وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها
الشروح عليها
(وإذا استأذنت المرأة) الحرة، أو الأمة (إلى المسجد كره منعها) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وليخرجن تفلات» ، رواه أحمد، وأبو داود وتخرج غير مطيبة، ولا لابسة ثياب زينة
لا زيادة له على هذه المسألة.
المرأة) الحرة أو الأمة (إلى المسجد كره منعها) لأن الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير،
وكذلك المشي إلى المساجد، وكل صلاة وجب حضورها أو استحب للرجال الجماعة فيها، استحب النساء، وفاقًا للشافعي، والمراد مع أمن المفسدة،
فإن منعها لم يحرم، وذكره البيهقي قول عامة الفقهاء، ولأن ملازمة المسكن حق واجب للزوج فلا تتركه لفضيلة.
الصلاة والسلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وفي الصحيحين وغيرهما «إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» وإماء بكسر الهمزة جمع أمة، ومناسبة كونهن إماء الله تقتضي إباحة خروجهن إلى مساجد الله.
ثياب زينة . (وبيتها خير لها) لما تقدم أي من قوله: وبيوتهن خير لهن، ولأحمد أيضا: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» وأجمع النساء أن صلاة المرأة في بيتها، أفضل من صلاتها في المسجد،
فإن النساء أعظم حبائل الشيطان، وأوثق مصائده،
فإذا خرجن نصبهن شبكة، يصيد بها الرجال، فيغريهم ليوقعهم في الزنا، فعدم خروجهن حسما لمادة إغوائه وإفساده،
وفي الصحيحين من حديث عائشة، لو رأى ما رأينا لمنعهن من المسجد، كما منعت بنو إسرائيل.
«وإذا استأذنت المرأةُ إلى المسجد كره منعها». «إذا استأذنت» أي: طلبت الإذنَ و «المرأة» يُرادُ بها البالغةُ، وقد يُرادُ بها الأنثى،
وإنْ لم تكن بالغةً، ولكن؛ الأكثرُ أنَّ المرأةَ كالرَّجُلِ؛ إنما تُطلق على البالغةِ، كما أنَّ الرَّجُلَ يُطلقُ على البالغِ،
فإذا طَلبت الإذنَ مِن وليِّ أمرِها،
فإن كانت ذاتَ زوجٍ فوَليُّ أمرِها زوجُها، ولا ولايةَ لأبيها ولا لأخيها ولا لعمِّها مع وجودِ الزَّوجِ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ في النساء:«إنهنَّ عَوانٍ عندَكم» والعواني: جَمْعُ عانيةٍ، وهي الأسيرة، ولأنَّ الزوجَ سيدٌ للزَّوجةِ، كما قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: زوجَها،
فإنْ لم يكن لها زوجٌ فأبوها، ثم الأقربُ فالأقربُ مِن عصباتِها.
وقوله:«إلى المسجد» أي: لحضورِ صلاةِ الجماعةِ، فإنَّه يُكره له أن يمنَعَها، والكراهةُ في كلام الفقهاءِ: كراهةُ التنزيهِ التي يستحقُّ عليها الثوابَ عند التَّرْكِ، ولا يُعاقب عليها عند الفِعْلِ.
والدليلُ: قولُ النَّبيِّ ﷺ: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ» وفيه إشارةٌ إلى توبيخِ المانعِ، لأنَّ الأَمَةَ ليست أَمَتَكَ، والمسجدُ ليس بيتَكَ، بل هو مسجدُ الله،
فإذا طلبتْ أَمَةُ اللهِ بيتَ اللهِ فكيف تمنعُها؟ ولأنَّه مَنع مَن لا حَقَّ له عليها في المَنْعِ منه، وهو المسجد.
وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ هذا الحديث نهيٌ، والأصلُ في النَّهيِ التحريمُ، وعلى هذا؛ فيحرمُ على الوَليِ أنْ يمنعَ المرأةَ إذا أرادت الذِّهابَ إلى المسجدِ لتصلِّي مع المسلمين، وهذا القول هو الصَّحيحُ.
ويدلُّ لهذا: أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنه لما قال له ابنُه بلالٌ حينما حَدَّثَ بهذا الحديث: «واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ» لأنَّه رأى الفتنةَ، وتغيُّرَ الأحوالِ، وقد قالت عائشةُ:«لو رأى النَّبيُّ ﷺ مِن النساءِ ما رأينا لَمَنَعَهُنَّ كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيلَ» فلما قال: والله لَنَمْنَعُهُنَّ، أقبلَ إليه عبدُ الله فسبَّهُ سبًّا شديداً ما سبَّهُ مثلَه قطُّ،
وقال له: أقولُ لك: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ» وتقول: «والله لَنَمْنَعُهُنَّ» فَهَجَرَهُ. لأنَّ هذا مضادَّةٌ لكلامِ الرَّسولِ ﷺ، وهذا أمرٌ عظيمٌ، وتعظيمُ كلامِ اللهِ ورسولِهِ عند السَّلفِ لا يماثُله تعظيمُ أحدٍ مِن الخَلَفِ.
وهذا الفِعْلُ مِن ابنِ عُمرَ يدلُّ على تحريمِ المَنْعِ.
لكن؛ إذا تغيَّرَ الزَّمانُ فينبغي للإِنسانِ أن يُقْنِعَ أهلَه بعَدَمِ الخروجِ، حتى لا يخرجوا، ويَسْلَمَ هو مِن ارتكابِ النَّهْيِ الذي نَهَى عنه الرَّسولُ ﷺ.
وقوله:«إذا استأذنت المرأة» يشمَلُ الشَّابةَ والعجوزَ، والحسناءَ والقبيحةَ.
وقوله:«إلى المسجد» يدلُّ على أنَّها لو استأذنت لغير ذلك فله منعُها،
فلو استأذنت أن تخرجَ إلى المدرسةِ فلزوجها أنْ يمنعَها، إلا أن يكون مشروطاً عليه عند العقدِ،
وكذلك لو أرادت أن تخرجَ إلى السُّوقِ فله أنْ يمنعَها.
وقولنا: له أنْ يمنعَها، أي: ليس حراماً عليه، ولكن؛ ينظرُ إلى المصلحةِ، فقد لا يكونُ مِن المصلحةِ أنْ يمنعَها، وقد تكون المصلحةُ في منعِها.
وقوله:«إلى المسجد» أي: للصَّلاةِ، أما لو ذهبت إلى المسجدِ للفُرْجَةِ على بنائِهِ، أو لِتحضُرَ محاضرةً في المسجدِ ـ مثلاً ـ فله أن يمنعَها، فبيتُها خيرٌ لها مِن الخروجِ إلى المسجدِ؛ لأنَّه هكذا قال النَّبيُّ ﷺ :«بيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ»، فهذا الحديثُ الذي أشرنا إليه:«لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لَهُنَّ»،
تضمن خطابين:
١ ـ خطاباً موجهاً للأولياءِ.
٢ ـ خطاباً موجهاً للنساءِ.
أما الأولياءُ؛ فلا يَمنعونَ النِّساءَ،
وأما النساءُ: فبيوتُهنَّ خيرٌ لَهُنَّ.
لكن؛ قال عليه الصلاة والسلام :«وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ» أي: غير متطيِّباتٍ، ومَنَعَ النبيُّ ﷺ المرأةَ ـ إذا كانت متطيِّبةً ـ أنْ تشهدَ المسجدَ فقال: «أيُّما امرأةٍ أصابت بخوراً؛ فلا تشهدْ معنا صلاةَ العشاءِ» وكُنَّ يخرجنَ لصلاةِ العشاءِ يُصلِّينَ مع النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام،
وكذلك لصلاةِ الفجرِ.
وعلى هذا؛ فيجوزُ للوَليِّ إذا أرادت المرأةُ أنْ تخرجَ متطيِّبةً أن يمنعَها، بل يجب أنْ يمنعَها في هذه الحالِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهاها أن تشهد صلاةَ العشاءِ إذا كانت متطيِّبةً،
وكذلك لو خرجت متبرجةً بثيابِ زينةٍ أو بنعالٍ صرَّارةٍ أو ذاتِ عَقِبٍ طويلٍ، أو ما أشبه ذلك؛ فله أنْ يمنعَها قياساً على منعِها مِن الخروج متطيِّبةً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.