وَرِجْلٍ بُلَّتْ
الشروح عليها
(وَ) عُفِيَ عَنْ (رِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ) أَيْ الذَّيْلُ وَالرِّجْلُ الْمَبْلُولَةُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: يَمُرَّانِ بِنَجَسٍ يَبَسٍ) أَيْ ثُمَّ يَمُرَّانِ عَلَى طَاهِرٍ يَابِسٍ بَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَتْ الرِّجْلَ عَنْ النَّجَسِ الْيَبَسِ بِالْحَضْرَةِ أَوْ بَعْدَ مُهْلَةٍ عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ اللَّبَّادِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَحَلُّ الْعَفْوِ إذَا كَانَ الرَّفْعُ بِالْحَضْرَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَرِجْلٌ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجَسٍ يَبَسٍ يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ) ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَيْلِ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّجْلِ فَمَعْنَاهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذْ بَلَّ رِجْلَهُ ثُمَّ مَرَّ بِهَا عَلَى نَجِسٍ يَابِسٍ ثُمَّ مَرَّ بِهَا عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِالْمُرُورِ الثَّانِي أَيْ يُعْفَى عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا وَلِذَا أَدْخَلَهَا فِي الْمَعْفُوَّاتِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ. قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَطَأُ الْمَوْضِعَ الْقَذِرَ الْجَافَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ تَلَا {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْضِعُ قَذَرٍ لَا يُوقَنُ بِنَجَاسَتِهِ فَحَمَلَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ مِثْلِ هَذَا يَضُرُّ فَهُوَ مِنْ الْحَرَجِ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ،
وَلَوْ أَيْقَنَ بِنَجَاسَتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَعْلَقُ بِهِمَا،
وَإِنْ كَانَ يَابِسًا مِنْ أَجْلِ بَلَلِهِمَا انْتَهَى.
وَحَمَلَ غَيْرُ ابْنِ رُشْدٍ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ نَجِسٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ مَعْنَاهُ إذَا مَشَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ كَمَسْأَلَةِ الذَّيْلِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ ذَلِكَ إذَا مَشَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الدِّرْعَ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الرِّجْلَ إذَا رَفَعَهَا بِالْخَضِرَةِ لَمْ يَنْمَاعَ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَةِ إلَّا شَيْءٌ لَا قَدْرَ لَهُ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ مَيْلٌ لِكَلَامِ ابْنِ اللَّبَّادِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ اللَّبَّادِ وَاللَّخْمِيِّ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي ابْنَ اللَّبَّادِ رَأَى أَنَّ رِجْلَيْهِ لَمَّا كَانَتَا لَا تَسْلَمُ أَنْ يَعْلَقَ بِهِمَا أَجْزَاءٌ نَجِسَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَسْحِهِمَا فَإِذَا مَشَى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ امْتَسَحَتْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ أَنْ يَجْتَزِئَ بِمَسْحِ الْأَرْضِ عَنْ غَسْلِ الْمَاءِ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَاءَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَهُ، وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُغَيِّرُ أَجْزَاءَ الْمَاءِ الْبَاقِي فِي رِجْلَيْهِ فَلَمَّا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ كُلُّهُمْ عَلَى حَمْلِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَذِرِ النَّجِسُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَاقْتَصَرَ عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ اللَّبَّادِ لِاقْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ وَجَمَاعَةٍ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَأْوِيلِ غَيْرِهِ مَا عَدَا ابْنَ رُشْدٍ إذْ فِيهِ زِيَادَةُ اشْتِرَاطِ أَنْ يَمْشِيَ بِهَا عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنَّ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الذَّيْلِ نَظَرًا؛
لِأَنَّ الرِّجْلَ مَبْلُولَةٌ وَالذَّيْلَ يَابِسٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ يَبِسٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً فَيُنَوَّنُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَ) كَمُصِيبٍ (رِجْلٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (بُلَّتْ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ اللَّامِ نَعْتُ " رِجْلٍ "
لا زيادة له على هذه المسألة.
ورجل بلت يعني أن من وطئ برجله وهي مبلولة على نجاسة يابسة فإنه يعفى له عن غسلها لأنها تطهر بما بعدها، والذي يظهر أن مفهوم قوله: "بلت" أحروي، ويؤيده الخبر (فإن التراب له طهور) ،
فإن ظاهره كانت مبلولة أو يابسة، وهذا أورده بعضهم هنا دليلا والله سبحانه أعلم. وقوله: يمران راجع لذيل المرأة وللرجل فالضمير يعود عليهما، والجملة صفة لهما أو حال منهما، وفوله: بنجس متعلق بيمران، وقوله: يبس بكسر الباء صفة لنجس، ومفهوم قوله: "يبس" أنهما لو مرا بنجاسة رطبة فلا عفو، وظاهر الحديث عدم الفرق بين يابس النجس ورطبه؛
فإن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن قالت لأم سلمة إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطهره ما بعده) لكن حمله مالك على القشب اليابس، والقشب بسكون المعجمة هو الرجيع اليابس وأصله الخلط بما يفسد قاله عياض،
وقال ابن فرحون: والقشب بفتح القاف والشين، وجاء بكسر القاف وسكون الشين. هو كالعلة لما قبله؛ أي عفي عن ذيل امرأة ورجل مرا بنجس يابس لأنهما يطهران بما بعده من أرض أو غيرها طاهر يابس، ووجه العفو هنا أنه قد يتعلق بالذيل والرجل غبار النجس اليابس فيعفى عن غسلهما مع التحقق، ونضحهما مع الشك والعفو هنا لا يختص برجيع الدواب خلافا للتونسي القائل إنه يختص بروث الدواب وأبوالها كمسألة الخف الآتية،
وقال الباجي: يجب غسل ما تحققت إصابة عين النجاسة له: والمراد بالطهارة هنا الطهارة اللغوية أي ينظفان لأن الطهارة الشرعية لا تكون بغير المطلق، وحينئذ يكون للعفو محل. وقوله: "بنجس يبس" رد به القول بأن ذيل المرأة إذا مر بنجس رطب يعفى عنه وهو خلاف المشهور،
والمشهور أنه لا يعفى عن ذيلها إذا أصابته نجاسة رطبة، وقد مر أن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين يابس النجس ورطبه والله سبحانه أعلم، وفهم من قوله: "وذيل امرأة مطال لستر" الخ أن الغبار غير معفو عنه إلا في هذين، ولذا قال ابن القاسم من لصق ثوبه بجدار مرحاض إن كان يشبه البلل غسله،
وإن كان يشبه الغبار رشه. انتهى، وهذا هو الفقه الحقيقي لأنه إذا كان به بلل لا يشك في علوقه بالثوب فيجب غسله حينئذ.
وإذا كان به غبار فقد يشك أنه علق به منه شيء فيجب النضح: وقوله: "مطال لستر ورجل بلت" سواء في ذلك الواحدة والاثنتان، وإسناد المرور للرجل حقيقي، وللذيل مجاز قاله الشبراخيتي. وسواء رفعت الرجل بالحضرة أو بعد مهلة. واعلم أن الباجي
قال في حديث الذيل أعني حديث أم سلمة: يطهره ما بعده ما حاصله أنه يحمل الحديث على ما إذا شكت في إصابة النجاسة لها، أو في نجاسة ما أصابها ولا يلزمها غسلها في الصورتين على المشهور بل النضح في الأولى فقط، وقوله: "ورجل بلت" الرخصة هنا فيه أن يجتزئ بمسح الأرض عن غسل الماء كما في الحديث (إذا وطئ أحدكم برجله الأذى فإن التراب له طهور) ، وقوله: "ورجل بلت" أصله ما في سماع أشهب: سئل مالك عن الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجاف.
قال: لا بأس بذلك، وقد وسع الله على هذه الأمة ثم تلا {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} . انتهى. وفيه ثلاث تأويلات: أحدها لابن رشد معناه أنه موضع قذر لا يوقن بنجاسته، فحملها على الطهارة؛ لأن الاحتراز من مثل هذا يعسر، فهو من الحرج الذي رفعه الله،
ولو أيقن بنجاسته لوجب أن يغسل رجليه؛ لأن النجاسة تتعلق بهما وإن كانت يابسة لأجل بللهما، وحمل غير ابن رشد الرواية على أن الموضع نجس، ثم اختلفوا فقال ابن اللباد: وذلك إذا مشى بعد ذلك على أرض طاهرة كمسألة الذيل وهذا ثاني التأويلات،
وقال اللخمي: إنما أراد مالك إذا رفع الرجل بالحضرة بحيث لا ينماع من النجاسة إلا شيء يسير فهو محل العفو وهذا هو ثالث التأويلات.
وفي كلام سند ميل لكلام ابن اللباد، وذكر المازري عن بعضهم أنه علل ذلك بأن الماء يدفع عن نفسه فلا ينجسة إلا ما غيره، ولا يتحلل من النجاسة ما يغير أجزاء الماء الباقي في رجليه، فلما اجتمع هؤلاء الشيوخ كلهم على حمل الرواية على أن المراد بالقذر النجس، وإنما اختلفوا في توجيه ذلك تبعهم المص، واقتصر على تأويل ابن اللباد، لاقتصار ابن يونس وجماعة عليه. قاله الحطاب وخف ونعل من روث دواب أو بولها يعني أن الخف والنعل إذا تنجسا من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عن غسلهما
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.