ويسن للقارئ والمستمع
الشروح عليها
(ويسن) سجود التلاوة (للقارئ والمستمع) لقول ابن عمر: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته» متفق عليه.
وقال عمر:«إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء» ، رواه البخاري، ويسجد في طواف مع قصر فصل ويتيمم محدث بشرطه ويسجد مع قصره،
وإذا نسي سجدة لم يعد الآية لأجله ولا يسجد لهذا السهو ويكرر السجود بتكرار التلاوة كركعتي الطواف،
قال في " الفروع ": وكذا يتوجه في تحية المسجد إن تكرر دخوله اهـ. ومراده غير قيم المسجد
حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته متفق عليه وفيه: دلالة على مشروعية سجود المستمع، قال ابن بطال: أجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد.
يفرض علينا السجود إلا أن نشاء، رواه البخاري وفيه أنه قرأ على المنبر سورة النحل، فنزل وسجد وسجدوا معه، وقرأ بها جمعة أخرى،
وقال: أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود،
فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وقرئ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم ولم يسجد، متفق عليه، قال الحافظ: وأولى الاحتمالات أنه لبيان الجواز، وعن أحمد أن السجود على القارئ والمستمع واجب في الصلاة وغيرها، وفاقا لأبي حنيفة واختاره الشيخ وغيره،
وقال: وهو مذهب طائفة من العلماء اهـ، وقول من أوجبه قوي في الدليل،
وقال غير واحد: خبر عمر في هذا الموطن العظيم، والمجمع العميم، دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به.
البخاري . ويسجد في طواف مع قصر فصل أي بين القراءة والسجود، والاستماع والسجود،
فإن طال الفصل كأن توضأ لم يسجد لفوات محله.
في طواف مع قصر فصل ويتيمم محدث بشرطه وهو تعذر الماء لعدم أو ضرر.
المسجد . (دون السامع) الذي لم يقصد الاستماع أي لا يسن السجود للسامع الذي لم يقصد الاستماع نص عليه، وفاقا لمالك والشافعي.
«يسن للقارئ» يفيد أن سُجود التِّلاوة ليس بواجب، وإنما هو سُنَّة؛ وهذه المسألة محلُّ خِلاف بين أهل العِلْمِ.
فَمِنهم مَن قال: إنَّ سجود التِّلاوة واجب؛ لأنَّ الله أَمَرَ به، وذمَّ مَن تَرَكه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فأمَرَ بالسُّجودِ.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ *﴾ [الانشقاق] فذمَّهم لعدم السُّجود. وامتدح السَّاجدين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *﴾ [الأعراف] قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ السُّجودَ واجبٌ لِمَدْحِ فاعلِهِ وذَمِّ تارِكِه والأَمْرِ به.
وقال آخرون: بل هو سُنَّة وليس بواجب. وهو الرَّاجح.
واستدلُّوا:
أولاً: أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه قَرَأَ على النَّبيِّ ﷺ سورةَ النَّجم، ولم يسجدْ فيها .
ولو كان السُّجود واجباً لم يُقرَّه النَّبيُّ ﷺ على تَرْكِ السُّجود.
فإنْ قال قائلٌ: أفلا يُحتمل أنَّ زيداً ليس على وُضُوء؟
فالجواب: هذا احتمال، لكنه ليس بمتعيِّن، بل الظَّاهرُ أنَّه على وُضُوء، لأنه يبعد أن يقرأَ القُرآنَ على غير وُضُوء.
وأيضاً: لو كان السُّجود واجباً لاستفصلَ منه النَّبيُّ ﷺ؛ هل كان على وُضُوء فيسجد، أو على غير وُضوء فلا يسجد، كما استفصلَ النَّبيُّ ﷺ مِن الرَّجل الذي دخل المسجدَ، والنَّبيُّ ﷺ يخطب يومَ الجمعة؛ فجلسَ، فقال له النبيُّ ﷺ : أصليت؟ قال: لا. قال: قمْ فصلِّ ركعتين .
ثانياً: أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه ثَبَتَ عنه في «صحيح البخاري» وغيره أنه قرأ على المِنْبَرِ سورةَ النَّحل، فلما أتى على السَّجدة نَزَلَ مِن المِنْبَرِ وسَجَدَ، فسجدَ النَّاس، ثم قرأها في الجمعة الثَّانية ولم يسجدْ، ثم قال ـ إزالةً للشُّبهة ـ:«إنَّ اللهَ لم يَفِرضْ علينا السُّجودَ إلا أنْ نشاءَ»، وهذا قولُ عُمرَ ـ وناهيك به ـ الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ :«إنْ يكن فيكم مُحَدَّثُونَ فعُمَرُ» محدَّثون، أي: مُلهمون للصَّواب، ومع هذا فَعَلَهُ بمحضر الصَّحابة عَلناً على المِنْبَرِ، ولم يُنكرْ عليه أحدٌ، وهذا يدلُّ على أن السُّجود ليس بواجب.
فإن قيل: ما هو الجواب عن الآيات التي استدلَّ بها مَن قال: إنَّه واجب؟
فالجواب: أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فقل: يجب الرُّكوع أيضاً عند التلاوة.
أما أن تقول: يجب السُّجود،
ولا يجب الرُّكوع؛ فهذا تناقض؛ لأن الدَّليل واحد. وبه نعرف أنَّ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أَمْرٌ بالصَّلاة التي هي ذات رُكوع وسُجود،
وأما قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ *﴾ [الإنشقاق] فنقول له: أنت لا تقول بهذه الآية،
وأنَّ كُلَّ مَن قُرِئَ عليه القُرآنُ وجب عليه أنْ يسجدَ، مع أنَّ ظاهر الآية أنَّ كُلَّ مَن قُرِئ عليه القرآن يجب عليه أنْ يسجد، فالسُّجود هنا بمعنى التَّذلُّل، وليس السُّجود الحَركة المعروفة، أي: إذا قُرِئَ عليهم القرآن لا يذلُّون له، وهذا ثابتٌ لكُلِّ القرآن، فكلُّ القرآن يجب أن تَذِلَّ له.
وأما مَدْحُ الملائكةِ بالسُّجودِ؛ فالمراد بالسُّجود: الصَّلاة؛ لأنَّه ما مِن أربع أصابع في السَّماء إلا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله، أو راكع، أو ساجد.
وقوله:«يُسَنُّ للقارئ» دليله أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يسجد إذا مَرَّ بآية السَّجدة. وفِعْلُ الرَّسول ﷺ الشيءَ على سبيل التَّعبُّد يقتضي سُنِّيَّته. ولهذا مِن قواعد أصول الفقه: أنَّ فِعْلَ الرسول ﷺ الذي فَعَلَهُ على سبيل التَّعبُّد يكون للاستحباب لا للوجوب، إلا أنْ يُقْرَنَ بأمرٍ، أو يكون بياناً لأمر، أو ما أشبه ذلك مِن القرائن التي تدلُّ على الوجوب.
أما مجرَّد الفِعْل فإنه للاستحباب.
فقد روى ابنُ عمر قال:«كان النَّبيُّ ﷺ يقرأُ علينا السُّورةَ فيها السَّجدةُ، فيسجُدُ ونَسجُدُ معه؛ حتى ما يَجِدُ أحدُنا موضعاً لجبهتِهِ» أي: أنهم يسجدون، ولقُربهم مِن النَّبيِّ ﷺ يزدحِمون؛ لأن السَّاجد يشغل مكاناً أكثر مِن الجالس، حتى لا يجد أحدُهم مكاناً لجبهته يسجُدُ عليه. وهذا دليل استحبابه،
وكذلك ما مَرَّ مِن أَثَرِ عُمرَ رضي الله عنه.
والمُسْتَمِع دُونَ السَّامع ........ «والمستمع» دليله: حديثُ ابن عُمر رضي الله عنه وعن أبيه: حيث كانوا يسجدون مع رسول الله ﷺ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.