجابوا عن حديث كعب بن مالك وأبي لبابة رضي الله عنهما بأنه ليس فيهما التصريح بالنذر، بل قد يكون ذلك من باب شكر النعمة، وهي توبة الله عليهما، وليس فيه أن كلاًّ منهما قال: إن لله عليَّ نذراً، بل قال: إن من توبتي ـ أي: من شكر توبتي ـ أن أفعل كذا
وكذا، فهو من باب نية الخير شكراً لله عز وجل، وفرق بين من يلتزم بالنذر، وبين من يريد بدون التزام.
والحقيقة أن هذه المناقشة قوية، بمعنى أنه ليس في الحديثين دلالة صريحة على أنهما نذرا لله بذلك، فلا شك أن الإنسان إذا أوفى بنذره وتصدق بجميع ماله مع حسن ظنه بربه، وصدق اعتماده عليه،
وأن له جهات يُمكن أن يقوم بواجب كفايته وكفاية عائلته، لا شك أن صدقته بجميع ماله أبرأ لذمته وأحوط،
وأما الاقتصار على الثلث مطلقاً ففي النفس منه شيء.
وقوله:«أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل»(مسمى منه) يعني مُعَيَّناً من ماله يزيد على ثلث الكل.
وقوله:«فإنه يجزئه قدر الثلث» يعني ثلث الكل، مثال ذلك قال: لله عليَّ نذر أن أتصدق بهذه السيارة، فنظرنا ما عنده من المال فإذا السيارة تساوي عشرين ألفاً، وعنده عشرة آلاف فقط، فيجزئه ثلث الكل وهو عشرة آلاف، وتبقى السيارة له، أو نقول: بعها ثم تصدق بنصف قيمتها، ولا يلزمه أن يبيعها؛ لأنه لو باعها سوف يأخذ نصف القيمة، لكن إذا باعها فهو أحسن من جهة؛ لأنه أخرجها لله وطابت نفسه بها، فكونها لا تدخل ملكه أحسن.
وقوله:«أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث» هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، ولكن المذهب المشهور عند المتأخرين أنه يلزمه أن يتصدق بالمسمى،
وإن زاد على الثلث، ففي مثالنا هذا يلزمه أن يتصدق بالسيارة كلها، ويقولون: إن الفرق بينه وبين الكل، أن الكل عبارة عن كل المال، وليس ذلك بالأمر المشروع؛
بخلاف الصدقة بشيء معين فإنه مشروع ولو كان أكثر من الثلث،
فالمسألة فيها ثلاثة أشياء:
أولاً: أن ينذر الصدقة بجميع ماله، فمذهب الحنابلة يجزئه الثلث، وقول أكثر أهل العلم أنه لا بد أن يتصدق بماله كله.
ثانياً: أن ينذر الصدقة بشيء معين يزيد على الثلث، فالمذهب يلزمه أن يتصدق به ولو زاد على الثلث، والذي مشى عليه المؤلف أنه لا يلزمه أكثر من الثلث.
ثالثاً: أن ينذر الصدقة بشيء من ماله مشاع، مثل أن يقول: ثلث مالي، نصف مالي، وما أشبه ذلك، فيتعين ما قاله على ظاهر المذهب، وعلى كلام المؤلف لا يلزمه أكثر من الثلث.
وهل إذا تصدق بالثلث عليه كفارة؟
ليس عليه كفارة؛ لأنه يقول:«يجزئه»، وما دام يجزئه فقد أوفى بنذره فلا كفارة عليه.
وَفِيمَا عَدَاهَا يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ،
وَإِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً لَمْ يَلْزمْهُ إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ. «وفيما عداها يلزمه المسمى» أي: في ما عدا المسألة المذكورة، وهي إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على الثلث، فإنه يلزمه المسمى؛ أي: المعين ولو كثر،
فلو فرضنا أن رجلاً عنده مليون ريال،
وقال: لله عليّ نذر أن أتصدق بثلاث مائة ألف، فهل يلزمه أو لا؟
يلزمه؛ لأنه أقل من الثلث، ودليله عموم قول النبي ﷺ :«من نذر أن يطيع الله فليطعه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.