والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية
الشروح عليها
(وَالتَّحَمُّلُ) لِلشَّهَادَةِ (إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ) أَيْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ بِأَنْ خِيفَ ضَيَاعُ الْحَقِّ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذْ لَوْ تَرَكَهُ الْجَمِيعُ لَضَاعَ الْحَقُّ وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ فَاسِقًا عِنْدَ التَّحَمُّلِ إذْ قَدْ يَحْسُنُ حَالُهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ لَا يَقْدَحُ فِيهِ الْخَصْمُ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ
وَيَجُوزُ لِلْمُتَحَمِّلِ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى التَّحَمُّلِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ عَمَّا إذَا لَمْ يُفْتَقَرْ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَتَحَمُّلِ شَهَادَةِ الزِّنَا الْأَقَلِّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ يَجُوزُ كَرُؤْيَةِ هِلَالٍ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
(قَوْلُهُ وَالْمُتَحَمِّلُ لِلشَّهَادَةِ إلَخْ) التَّحَمُّلُ لُغَةُ الِالْتِزَامِ فَإِذَا الْتَزَمْت دَفْعَ مَا عَلَى الْمَدِينِ فَيُقَالُ إنَّك مُتَحَمِّلٌ بِالدَّيْنِ
وَأَمَّا فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَهُوَ عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِمْ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ عِلْمُهُ لِمَا يَشْهَدُ بِهِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ كَمَا إذَا كَانَ مَارًّا فَسَمِعَ مَنْ يَقُولُ زَوْجَتُهُ طَالِقٌ فَلَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ فَاسِقًا عِنْدَ التَّحَمُّلِ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ تَحَمُّلَهُ لِلشَّهَادَةِ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِضَيَاعِ الْحُقُوقِ لِأَنَّ الْغَالِبَ رَدُّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَعَمْ إنْ لَمْ يُوجَدْ سَوَاءٌ ظَهَرَ تَحَمُّلُهُ اُنْظُرْ بْن
(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ لِلْمُتَحَمِّلِ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى التَّحَمُّلِ) أَيْ دُونَ الْأَدَاءِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ
وَأَمَّا الْمُتَعَيِّنُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ والمج وَصَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش وَاَلَّذِي فِي بْن أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ بَلْ وَعَلَى التَّحَمُّلِ الْمُتَعَيِّنِ خُصُوصًا إذَا كَتَبَ وَثِيقَةً لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَأَنْ لَا يَحْكِرَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَانْظُرْهُ
(قَوْلُهُ عَمَّا إذَا لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ التَّحَمُّلِ ضَيَاعُ حَقٍّ
ص (وَالتَّحَمُّلُ إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ التَّحَمُّلُ عُرْفًا عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَيَخْرُجُ عِلْمُهُ دُونَهُ كَمَنْ قَرَعَ أُذُنَهُ صَوْتٌ مُطْلَقٌ وَنَحْوُهُ مِنْ قَوْلٍ يُوجِبُ عَلَى قَائِلِهِ حُكْمًا فَالْمَعْرُوضُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْجَامِعِ مَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ أَوْ وَاجِبٍ فَالْإِجَابَةُ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَكْرُوهٍ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ وَمَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى حَرَامٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ:» قَالَ الْمُهَلِّبُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ: إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ فِي وَثِيقَةٍ لَا تَجُوزُ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَأَى جَوَازَهُ بِقَصْدِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَمْنُوعِ لِيَرُدَّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إنَّمَا يُرِيدُ لَا يَضَعُ خَطَّهُ فِي وَثِيقَةٍ بِظَاهِرِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّ الْبَاطِنَ بَاطِلٌ
وَأَمَّا الْمَسَاطِيرُ الَّتِي تُكْتَبُ لِإِبْطَالِ الْمَفَاسِدِ بِصِيغَةِ الِاسْتِدْرَاكِ لَا الْبِنَاءِ فَلَا خِلَافَ وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الشَّهَادَةِ فِيهَا،
وَلَوْ وَضَعَ شَهَادَتَهُ فِي وَثِيقَةٍ كُتِبَتْ بِظَاهِرِ الْجَوَازِ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ زَادَ فِي خَطِّهِ فَقَالَ: وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُصَحِّحُهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُبْطِلُهُ وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكَادُ يُخْتَلَف فِيهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ الْوَاضِحَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِمَا لَا يَرَى جَوَازَهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ فِي فَصْلِ
تَنْبِيهِ الْقَاضِي عَلَى أُمُورٍ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلْيُخْبِرْ بِهَا، وَانْظُرْ كَلَامَ الرَّجْرَاجِيِّ فِي أَجْرِ قَسَّامِ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى أَخْذِ الشُّهُودِ الْأُجْرَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ.
[بَابٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا] (وَالتَّحَمُّلُ إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: التَّحَمُّلُ عُرْفًا عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَيَخْرُجُ عِلْمُهُ دُونَهُ كَمَنْ قَرَعَ أُذُنَهُ صَوْتٌ مُطَلِّقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ قَوْلٍ يُوجِبُ عَلَى قَائِلِهِ حُكْمًا، فَالْمَعْرُوضُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} إنَّمَا هُوَ مَنْ يُدْعَى إلَى الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَشْهَدُوا مَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَشْهَدُ.
ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَخَافَ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ. ابْنُ رُشْدٍ: الدُّعَاءُ لِيَشْهَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَيَسْتَحْفِظَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَدُعِيَ مَالِكٌ إلَى شَهَادَةٍ فَلَمْ يُجِبْ وَاعْتَذَرَ لِمَنْ دَعَاهُ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرِك مَا لَا أَرَى أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَيَقْتَدِي بِي مَنْ حَضَرَ، فَقَبِلَ مِنْهُ. وَحَكَى الشَّعْبَانِيِّ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بَيْنَ النَّاسِ وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَلَى الْهَدَايَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَالتَّحَمُّلُ - إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ - فَرْضُ كِفَايَةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ - إذَا اُفْتُقِرَ إلَيْهِ - فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَجْلِ حِفْظِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ؛ إذْ لَوْ تَرَكَهُ الْجَمِيعُ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ، وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْعَيْنِ كَمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ،
وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى التَّحَمُّلِ،
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ انْتَفَعَ كَانَ ذَلِكَ جُرْحَهُ فِي حَقِّهِ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ يُدْعَى إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ
فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ إذَا كَانَ مَنْ يَشْهَدُ،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ أَوْ خَافَ أَنْ يَبْطُلَ الْحَقُّ إنْ لَمْ يَشْهَدْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ،
وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا؛ إذْ قَدْ يَحْسُنُ حَالُهُ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ عَمَّا إذَا لَمْ يُفْتَقَرْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ كَأَنْ يَقُولَ اشْهَدُوا عَلَى أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ وَالتَّحَمُّلُ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ مَا عَلِمَهُ،
وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلِمَ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ اخْتِيَارِيٍّ مَا عَلِمَهُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ كَمَنْ قَرَعَ سَمْعَهُ صَوْتُ مُطَلِّقٍ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا.
(قَوْلُهُ: إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ) هَذَا إذَا تَعَيَّنَتْ الشَّهَادَةُ، وَانْظُرْ لَوْ لَمْ يَطْلُبْ مَعَ عِلْمِهِ بِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ هَلْ يُخَاطَبُ بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ بِذَلِكَ قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ: وَقَوْلُهُ: إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ كَانَ الْمَشْهُودُ فِيهِ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ التَّحَمُّلُ مَكْرُوهًا،
وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَانَ حَرَامًا
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَبَعْضٌ يَقُولُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ عَنْ نَحْوِ تَحَمُّلِ شَهَادَةِ الرَّجْعَةِ
(قَوْلُهُ: وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْعَيْنِ) أَيْ وَيَتَعَيَّنُ بِشَيْءٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْعَيْنِ (أَقُولُ) فَرْضُ الْعَيْنِ مُتَعَيِّنٌ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَيَتَعَيَّنُ إذَا لَمْ يُوجَدْ
(قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ) كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهَلْ الشُّرُوعُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَشْرَعَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي قَوْلِهِ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِضِمْنٍ لِكَذَا لَا قَبْلُ أَوْ بِمُجَرَّدِ إجَابَتِهِمْ لِذَلِكَ أَوْ لِحُضُورِهِمْ مَجْلِسَ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى التَّحْمِيلِ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ فَرْضَ عَيْنِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ،
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَى الْأَدَاءِ أَيْ إذَا تَعَيَّنَ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا تُنَاسِبُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةَ؛ لِأَنَّ الْحَالَ اتَّحَدَ
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَقُولَ إلَخْ) أَيْ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَثُبُوتِ شَهْرِ رَمَضَانَ
(قَوْلُهُ: مُطَلِّقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا) أَيْ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ.
(وَالتَّحَمُّلُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ مُثَقَّلَةً، أَيْ عَلِمَ الْمَشْهُودُ بِهِ (إنْ اُفْتُقِرَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ اُحْتِيجَ (إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِأَجْلِ حِفْظِ الْحَقِّ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ إذْ لَوْ تُرِكَ لَضَاعَتْ حُقُوقُ النَّاسِ، وَيَسْقُطُ بِقِيَامِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ مِنْ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَبِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُمَا. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ فَرْضِيَّتِهِ إنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ.
عب وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الِانْتِفَاعُ عَلَى التَّحَمُّلِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ دُونَ الْأَدَاءِ كَمَا يَأْتِي،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا، إذْ قَدْ يَحْسُنُ حَالُهُ حَالَ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. الْبُنَانِيُّ مَفْهُومُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ مِنْ كَبَرِيدَيْنِ وَعَلَى ثَالِثٍ، إنْ لَمْ يُجْتَزْ بِهِمَا وَإِنْ انْتَفَعَ: فَجُرْحٌ، [منح الجليل] وَفِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى التَّحَمُّلِ خِلَافٌ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ بِالْكُتُبِ بِإِفْرِيقِيَةَ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ انْتَصَبَ لَهَا. ابْنُ الْمُنَاصِفِ فَمَنْ أَخَذَ وَاسْتَغْنَى تَرَكَ الْأَخْذَ، وَعَلَى الْأَخْذِ تَكُونُ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً مُسَمَّاةً، وَتَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا لِلْكِتَابِ،
إمَّا لِقَصْرِ الْقَاضِي الْكَتْبَ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُوجِبِهَا،
وَإِمَّا لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ لَا يَطْلُبَ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ،
فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا شَيْئًا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَهُوَ عِنْدِي مَحْمَلُ هِبَةِ الثَّوَابِ.
فَإِنْ أَعْطَاهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَإِلَّا خُيِّرَ فِي قَبُولِ مَا أَعْطَاهُ وَتَمَسُّكِهِ بِمَا كَتَبَهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ فَيَكُونَ فَوْتًا وَيُجْبَرَانِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية التحمل لغة الالتزام،
وفي الشرع: قال ابن عرفة: علم ما يشهد به بسبب اختياري، فيخرج بقوله اختياري ما علمه دون اختياره، كمن قرع سمعه صوت مطلق ونحوه من قول يوجب على قائله حكما، فالمعرض للتكليف به الأول دون الثاني من غير اختيارت فإنه لا يسمى تحملا، ومعنى كلام المص أن تحمل الشهادة عند تعدد من يقوم به إذا افتقر إليه فرض كفاية، ومعنى افتقر إليه أنه يخاف ضياع الحق إن لم تتحمل الشهادة، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض به ويتعين إذا لم يوجد من يقوم به غيره، وفرض الكفاية يتعين بالشروع فيه والضمير المجرور بإلى راجع للتحمل.
قال ابن مرزوق: والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية يأثم الجميع إن تركوه ويسقط عنهم الفرض بقيام البعض كسائر فروض الكفاية، وهذا - واللَّه أعلم - لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، ولقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، فلولا أنه يجب التحمل على المُسْتَشْهَدِينَ إذا دعوا إليها لما أفاد الأمر بالإشهاد،
وأما قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} فيحتمل أن يراد التحمل أو الأداء أو كلاهما. اهـ. واحترز بقوله: "إن افتقر إليه" عما إذا لم يفتقر إليه، كأن يقول: اشهدوا أني قد زنيت فإنه لا يستحب فضلا عن أن يكون فرض كفاية، وقوله: "إن افتقر إليه" كان المشهود به جائزا أو واجبا أو مندوبا،
فإن كان مكروها كان التحمل مكروها أو محرما كان محرما. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: والتحمل للشهادة إن افتقر إليه فرض كفاية لأجل حفظ المال أو غيره؛ إذ لو تركه الجميع لضاعت الحقوق وفرض عين إن لم يوجد من يقوم به غيره، وانظر هل يقيد بقوله الآتي "من كبريدين" أم لا؟ وفرض الكفاية يتعين أيضا بالشروع فيه،
ويجوز للشاهد أن ينتفع على التحمل الذي هو فرض كفاية دون الأداء كما يذكره، وظاهر قوله: فرض كفاية ولو كان فاسقا إذ قد يحسن حاله وقت الأداء وهو العتبر، واحترز بقوله: افتقر إليه عما لو لم يفتقر إليه فليس فرض كفاية: بل يندب كأن يقول اشهدوا علي أني رأيت الهلال. اهـ.
وقوله: ويجوز للشاهد أن ينتفع على التحمل الذي هو فرض كفاية، ظاهره أنه إن تعين لا يجوز له أن ينتفع عليه وليس كذلك.
ابن عرفة: وفي جواز أخذ العوض على التحمل خلاف واستمر عمل الناس اليوم وقبله بإفريقية وغيرها على أخذ الأجرة على تحملها بالكتب ممن انتصب لها، قال ابن المناصف: اختلف في كتب الوثيقة بأجرة فأجيز ومنع والكتب واجب على الكفاية، فيجري فيه ما جرى في غيره من واجبات الكفاية، وعلى الجواز فالأولى لمن قدر واستغنى ترك الأخذ وعلى الأخذ تكون الأجرة معلومة مسماة، وتجوز بما اتفقا عليه من قليل وكثير ما لم يكن المكتوب له مضطرا للكاتب،
إما لقصر القاضي الكتب عليه لأجل اختصاصه بموجب ذلك،
وإما لأنه لم يجد بذلك الموضع غيره فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحقه،
فإن فعل فهو جرحة وإن لم يسعيا شيئا ففيه نظر، وهو عمل الناس اليوم وهو عندي محمل هبة الثواب،
فإن أعطاه أجرة المثل لزمه وإلا كان مخيرا في قبول ما أعطاه وتمسكه بما كتب له إلا أن يتعلق بذلك حق للمكتوب له؛ يعني من تضمن الكتاب شهادة وحق ثبت فيكون فوتا ويجبران على أجرة المثل. وقوله: ظاهر قوله فرض كفاية ولو كان فاسقا لخ فيه نظر؛ لأنه تعريض لضياع الحقوق لأن الغالب رد شهادته، نعم إن لم يوجد سواه ظهر طلب تحمله تأمله. قاله البناني.
وقال الرهوني: قوله: ولو كان فاسقا لخ إذا فقد العدول، فربما يقال هذا
وأما مع وجودهم فلا يظهر تأمل. اهـ. وقوله: كأن يقول اشهدوا أني رأيت الهلال لخ تمثيله بهذا لما لم يفتقر إليه غير ظاهر، لأن التحمل قد يكون متعينا لغيبة الرائي أو مرضه مع ترتب حكم شرعي على رؤيته، والأولى أن الذي لا يفتقر إليه مثل أن يقول اشهدوا أني قد زنيت لأن له أن يرجع عن إقراره ولأن الستر مطلوب. اهـ. قاله البناني.
وقال الشبراخيتي: والتحمل للشهادة إن افتقر إليه فرض كفاية عند تعدد من يقوم به لأجل حفظ المال وغيره ولو تركه الجميع لضاعت الحقوق ويسقط بقيام البعض به، ويتعين بما يتعين به فرض الكفاية كأن لم يوجد من يقوم به غيره، وقوله: "إن افتقر إليه" هذا إذا طلبت الشهادة، وانظر لو لم يطلب مع علمه باحتياجه إلى ذلك وينبغي أن يخاطب بذلك. اهـ.
وقال الحطاب: قال ابن رشد: من دعي أن يشهد على أمر جائز أو مستحب أو واجب فالإجابة عليه فرض من فروض الكفاية،
ومن دعي أن يشهد على مكروه فيكره له أن يشهد عليه،
ومن دعي أن يشهد على حرام فلا يحل له أن يشهد عليه. اهـ.
وقال الدماميني في قوله عليه الصلاة السلام: (لا أشهد على جور (١) ) قال المهلب في الحديث: من الفقه أن الإنسان لا يضع اسمه في وثيقة لا تجوز،
ومن العلماء من رآى جوازه بقصد الشهادة على الممنوع ليرد، قال ابن المنير: إنما يريد لا يضع خطه في وثيقة بظاهر الجواز مع أن الباطل باطل،
وأما المساطير التي تكتب لإبطال الفاسد بصيغة الاستدراك لا البناء فلا خلاف ولا خفاء في وجوب وضع الشهادة فيها،
ولو وضع شهادة في وثيقة كتبت بظاهر الجواز والعقد فاسد زاد في خطه فقال: والأمر بينهما في ذلك محمول على ما يصححه الشرع من ذلك أو يبطله، ومثل هذا الوضع لا يكاد يختلف فيه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.