وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ: كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أو حبه قبل الزنا
الشروح عليها
(وَنُقِضَ) الْحُكْمُ (إنْ ثَبَتَ) بَعْدَهُ (كَذِبُهُمْ) أَيْ إنْ أَمْكَنَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فِي الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْغُرْمُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَمَثَّلَ لِثُبُوتِ كَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ (كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ) أَيْ مَنْ شُهِدَ بِقَتْلِهِ عَمْدًا أَيْ ظَهَرَتْ حَيَاتُهُ قَبْلَ الْقِصَاصِ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ (أَوْجَبَهُ قَبْلَ) وَقْتِ (الزِّنَا) الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ رَجْمُهُ نُقِضَ الْحُكْمُ فَلَا يُرْجَمُ وَإِلَّا فَالْغُرْمُ كَمَا يَأْتِي
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ إنْ أَمْكَنَ) أَيْ نَقْضُهُ
(قَوْلُهُ وَذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَقَوْلُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ أَيْ وَغَيْرِهِمَا وَقَوْلُهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْغُرْمُ أَيْ غُرْمُ الشُّهُودِ الدِّيَةَ أَوْ الْمَالَ وَلَا يَتَأَتَّى نَقْضُ الْحُكْمِ
(قَوْلُهُ أَوْجَبَهُ) أَيْ كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى شَخْصٍ بِالزِّنَا فَحَكَمَ الْقَاضِي بِرَجْمِهِ فَثَبَتَ قَبْلَ الرَّجْمِ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ قَبْلَ الزِّنَا الَّذِي شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِرَجْمِهِ وَلَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا بِالزِّنَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْغُرْمُ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ رُجِمَ فَالْغُرْمُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا لَا رُجُوعِهِمْ وَغُرِّمَا مَالًا وَدِيَةً وَلَوْ تَعَمَّدَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلرُّجُوعِ ثَلَاثُ صُوَرٍ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا قَضَاءَ.
فَإِنْ قَالَ وَهَمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعَ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُسْتَوْفَى لِحُرْمَةِ الدَّمِ انْتَهَى. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ،
وَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا فَالدِّيَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقِصَاصُ لِأَشْهَبَ انْتَهَى.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا نَصَّ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ فِي الرُّجُوعِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَغْرِيمِ مَا أَتْلَفَهُ بِالتَّعَمُّدِ. وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا خِلَافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إذَا ثَبَتَ كَذِبُهُمْ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَالِكًا أَخَذَ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا رَجَعَ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ.
وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَوْ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا الْمُوجِبِ غَرَّمَهُمَا لَمْ يُقَالَا وَقَضَى عَلَيْهِمَا بِمَا يُقْضَى عَلَى الرَّاجِعِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إثْرَ هَذَا الْفَرْعِ: أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نَقَضَ إذَا أَمْكَنَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ثُبُوتُ كَذِبِهِمْ عَسِرٌ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَلَى تَجْرِيحِ الشُّهُودِ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ بِالْكَذِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَشْهَدُونَ بِكَذِبِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَلِهَذَا عَلَّقَ الْمُؤَلِّفُ ثُبُوتَ كَذِبِهِمْ عَلَى الْإِمْكَانِ وَإِلَيْهِ يَعُودُ هَذَا الشَّرْطُ لَا إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ:" ثُبُوتُ كَذِبِهِمْ عَسِيرٌ " يَرُدُّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَخِيرًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ شَهِدَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا، وَبِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ إلَخْ، الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنَّ الشَّرْطَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ أَمْكَنَ رَاجِعٌ إلَى ثُبُوتِ كَذِبِهِمْ لَا إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ وَهْمٌ، وَالْحَقُّ الْوَاضِحُ لِمَنْ أَنْصَفَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ لَا إلَى ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِأَنَّ نَقْضَهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ كَكَوْنِهِ حُكْمًا بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَقَعَ، وَقَدْ يُمْكِنُ كَكَوْنِهِ بِاسْتِحْقَاقِ رُبْعٍ.
وَنَحْوِهِ كَمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ بَيِّنَةٌ فَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا،
فَإِنْ ذَكَرَ الشُّهُودُ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فَهَذَا تُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ مَتَاعِهِ إلَّا مَا وَجَدَ، وَمَا بِيعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا،
وَإِنْ لَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ بِمَا تُعْذَرُ بِهِ فَذَلِكَ كَتَعَمُّدِهِمْ الزُّورَ فَلْيَأْخُذْ مَتَاعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَعَبْدَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْتِقَ وَأَمَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ.
وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ ابْنَ هَذَا عَمْدًا فَقَضَى بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ قَدِمَ الِابْنُ حَيًّا، غَرِمَ الشَّاهِدُ أَنَّ دِيَتَهُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا عَلَى الْأَبِ.
اُنْظُرْ الْبَحْثَ فِي هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ وُجِدَ مَجْبُوبًا لَمْ يَحُدَّ الشُّهُودُ إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ قَالَ لِلْمَجْبُوبِ يَا زَانِي، وَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَطُولِ السَّجْنِ.
وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى حُرٍّ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا فَحَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ وَدُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَذَهَبُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَرَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ الْقَوْلُ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْفُذُ فِيهِ الْقَتْلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَكِنْ أَقِفُ عَنْ قَتْلِهِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ،
وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ وَشَبَهُهُ وَأَرَى فِيهِ الْعَقْلَ أَحَبَّ إلَيَّ انْتَهَى.
رَاجِعْ أَنْتَ هَذِهِ النُّصُوصَ فَإِنِّي قَدْ أَجْحَفْت فِي الِاخْتِصَارِ حَتَّى فِي نَقْلِي عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ إذْ مَا كَانَ الْقَصْدُ إلَّا الْإِشَارَةَ لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلِيلٌ أَرَادَهُ، ثُمَّ مَعَ هَذَا مَا تَحَصَّلَ لِي مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ حَاصِلٌ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَ) إنْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى شَخْصٍ بِقَتْلٍ آخَرَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ أَرْبَعَةٌ عَنْ مُحْصَنٍ بِالزِّنَا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْقِصَاصِ مِنْ الْأَوَّلِ وَرَجْمِ الثَّانِي (نُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، أَيْ فُسِخَ الْحُكْمُ (إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ) أَيْ الشُّهُودِ فِي شَهَادَتِهِمْ. الْبُنَانِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اسْتَوْفَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَجْمَلَهَا الْمُصَنِّفُ،
فَلَوْ قَالَ وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا أَوْ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَ كَدِيَةِ خَطَأٍ وَإِلَّا فَلَا كَرُجُوعِهِمْ وَلَوْ عَنْ دِمَاءٍ وَحَدٍّ وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَتَمَّ. ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا تَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَضَمِيرُ غَرِمَا لِلشَّاهِدَيْنِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ فِي صُورَتَيْ تَبَيُّنِ الْكَذِبِ وَالرُّجُوعِ. اهـ. (كَ) ظُهُورِ (حَيَاةِ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ، أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا [منح الجليل] مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي شَهِدَا بِأَنَّهُ (قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأٍ،
فَإِنْ كَانَ اقْتَصَّ فِي الْعَمْدِ ثُمَّ قَدِمَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا غَرِمَ الشَّاهِدَانِ الدِّيَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا وَلَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَهِدَا بِالْقَتْلِ خَطَأً ثُمَّ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ غُرْمِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْجِعُ الْعَاقِلَةُ بِالدِّيَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا،
فَإِنْ أَعْدَمَ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَى الشُّهُودِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ. (أَوْ) ظُهُورِ (جَبِّهِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا (قَبْلَ الزِّنَا) الْمَشْهُودِ بِهِ وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ دِيَتَهُ وَلَا يُحَدُّونَ لِجَبِّهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ ابْنَ هَذَا عَمْدًا فَقَضَى بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الِابْنُ حَيًّا غَرِمَ الشَّاهِدَانِ دِيَتَهُ فِي أَمْوَالِهِمَا إنْ تَعَمَّدَا ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا عَلَى الْأَبِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا مِنْ الشَّاهِدَيْنِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ صَالَحَ الْأَبُ الْقَاتِلَ بِمَالٍ لِرَدِّهِ فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَلَا يُتَّبَعُ الشَّاهِدَانِ بِشَيْءٍ وَقَالَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُقَيَّدُ إنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ، وَزَادَ عَنْهُ وَلَا يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ فِيمَا غَرِمَا عَلَى الْقَاتِلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ تَعَدَّيَا،
فَإِنْ كَانَا عَدِيمَيْنِ رَجَعَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَلَى الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ،
فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَتْلَفَ النَّفْسَ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَتْبَعَ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَوُّلُ عَنْهُمَا إلَّا بِعَدَمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمَا رَجَعَا بِهِ عَلَى الْوَلِيِّ،
وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَوُّلُ عَنْهُ إلَى الشَّاهِدَيْنِ أَعْدَمَ أَوْ لَمْ يُعْدِمْ وَإِنْ وَدَى الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَلِيِّ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْمَحْكُومِ بِقَتْلِهِ حَيًّا أَبْطَلَ الْحُكْمَ، وَالْوَلِيُّ إنَّمَا أَخَذَ مَا أَعْطَاهُ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَدَقَا عِنْدَهُ، وَاَلَّذِي أَخَذَهُ قِصَاصٌ لَا ثَمَنَ لَهُ، وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ غُرْمُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ أَتْلَفَا ذَلِكَ. قُلْت فَحَاصِلُهُ إنْ قَدِمَ مَنْ اُقْتُصَّ بِقَتْلِهِ بِبَيِّنَةٍ حَيًّا فَفِي تَعَيُّنِ رُجُوعِ وَلِيِّ مَنْ قُتِلَ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِدِيَتِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ إنْ كَانَا مَلِيَّيْنِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُقْتَصِّ تَخْيِيرُهُ فِي ذَلِكَ وَفِي رُجُوعِهِ لَا رُجُوعُهُمْ، وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً [منح الجليل] عَلَى الْمُقْتَصِّ.
ثَالِثُهَا لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُقْتَصِّ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِقَتْلٍ خَطَأً ثُمَّ قَدِمَ مَنْ شَهِدَ بِقَتْلِهِ بَعْدَ غُرْمِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ رَجَعَتْ عَلَى الْبَيِّنَةِ بِهَا حَالَّةً فَإِنْ أَعْدَمَتْ فَعَلَى الْوَلِيِّ وَمَنْ يَغْرَمُ مِنْهُمَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، وَرُوِيَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ مُخَيَّرَةٌ،
فَإِنْ اتَّبَعَتْ الْبَيِّنَةَ فَلَا تَحَوُّلَ لَهَا عَنْهَا إلَى الْوَلِيِّ إلَّا فِي عَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ غَرِمَتْ رَجَعَتْ عَلَى الْوَلِيِّ،
وَإِنْ اتَّبَعَتْ الْوَلِيَّ فَلَا تَحَوُّلَ لَهَا عَنْهُ إلَى الْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَعْدَمَ؛ لِأَنَّهُ إنْ غَرِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَبَ يَرُدُّ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَا أَخَذَ مِنْهَا،
فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا غَرِمَتْ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَجْبُوبًا فَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ، إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ قَالَ لِمَجْبُوبٍ يَا زَانٍ وَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَطُولِ السَّجْنِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا رَأَيْنَاهُ يَزْنِي قَبْلَ جَبِّهِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ.
ونقض إن ثبت كذبهم يعني أن الحاكم إذا حكم بأمر قامت عليه البينة، فثبت بعد ذلك كذب الشهود فإنه ينقض الحكم إن أمكن نقضه، قال الخرشي: يعني أن الشهود إذا تبين كذبهم فإن الحكم ينقض، ثم قال عن أحمد: الزرقاني: ونقض إن ثبت كذبهم أي حيث الإمكان. انتهى.
وقال عبد الباقي: ونقض الحكم إن ثبت بعده كذبهم إن أمكن نقضه،
كما زاده ابن الحاجب: فإن لم يثبت كذبهم إلا بعد الاستيفاء لم يبق إلا الغرم كما سيذكره، ومثل لثبوت كذبهم بقوله: كحياة من قتل يعني أنهم إذا شهدوا بأن زيدا قتل عمرا عمدا فحكم الحاكم بلزوم القصاص أي بقتل زيد،
ثم إن عمرا تبين أنه حي قبل أن يقتص من زيد فإن الحكم ينقض فلا قصاص على زيد. أوجَبه قبل الزنى يعني أنهم إذا شهدوا على بكر بالزنى وحكم الحاكم برجمه أو جلده، ثم تبين أن بكرا كان مجبوبا قبل الزنى والحال أنه لم يستوف على بكر حد الزنى،
فإن الحكم ينقض ولا حد على بكر، وإنما نقض الحكم في المسألتين لتبين كذب الشهود،
فلو لم يظهر ذلك إلا بعد الرجم أو القصاص فالدية. قال البناني عند قوله: "ونقض إن ثبت كذبهم" لخ: هذه المسألة استوفاها ابن الحاجب وأجملها المص،
فلو قال المص: ونقض إن ثبت كذبهم قبل الاستيفاء كحياة من قتل أو جَبِّه قبل الزنى أو بعد الاستيفاء وأمكن كدية الخطإ، وإلا فلا كرجوعهم ولو عن دماء وحد وغرما مالا ودية. اهـ. لكان أوضح وأتم. ذكره ابن عاشر.
وقال: هذا هو تفصيل المسألة، ويعود الضمير من غرما على الشاهدين في عدم النقض في صورتي تبين الكذب والرجوع. انتهى. ودخل بالكاف حياة من شهد بموته وتزوجت زوجته فلا تفوت بدخول، وقوله: "أوجبه" يعني ولا حد قذف على الشهود إذ لا حد على من قذف مجبوبا بالزنى. قاله في المدونة.
تنبيهات: الأول: قال الخرشي: قوله: "وإن قالا وهمنا" لخ ويؤدبان إلا أن يأتيا بأمر يعذران به، ولا تقبل شهادتهما في المستقبل إلا أن يكونا مشهورين بالعدالة فتقبل شهادتهما في المستقبل في غير هذا. انتهى. وانظره مع ما يأتي عن المواق في التنبيه الرابع. الثاني: قال الشبراخيتي: واعلم أن قول ابن القاسم: والأكثر أنهما لا يغرمان إذا قالا وهمنا أو غلطنا بعد الحكم،
وكذا هو ظاهر الرسالة، وأن ظاهر المدونة في كتاب القطع والديات أنهما يغرمان في دعوى الوهم والغلط وهو الموافق لما في الجلاب والمعونة، واختاره ابن عبد السلام. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، والصواب تأخيره عن قوله: "وغرما" لخ كما يأتي. الثالث: قال الشبراخيتي: كحياة من قتل أو جَبِّه قبل الزنى، مثل أن يشهدا أن فلانا قتل زيدا فلم يقتص منه بعد الحكم بالقصاص حتى قدم زيد حيا، أو شُهِدَ على مُحصَن بالزنى فلم يرجم بعد الحكم برجمه حتى وجد مجبوبا،
فإن الحكم ينقض فيهما لإمكان نقضه، هذا هو الصواب في تقريره،
فإن لم يثبت الكذب حتى اقتص من المشهود عليه أو رجم المشهود بزناه فالدية في مال الشاهدين، ولا شيء على الإمام ولا على من قتله،
وإن كانت الشهادة بقتل الخطإ،
فإن أخذت الدية من عاقلة القاتل رجعت العاقلة على من أخذها منهم وهم المستحقون للدية،
فإن كانوا معدمين رجعوا على من شَهِدَ بالقتل لأنهم السبب في أخذها، ولا رجوع للغارم من الولي والشهود على الآخر.
الرابع: قال المواق: قال سحنون: وإذا رجع الشهداء قبل الحكم وقد شهدوا بحق واحد فإنهم يقالون ولا شيء عليهم ولا عقاب،
ولو اتهموا أو رجعوا بشك لأن العقوبة توجب أن لا يرجع أحد. ابن يونس: روى المغيرة [عن ابن أبي ذئب] أن الرسول عليه الصلاة والسلام
قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (تمضي شهادته الأولى لأهلها وهي الشهادة والأخيرة باطلٌ) ، وأخذ بهذا ملك وغيره. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.