وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِأَنْ آجرها أو أرفق بها
الشروح عليها
(وَلَا إنْ رَجَعَتْ) الْهِبَةُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى وَاهِبِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ حَوْزِهَا الْمَوْهُوبَ لَهُ (بِقُرْبٍ) مِنْ حَوْزِهِ بِأَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ قَبْلَ سَنَةٍ فَلَا تَصِحَّ الْهِبَةُ بَلْ تَبْطُلَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِلْوَاهِبِ مَانِعٌ قَبْلَ رُجُوعِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِأَخْذِهَا بَلْ بِعَدَمِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ رُجُوعَهَا لَهُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ آجَرَهَا) الْمَوْهُوبُ لَهُ لِوَاهِبِهَا (أَوْ أَرْفَقَ بِهَا) أَيْ أَعْطَاهَا لِوَاهِبِهَا عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ كَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْإِخْدَامِ قُرْبَ حَوْزِهِ لَهَا وَحَصَلَ مَانِعٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ تِلْكَ الْحِيَازَةَ تَصِيرُ كَالْعَدَمِ
وَيَبْطُلُ حَقُّهُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ فَلَا تَبْطُلُ وَيَأْخُذُهَا مِنْ الْوَاهِبِ جَبْرًا عَلَيْهِ وَتَتِمُّ الْهِبَةُ
وَذَكَرَ مَفْهُومَ بِقُرْبٍ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ حَوْزُ الْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ رَجَعَتْ الْهِبَةُ لِلْوَاهِبِ بَعْدَ حَوْزِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقُرْبٍ،
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْهِبَةِ غَلَّةٌ أَمْ لَا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَقْيِيدُ الْمَوَّاقِ لَهُ بِمَا إذَا كَانَ لَهَا غَلَّةٌ فَقَطْ رَدَّهُ طفى.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَانِعٌ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِرْدَادُهَا لِيَصِحَّ حَوْزُهَا فَاَلَّذِي يَبْطُلُ فِي الْحَقِيقَةِ بِرُجُوعِهَا لِلْوَاهِبِ إنَّمَا هُوَ الْحَوْزُ فَقَطْ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَرْفَقَ بِهَا) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ كَالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا عَائِدًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: قُرْبٍ إلَخْ) تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ آجَرَهَا وَأَرْفَقَ بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَحَصَلَ مَانِعٌ) أَيْ لِلْوَاهِبِ قَبْلَ رُجُوعِهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ الْإِجَارَةِ وَالْإِرْفَاقِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ تِلْكَ الْحِيَازَةَ) أَيْ الْحَاصِلَةَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوَّلًا.
(قَوْلُهُ: وَيَأْخُذُهَا مِنْ الْوَاهِبِ جَبْرًا عَلَيْهِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَصِحَّ حَوْزُهُ وَتَتِمَّ لَهُ الْهِبَةُ.
ص (وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ إلَخْ) ش: يَعْنِي أَنَّ الرَّقَبَةَ الْمَوْهُوبَةَ إذَا رَجَعَتْ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ عَنْ قُرْبٍ وَرُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ بِأَنْ يَكُونَ أَجَّرَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ: اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ أَرْفَقَ بِهَا، أَيْ: أَرْفَقَ الْمَوْهُوبَ الْوَاهِبُ بِالرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ بَرِيدًا وَأَعْمَرَهُ إيَّاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ يُبْطِلُ الْهِبَةَ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِاتِّفَاقٍ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ إنَّ ذَلِكَ تَحْمِيلُ إسْقَاطِ الْحِيَازَةِ وَهَكَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ
بِخِلَافِ سَنَةٍ يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ سَنَةً لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ طُولٌ
وَقِيلَ الطُّولُ سَنَتَانِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهَا إذَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ الطُّولِ الَّذِي جَعَلَهُ سَنَةً لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَكِنْ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ عَمَرَ الْوَاهِبُ الدَّارَ الْمَوْهُوبَةَ ثُمَّ أَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ] (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ: سَأَلَ ابْنُ دَحُونٍ الْقَاضِيَ ابْنَ زَرْبٍ عَمَّنْ وُهِبَتْ لَهُ دَارٌ ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْوَاهِبُ بَعْدَ أَشْهُرٍ يَسِيرَةٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا حِيَازَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ هِبَتَهُ فَأَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ فَأَطْرَقَ الْقَاضِي فِيهَا حِينًا ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالُ الْهِبَةِ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَنَعَ وَبَطَلَتْ هِبَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالٌ لِلْهِبَةِ فِي ذَلِكَ انْفَسَخَتْ الْعُمْرَى وَرَجَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى الدَّارِ وَقَبَضَهَا مِنْ الْوَاهِبِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا فَحَازَ عَلَيْهِ الْأَبُ أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْبُرَ وَيَحُوزَ لِنَفْسِهِ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ مُحَمَّدٌ. لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَنْعُ الْأَبِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، وَالصَّغِيرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى بُطْلَانِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا الْوَاهِبُ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَذَلِكَ إذَا سَكَنَهَا الْأَبُ وَحْدَهُ
وَأَمَّا إنْ سَكَنَ فِيهَا مَعَ الْوَلَدِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا الْبُطْلَانُ وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَكَنَ بِحَضَانَةٍ لَهُمْ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ أَوْ أَرْفَقَ بِهَا هُوَ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ إلَّا لِحَوْزٍ بِقُرْبٍ كَانَ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا مَاتَ الْمُعْطِي فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وَلِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ بِطَلَبِهَا،
وَلَوْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْحِيَازَةِ فَالْعَطِيَّةُ تَبْطُلُ إلَّا فِيمَا أَعْطَى لِصِغَارِ بَنِيهِ، أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْنًا. وَهَذَا فِي الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَقَطْ،
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أُمٍّ وَلَا جَدٍّ وَلَا أَخٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا وَشَيْءٌ آخَرُ عِنْدَ رَبِّهِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ فِي سَفَرِهِ، وَمِثْلُ الْحَاجِّ يَشْتَرِيه لِأَهْلِهِ فَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَيَجُوزُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَنْفَعُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ إشْهَادَ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْحَبْسِ مِمَّا لَا غَلَّةٌ لَهُ مِثْلُ السِّلَاحِ وَالْمُصْحَفِ.
وَإِذَا أَخْرَجَ مُدَّةً فِيمَا جَعَلَهُ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى يَدِهِ فَهُوَ نَافِذٌ،
وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَشَيْءٌ آخَرُ الَّذِي تُحَازُ عَنْهُ الدَّارُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى قَوْمٍ فَيَحُوزُونَهَا مِثْلَ السَّنَةِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ يَكْتَرِيهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا مِنْهُمْ فَيَسْكُنُهَا فَيَمُوتُ فِيهَا فَهِيَ نَافِذَةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَأَمَّا عَلَى مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ فَلَا، وَلَا عَلَى أَصَاغِرِ وَلَدِهِ.
وَإِنْ حَازَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى يَكْبُرَ الْأَصَاغِرُ وَيَحُوزُوا مِثْلَ السَّنَةِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ يَكْتَرِيهَا مِنْهُمْ ثُمَّ يَمُوتُ فِيهَا فَيَجُوزُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
قَالَ: وَإِذَا حَازَ الْمُعْطَى الدَّارَ وَسَكَنَ ثُمَّ اسْتَضَافَهُ الْمُعْطِي فَأَضَافَهُ أَوْ مَرِضَ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ اخْتَفَى عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْعَطِيَّةُ. ابْنُ حَبِيبٍ: ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ إلَى أَنَّهُ إذَا حَازَهَا الْمُعْطَى سَنَةً ثُمَّ سَكَنَهَا الْمُعْطِي بِكِرَاءٍ أَوْ مِنْحَةٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا وَهِيَ نَافِذَةٌ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمُتَصَدِّقِ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ أَنَّهُ إنْ عَادَ إلَيْهَا بَعْدَ سَنَةٍ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَكْبَرُوا وَيَحُوزُوا مِثْلَ السَّنَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ بَعْدَ عَامٍ ".
وَأَذْكُرُ لِسَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَصْعُبُ عَلَيَّ كَثِيرًا يَعْظُمُ عَلَيَّ مُخَالَفَةُ الرِّوَايَةِ وَيَعْظُمُ عَلَيَّ مُخَالَفَةُ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
(ص) وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِأَنْ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا (ش) الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَلَا وَاهِبٍ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ لَا غَاصِبٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِبَةَ إذَا حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَتْ إلَى وَاهِبِهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ الْحَوْزِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِأَنْ آجَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ لِوَاهِبِهَا أَوْ أَرْفَقَهُ بِهَا أَيْ: أَرْفَقَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِالْهِبَةِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ أَيْضًا وَالْإِرْفَاقُ هُوَ الْعُمْرَى؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الرُّجُوعِ عَنْ قُرْبٍ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ يُحِيلُ عَلَى إسْقَاطِ الْحِيَازَةِ فَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي رَجَعَتْ لِلْهِبَةِ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِإِلَى لِلْوَاهِبِ وَضَمِيرُ بَعْدَ لِلْحَوْزِ وَفَاعِلُ آجَرَ وَأَرْفَقَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ لِلْهِبَةِ وَالْقُرْبُ دُونَ السَّنَةِ كَمَا يُفِيدُهُ مُقَابَلَتُهُ لَهُ بِقَوْلِهِ
(بِخِلَافِ سَنَةٍ) يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الْهِبَةِ لِلْوَاهِبِ بَعْدَ حَوْزِ الْمَوْهُوبِ لَهُ سَنَةً لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهَا طُولٌ فَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِقُرْبٍ وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ لِيُبَيِّنَ مِقْدَارَ الْقُرْبِ وَهَذَا يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا قَبْلَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُقَالُ فِيهِ إخْرَاجٌ بَلْ هُمَا أَمْرَانِ مُتَقَابِلَانِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَزَوَّجَهَا مِنْهُ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَأَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ
(قَوْلُهُ أَوْ أَرْفَقَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ
(قَوْلُهُ فَإِنَّهَا تُبْطِلُ هَذَا فِي الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ غَلَّةٌ) ،
وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ،
فَإِذَا عَادَ لِوَاهِبِهِ بَعْدَ أَنْ صَرَفَهُ فِي مَصْرِفِهِ فَلَا يَبْطُلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَّا أَنَّ فِي عب خِلَافَهُ حَيْثُ قَالَ وَلَا وَاهِبَ إنْ رَجَعَتْ الْهِبَةُ كَانَ لَهَا غَلَّةٌ أَمْ لَا إلَيْهِ بَعْدَهُ أَيْ: بَعْدَ حَوْزِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقُرْبٍ مِنْ حَوْزِهِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ أَيْ: وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ حَصَلَ مَانِعٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَتَصِيرُ الْحِيَازَةُ كَعَدَمِهَا
وَيَبْطُلُ حَقُّهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ فَلَا تَبْطُلُ وَلَهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَتَتِمَّ الْهِبَةُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ قَرِينَةَ الرُّجُوعِ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ: قَرِينَةً هِيَ الرُّجُوعُ قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُقَالُ فِيهِ إخْرَاجٌ) أَيْ: الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ
بِخِلَافِ سَنَةٍ وَقَوْلُهُ بَلْ هُمَا أَيْ قَوْلُهُ
بِخِلَافِ سَنَةٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ الَّذِي هُوَ دُونَ السَّنَةِ ثُمَّ أَقُولُ هَذَا لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّ فِيهِ إخْرَاجًا إنَّمَا قَالَ يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ.
(ولَا) يَصِحُّ الْحَوْزُ (إنْ رَجَعَتْ) الذَّاتُ الْمَوْهُوبَةُ (إلَيْهِ) أَيْ وَاهِبِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الْحَوْزِ (بِقُرْبٍ) أَيْ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ حَوْزِهَا رُجُوعًا مُصَوَّرًا (بِأَنْ آجَرَهَا) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةُ لِوَاهِبِهَا (أَوْ أَرْفَقَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ (بِهَا) أَيْ الْهِبَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا إن رجعت إليه بعده بقرب، يعني أن الهبة إذا حازها الموهوب له ثم بعد ذلك رجعت إلى الواهب بقرب فإن كان أمد الحوز قليلا فإن حوز الموهوب له يبطل حيث بقيت عند الواهب حتى مات، وللموهوب له استرجاعها من الواهب ليصح حوزه، فالذي يبطل إنما هو الحوز الأول، ومراد من عبر من أهل المذهب ببطلان الهبة هنا إنما هو بطلان الحوز لا بطلان الهبة حقيقة. قال الشبراخيتي: وانظر لو رجعت إليه بنكاح كما لو كانت أمة فزوجها منه، وأفتى بعض شيوخنا بأنه ليس كذلك فلا تبطل الهبة.
اهـ. وقوله: بقرب، مفهومه يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. بأن آجرها أو أرفق بها، الفعلان مبنيان للفاعل، والفاعل فيهما الموهوب له، والباء للتصوير، وهو الظاهر أو للآلة أو للسبب، يعني أن الهبة إذا رجعت إلى الواهب بعد حوز الموهوب له بقرب الحوز بأن يواجرها الموهوب له للواهب أو يرفق بها أي يعطيها له على وجه الرفق كالعارية والعمرى والإخدام وحصل مانع في الصورتين فإن تلك الحيازة كعدمها
ويبطل حقه، وأما إن لم يحصل مانع فلا تبطل وله أن يحوزها وتتم الهبة، والضمير في بها راجع للهبة. قاله الشبراخيتي وغيره.
بخلاف سنة، هذا مفهوم قوله: بقرب، يعني أن الهبة إذا رجعت إلى الواهب بعد بُعد كسنة فإن الحوز لا يبطل حينئذ وتتم الهبة، ولَا فرقَ بين المحجور وغيره على الراجح كما في الرهوني، كان للهبة غلة أم لا، لطول مدة الحيازة، وهذا
بخلاف الرهن فيبطل برجوعه للراهن، وبخلاف الوقف إذا عاد إليه بعد صرفه ولو بقرب فلا يبطل. قاله عبد الباقي. يعني فيما لا غلة له فقط كما مر في قوله: أو ككتاب عاد إليه لخ،
وقوله: بخلاف سنة هو الذي رواه محمد عن مالك وأصحابه، ومقابله البطلان لمطرف وابن الماجشون، والأول قال ابن عبد السلام: هو الأقرب. اهـ. وهو الذي نصره المحققون، ومقابله في نوازل الهبات والصدقات من المعيار، قال المدنيون: لو حاز الموهوب له الهبة الزمن الطويل أو السنين الكثيرة ثم رجعت الهبة للواهب ومات وهي بيده بطلت الهبة قياسا على الرهن وليس كما قاسوا، وحيازة الرهن بكتاب الله عز وجل لا يجوز لأحد خلافه، وحيازة الهبة لا بنص.
اهـ. قاله الرهوني. ومحل الخلاف إذا لم يرجع مختفيا ونحوه وإلا فلا تبطل عند مطرف ومن وافقه،
ولو رجع قبل السنة فأحرى بعدها. قاله الرهوني أيضا.
وقوله: بخلاف سنة، قال المواق: قال ابن حبيب: ذهب ابن القاسم إلى أنه إذا حازها المعطَى سنة ثم سكنها المعطِي بكراء أو منحة أو بأي وجه فإن ذلك لا يبطلها وهي نافذة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.