إلا لعجز حقيقي:
الشروح عليها
(إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَادُمُهُمَا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ، أَوْ دَابَّتَهُ عَنْ الْآخَرِ فَلَا ضَمَانَ بَلْ هَدَرٌ وَلَا يُحْمَلَانِ عِنْدَ الْجَهْلِ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى الْعَمْدِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْعَجْزَ الْحَقِيقِيَّ فِي الْمُتَصَادِمَيْنِ كَالْخَطَإِ فِيهِ ضَمَانُ الدِّيَةِ فِي النَّفْسِ، وَالْقِيَمُ فِي الْأَمْوَالِ
بِخِلَافِ السَّفِينَتَيْنِ، فَهَدَرٌ وَحُمِلَا عِنْدَ الْجَهْلِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَرْيَهُمَا بِالرِّيحِ كَمَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ أَيْ،
وَإِنْ تَصَادَمَا قَصْدًا فَمَاتَا، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَالْقَوَدُ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ فَيَكُونُ مَنْ مَاتَ هَدَرًا، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ إلَّا مُقَيَّدٌ بِالْقَصْدِ، وَالتَّصَادُمِ عِنْدَ الْعَجْزِ لَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ قَصْدٌ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى عَكْسَ السَّفِينَتَيْنِ أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْقَصْدِ، وَهُوَ فَاسِدٌ.
(قَوْلُهُ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْعَجْزَ الْحَقِيقِيَّ) أَيْ، وَهُوَ مَا كَانَ بِالرِّيحِ، أَوْ الْفَرَسِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ فِي الْمُتَصَادِمَيْنِ أَيْ بِغَيْرِ السَّفِينَتَيْنِ وَقَوْلُهُ كَالْخَطَإِ فِيهِ ضَمَانُ الدِّيَةِ إلَخْ أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ جَمَحَ الْفَرَسُ وَلَمْ يَقْدِرْ رَاكِبُهُ عَلَى صَرْفِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ يُرَدُّ بِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا، فَهُوَ ضَامِنٌ وَبِقَوْلِهَا إنْ كَانَ فِي رَأْسِ الْفَرَسِ اغْتِرَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ.
(قَوْلُهُ: وَحُمِلَا عِنْدَ الْجَهْلِ عَلَيْهِ) أَيْ وَحُمِلَتْ السَّفِينَتَانِ عِنْدَ الْجَهْلِ عَلَى الْعَجْزِ.
ص (إلَّا لَعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا جَمَحَ فَرَسُهُمَا بِهِمَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى صَرْفِهِمَا لَمْ يَضْمَنَا يُرِيدُ لِقَوْلِهَا فِي الدِّيَاتِ إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَإِنَّهُ يَضْمَن وَبِقَوْلِهَا فِي الرَّوَاحِلِ إنْ كَانَ فِي رَأْسِ الْفَرَسِ اعْتِزَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ لِأَنَّ سَبَبَ فِعْلِهِ جَمْحُهُ مِنْ رَاكِبِهِ وَفِعْلُهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالسَّفِينَةِ فِي الرِّيحِ هِيَ الْغَالِبَةُ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
(قُلْت) فَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْجُمُوحِ فَهُوَ مِنْ رَاكِبِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَلِفَ بِالْجُمُوحِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ لَا ضَمَانَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ (ش) رَاجِعٌ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ أَيْ لِقَوْلِهِ وَحُمِلَا عَلَيْهِ أَيْ الْعَمْدِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ أَصْحَابُهُمَا صَرْفَهُمَا عَنْهُ فَلَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ وَسَيَأْتِي إذَا تَحَقَّقَ الْخَطَأُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلسَّفِينَتَيْنِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى عَكْسَ السَّفِينَتَيْنِ أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَقَوْلُهُ (لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ) مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا وَلَا ضَمَانَ إلَّا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ فَالضَّمَانُ ثَابِتٌ أَيْ
لَا إنْ قَدَرُوا عَلَى الصَّرْفِ فَلَمْ يَصْرِفُوهُمَا لِخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ نَهْبٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ حَرْقٍ حَتَّى تَلِفَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ آدَمِيٍّ وَمَتَاعٍ فَضَمَانُ الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالدِّيَاتُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّرْفِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَلَاكِ غَيْرِهِمْ قَوْلُهُ أَوْ ظُلْمَةٍ عُطِفَ عَلَى غَرَقٍ أَيْ خَوْفِ الْوُقُوعِ فِي ظُلْمَةٍ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْهُ جَنُوبًا كَانَ مُظْلِمًا وَمَا كَانَ شَمَالًا كَانَ مُشْرِقًا كَمَا إذَا خَافَ الْوُقُوعَ فِي الْجَنُوبِ لِظُلْمَتِهِ
(قَوْلُهُ رَاجِعٌ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِصُورَتَيْ اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ إلَّا أَنَّ تَصَادُمَ السَّفِينَتَيْنِ يُخَالِفُ تَصَادُمَ غَيْرِهِمَا فِي الْحُكْمِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الصَّرْفِ عَنْ التَّصَادُمِ فَإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّهُ لَا مَالَ وَلَا قَوَدَ فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ وَلَا فِي تَصَادُمِ غَيْرِهِمَا لَكِنْ رَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَارِسَيْنِ يَضْمَنَانِ فِي جُمُوحِ فَرَسَيْهِمَا لِقَوْلِهَا فِي الدِّيَاتِ إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا يَفِرُّ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ فَاسِدٌ) أَقُولُ قَدْ عَلِمْت صِحَّتَهُ مِمَّا قُلْنَا
(قَوْلُهُ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ أَيْ مُحْتَرَزِهِ وَالتَّقْدِيرُ لَا لِعَجْزٍ تَخْيِيلِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ
(قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَلَاكِ غَيْرِهِمْ) أَيْ وَإِنَّمَا عُدَّ خَطَأً مَعَ الْقَصْدِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ك فَهُوَ خَطَأٌ حُكْمًا
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَطَأَ قِسْمَانِ خَطَأٌ حَقِيقَةً وَخَطَأٌ حُكْمًا وَهَذَا عَامٌّ إلَخْ
(إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) عَنْ صَرْفِ كُلِّ الْمُتَصَادِمِينَ فَرَسَهُ عَنْ الْآخَرِ فَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا لَا مَالًا وَلَا دِيَةً إذَا عُلِمَ أَنَّ جُمُوحَهُمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الرَّاكِبِينَ، بَلْ مِمَّا مَرَّا بِهِ مَثَلًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا جَمَحَتْ فَرَسَاهُمَا بِهِمَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى صَرْفِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ يُرَدُّ بِقَوْلِهَا إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَعَطِبَ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَيَقُولُهَا إنْ كَانَ فِي الْفَرَسِ اغْتِرَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ لِأَنَّ سَبَبَ جَمْحِهِ مِنْ رَاكِبِهِ وَفِعْلِهِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالسَّفِينَةُ الرِّيحُ هِيَ الْغَالِبَةُ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] قُلْت فَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْجُمُوحِ ضَمَانُهُ مِنْ رَاكِبِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَلِفَ بِالْجُمُوحِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ اهـ. الْحَطّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَرَشِيِّ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ رَاجِعٍ لِلْمُتَصَادَمَيْنِ، أَيْ لِقَوْلِهِ وَحُمِلَا عَلَيْهِ، أَيْ الْعَمْدِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ أَصْحَابُهُمَا صَرْفَهُمَا عَنْهُ فَلَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَسَيَأْتِي إذَا تَحَقَّقَ الْخَطَأُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلسَّفِينَتَيْنِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى عَكْسَ السَّفِينَتَيْنِ، أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ الْجَهْلِ إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ، فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَنَحْوُهُ لعب.
الْعَدَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِصُورَتَيْ اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ وَالسَّفِينَتَيْنِ، وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ السَّابِقِ، أَيْ إنَّ تَصَادُمَ السَّفِينَتَيْنِ مُخَالِفٌ تَصَادُمَ غَيْرِهِمَا فِي الْحُكْمِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الصَّرْفِ عَنْ التَّصَادُمِ فَإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّهُ لَا مَالَ وَلَا قَوَدَ فِي تَصَادُمِ السَّفِينَتَيْنِ وَلَا فِي تَصَادُمِ غَيْرِهِمَا. الْبُنَانِيُّ الَّذِي لِابْنِ عَاشِرٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلسَّفِينَتَيْنِ وَالْمُتَصَادَمِينَ، أَيْ فَيَرْجِعُ وَإِنْ تَصَادَمَا إلَخْ، وَيَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارِيًا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ فِي السَّفِينَتَيْنِ مِنْ الْقَوَدِ عِنْدَ الْقَصْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تت إلَّا لِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ هُنَا مَعَ أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي تَوْضِيحِهِ فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ
فَلَوْ اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ فَلَا ضَمَانَ بِشَرْطِ الْعَجْزِ عَنْ الصَّرْفِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْعَجْزُ حَقِيقَةً يُنَاقِشُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ بِشَرْطِ الْعَجْزِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ،
وَلَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ الْعَجْزِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فَلَا ضَمَانَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّوَاتَيْنِ قَادِرَتَيْنِ عَلَى صَرْفِهَا اهـ.
طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّ الْمُنَاقَشَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ، بَلْ كَذَلِكَ إذَا جُهِلَ الْأَمْرُ، وَهَذَا أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ فَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَّبِعْ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ هَذَا وَإِنْ كَانَ يُفْهِمُ سُقُوطَ الضَّمَانِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ لِإِخْرَاجِ الظُّلْمَةِ وَخَوْفِ الْغَرَقِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَجْزِ مُطْلَقُ الْعُذْرِ، بَلْ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ مَعَهُ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إلا لعجز حقيقي مستثنى مما دل عليه الكلام السابق أي أن تصادم السفينتين يخالف تصادم غيرهما في الحكم، إلا إذا تحقق العجز عن الصرف عن التصادم فإنهما يستويان في أنه لا ضمان في قال ولا قود في تصادم السفينتين ولا في تصادم غيرهما. انتهى. فبان من هذا أن التصادم في غير السفينتين له أربع حالات أيضا تحقق العمد فالقصاص بشروطه، جهل الحال فالقصاص، تحقق الخطإ فله حكم الخطإ، تحقق العجز فهدر.
وأن تصادم السفينتين له أربع حالات أيضا: تحقق العمد فلا قصاص على المشهور لكن الضمان حاصل، ويضمنون دية العمد في العمد، تحقق الخطإ فالضمان حاصل أيضا لكن يضمنون في الأنفس دية خطإ، تحقق العجز، جهل الحال ففي هاتين الحالتين ما وقع من أجل تصادمهم هدر. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه فإنه لا يضمن. انتهى. قال ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس الخ يرد بقول المدونة إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو ضامن، وبقولها: إن كان برأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جموحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه.
انتهى. نقله البناني. وقوله: اعتزام،
قال في القاموس: اعتزم الفرس مر جامحا،
وفي المدونة: وإن جمح الفرس فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه،
وإن فعل به غيره ما جمح به فذلك على الفاعل، والسفينة في الريح هي الغالبة. انتهى. نقله الحطاب.
وقال عقب رد ابن عرفة لكلام ابن عبد السلام ما نصه: وهو ظاهر. انتهى. إلا لكخوف غرق أو ظلمة راجع لقوله عكس السفينتين أي فيحملان على العجز ولا ضمان، ولا يكون الحكم كذلك إن قدروا على صرف السفينتين فلم يصرفوهما لخوف غرق أو نهب أو أسر إن صرفوهما فلم يفعلوا حتى تلفتا، أو إحدهما أو ما فيهما من آدمي أو غيره فيضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم،
وكذا الحكم إن قدروا على صرف السفينتين عن الاصطدام فلم يصرفوهما خوف ظلمة فإنهم يضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم، فقوله: "أو ظلمة" عطف على "غرق" ،
وأما لو اصطدموا لكونهم لم يروهم لظلمة فهدر هذا هو المتعين،
وأما قول البناني: قال ابن يونس: قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها: فلا شيء في ذلك على أحد لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا على حبسها إلا أن في ذلك هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فلتضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا هم الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم،
وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء. انتهى. فقد رده الرهوني. فعلم أن قوله: "أو ظلمة" معطوف على "غرق" ،
وأما عطفه على خوف فإنه يقتضي أنهم إذا اصطدموا لأجل ظلمة بسبب أنهم لم يروهم فلأنهم يضمنون وليس كذلك. بل المنقول عن ابن القاسم أنهم لا يضمنون إذا اصطدموا في ظلمة لكونهم لم يروهم،
وإذا لم يضمنوا مع الغفلة فأحرى أن لا يضمنوا مع الظلمة. وقولي: إن قوله "أو ظلمة" عطف على قوله "غرق" أي لخوف الوقوع في ظلمة كالبحر،
فإن ما كان منه جنوبيا كان مظلما وما كان منه شماليا كان مشرقا، كما إذا خاف الوقوع في الجنوب لظلمة. وإلا يكن اصطدام المصطدمين من سفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين مقصودا، بل كان خطأ من الجانبين وحصل منه الموت فدية كل من الآدميين على عاقلة الآخر؛ لأنه عن جناية خطأ وفرسه قيمتها في مال المصادم الآخر ولا خصوصية لفرسه بل ما تلف بسبب التصادم حكمه حكم الفرس. قاله الشبراخيتي، وهو كالصريح في أن السفينة إذا تلفت يضمنها أهل السفينة الأخرى. والله تعالى أعلم.
قال الشبراخيتي: وإن كان من أحدهما خطأ ومن الآخر عمدا،
فإن مات أحدهما فقط فإن كان المخطئ اقتص من المتعمد وإن كان المتعمد فديته على عاقلة المخطئ،
وأما إن ماتا معا، فقال البساطي: دية المخطئ في مال المتعمد ودية المتعمد على عاقلة المخطئ. انتهى. ثم قال عن بعض شيوخه ما يخالف ما ذكره البساطي، فإنه قال: ولم يذكر الشارح حكم موتهما معا،
وكذا لم يذكره التتائي، وذكره بعض شيوخنا فقال: إذا اصطدم بالغ وصبي عمدا وماتا فإن دية البالغ على عاقلة الصبي، ولا دية للصبي لأن قاتله عمدا قد قتل. انتهى. كلام الشبراخيتي. ونحوه للخرشي وعبد الباقي ولفظ عبد الباقي: كان الشيخ البنوفري يقرر فيما إذا ماتا معا أن دم المخطئ هدر، ومثل ذلك اصطدام بالغ وصبي عمدا الخ ما ذكره عن الأجهوري، قال البناني رادا على البنوفري والأجهوري ما نصه: ويقال إذا كان القاتل عمدا قد قتل خطأ فالمستحق لديته ولي مقتوله، لقول المصنف: "واستحق ولي دم من قتل القاتل كدية خطإ" .
فتأمل. انتهى. وما قاله البناني ظاهر. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى اعلم.
تنبيه: قد مر قول الحطاب في قولهم: إنه لا قود في السفينتين حيث تعمد أهلهما الاصطدام، وهو مشكل لأنه يقتضي أنه إذا تعمد أهل السفينة إغراق الأخرى فليس عليهم إلا الدية، والظاهر أنه يجب في ذلك القصاص لأنه كطرح غير محسن العوم وكالقتل بالمثقل. انتهى. قال الرهوني: سلم الزرقاني كلام الحطاب هذا كما سلمه غير واحد، حتى إن البناني ارتضى قول ابن عاشر: إن قوله "إلا لعجز" يرجع للسفينتين والمتصادمين؛
أي فيرجع لقوله: "وإن تصادما" ويكون المصنف جاريا على ما استظهره الحطاب في السفينتين من أن القود عند القصد، وفيه ما لا يخفى على كل متأمل أدنى تأمل،
أما حمله على ظاهر اللفظ فواضح السقوط؛ إذ كيف يجري المصنف على استظهار الحطاب والمصنف متقدم عليه بأعصار؟ مع أن الحطاب معترف بأن ما قاله بحث له مخالف لظواهر النصوص، وقد رأيت النصوص السابقة الخالفة لبحث الحطاب، ولذلك أنكر ابن مرزوق وجود القول بالقصاص في اصطدام الفارسين، وقياس ذلك على طرح من لا يحسن العوم ووضع مثقل فيه نظر الخ. انتهى المراد منه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.