واجتماع نساء لبكى وإن سرا
الشروح عليها
(وَ) كُرِهَ (اجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَى) بِالْقَصْرِ إرْسَالُ الدُّمُوعِ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ فَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ سِرًّا) لِلْحَالِ لَا لِلْمُبَالَغَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكًى) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَهُ وَهَذَا مُقَيَّدٌ لِقَوْلِهِ سَابِقًا وَجَازَ بُكًى أَيْ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا لَهُ وَإِلَّا كُرِهَ، وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ هُنَاكَ، وَلَا مَفْهُومَ لِلنِّسَاءِ بَلْ الرِّجَالُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا خُصَّ النِّسَاءُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ شَأْنُهُنَّ
(قَوْلُهُ لِلْحَالِ لَا لِلْمُبَالَغَةِ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُبَالَغَةُ عَلَى بَابِهَا لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ الْبُكَاءُ بِالصَّوْتِ الْعَالِي،
وَأَمَّا مُطْلَقُهُ فَكَعَدِمِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ كَمَا فِي طفى مِنْ قِبَلِ الْمُبَالَغَةِ اجْتِمَاعُهُنَّ لِلْبُكَاءِ جَهْرًا فَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَدْ نَصَّ الْبُرْزُلِيُّ عَلَى أَنَّ الصُّرَاخَ الْعَالِيَ مَمْنُوعٌ اهـ بْن
ص (وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَاءٍ وَلَوْ سِرًّا)
ش قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ: وَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ بِالصُّرَاخِ الْعَالِي، أَوْ النَّوْحِ وَالنَّهْيُ فِيهِ قَائِمٌ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ،
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ مَعْنَى هَذَا مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزَّغْرَتَةِ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ الصَّالِحِ، أَوْ فَرَحٍ يَكُونُ فَإِنَّهُ مِنْ مَعْنَى رَفْعِ النِّسَاءِ الصَّوْتَ، وَأَحْفَظُ لِلشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْقَرَوِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهَا وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْجَنَائِزِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي الْمَوْتِ يُسَمَّى الْمَأْتَمَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْمَوْتِ
وَقِيلَ: هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْ النِّسَاءِ لَا غَيْرَ انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ: الْمَأْتَمُ عِنْدَ الْعَرَبِ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْجَمْعُ الْمَآتِمُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ الْمُصِيبَةُ، يَقُولُونَ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فِي مَنَاحَةِ فُلَانٍ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْمَآثِمُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ هُوَ الْإِثْمُ نَفْسُهُ وَضْعًا لِلْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الِاسْمِ وَفِي الْحَدِيثِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ بَابِ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ: إنَّ تَحْرِيمَ النَّوْحِ كَانَ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلَا يُحْتَجُّ عَلَى إبَاحَتِهِ بِقَوْلِ أُمِّ الرَّبِيعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنْ حَارِثَةَ إنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْت وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَلَا يُحْتَجُّ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَاءٍ وَلَوْ سِرًّا) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ ".
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَاءٍ وَإِنْ سِرًّا (ش) يَعْنِي أَنَّ إرَادَةَ الِاجْتِمَاعِ لِلْبُكَاءِ مَكْرُوهَةٌ لِلنِّسَاءِ وَإِنْ سِرًّا وَبَالَغَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ جَوَازُ إرَادَةِ مَا ذُكِرَ بِقَيْدِ السِّرِّ، وَحَيْثُ عُلِّقَتْ الْكَرَاهَةُ بِالْإِرَادَةِ حَسُنَتْ الْمُبَالَغَةُ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُنَّ لَوْ أَرَدْنَ الِاجْتِمَاعَ لَا لِبُكَاءٍ فَعَرَضَ لَهُنَّ مَا يُوجِبُهُ فَلَا كَرَاهَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَالْبُكَاءُ مَمْدُودًا: الْعَوِيلُ وَالصُّرَاخُ، وَمَقْصُورًا: إرْسَالُ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْبُكَاءُ مَقْصُورًا بِالدَّمْعِ كَانَ قَوْلُهُ: وَإِنْ سِرًّا غَيْرَ مُفِيدٍ.
قُلْت: فَائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِدَفْعِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الصُّرَاخُ مَجَازًا.
(قَوْلُهُ حَسُنَتْ الْمُبَالَغَةُ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ لَا تُحَسُّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هَذَا إذَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ لِلْبُكَاءِ جَهْرًا بَلْ وَلَوْ سِرًّا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ:( «لَعَنَ اللَّهُ الصَّالِقَةَ» ) وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِصَوْتِهَا بِالْبُكَاءِ هَذَا مَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ عَدَمَ الْحُسْنِ حَيْثُ عُلِّقَتْ الْكَرَاهَةُ بِالِاجْتِمَاعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنَّفِ،
وَأَمَّا إذَا عُلِّقَتْ بِالْإِرَادَةِ فَتَحْسُنُ. (وَأَقُولُ) فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ وَلَوْ جُعِلَتْ الْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْإِرَادَةِ الِاعْتِرَاضُ يُتَوَجَّهُ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الشَّيْءِ تُعْطَى حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِمَاعٍ أَوْ إرَادَتِهِ فَالْمُنَاسِبُ جَعْلُهُمَا لِلْحَالِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ) هَذَا لَا يَأْتِي إلَّا إذَا جُعِلَتْ الْوَاوُ لِلْحَالِ لَا لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا هُوَ سِيَاقُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا إذَا جُعِلَتْ لِلْمُبَالَغَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَبُكَا بِالْقَصْرِ يُسْتَعْمَلُ فِي مُطْلَقِ اُلْبُكَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ.
(وَ) كُرِهَ (اجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكًى) بِالْقَصْرِ أَيْ إرْسَالٌ لِلدُّمُوعِ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ فَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ سِرًّا) لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْبُكَاءَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مُحَرَّمٌ،
وَيَصِحُّ جَعْلُهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَقَصْرُ مَا قَبْلَهَا عَلَى أَدْنَى الرَّفْعِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَالسِّرِّ وَالْمُحَرَّمُ الرَّفْعُ الْعَالِي كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيُّ.
واجتماع نساء لبكاء وإن سراً؛ يعني أنه يكره اجتماع النساء للبكاء على الميت كان البكاء سراً أو جهرا بصوت غير عال، فما قبل المبالغة ما كان جهرا بصوت غير عال، والمحرم إنما هو بالصوت العالي. وبما قررت علم أن "إن" هنا للمبالغة، وكره الاجتماع المذكور لهن لأن ذلك يؤدي إلى رفع أصواتهن، وإلى النياحة الممنوعة،
وفي شرح الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: أن بكى هنا بالقصر،
وأن "إنْ" في قوله: "وإن سراً" ، للحال. قال الشيخ عبد الباقي: وهو تأكيد لقوله: بكى. حيث ضبط بالقصر لا للمبالغة لمناقضتها له، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن في ذلك،
وقال: إنها للمبالغة، وبذلك، قررت المصنف، وعليه فالظاهر أن قوله: "لبكاء" ، بالمد. لكن قد نص الشيخ محمد بن الحسن على أن التفرقة بين المقصور والممدود هي أحد قولين في اللغة، والقول الآخر أنَّهما مترادفان؛ وهو الذي في القاموس، وعليه فيجوز في قول المصنف هنا لبكا المد والقصر. والله سبحانه أعلم.
وفي الحديث: (لعن الله الصالقة (٢) )؛ أي الرافعة صوتها بالبكاء،
قال بعض: ومن معناه ما يفعله النساء من التزغريت عند حمل جنازة الرجل الصالح، أو فرح يكون فإنه بدعة يجب النهي عنها. نقله الحطاب. واعلم أن القول المفرق بين المقصور والممدود يجعل البكى بالقصر: إرسال الدموع من غير صوت، ويجعل الممدود: العويلَ والصراخَ. وفهم من المصنف أنهن لو اجتمعن لا لبكى فعرض لهن ما يوجبه فلا كراهة وهو كذلك. واعلم أن تحريم النوح كان عقب غزوة أحد، فلا يحتج بما ورد من إباحته قبل ذلك، فلا يحتج بما وقع في قصة حمزة رضي الله عنه كما صرح به الحطاب، والنهي عن النوح قائم سواء كان عند الموت أو بعده، قبل الدفن أو بعده، بقرب أو بعد.
واعلم أن المأتم اجتماع النساء في الموت، وأصله اجتماع النساء والرجال في الغم والفرح، وهو بالتاء المثناة فوق قبلها همزة ساكنة. وتكبيرة نعش؛ يعني أنه يكره تكبير النعش؛ أي إعظامه فوق العادة بما فوق الحاجة بحيث يكون مظنة للمباهاة أو عظم المصيبة،
فإن كانت زيادته ليست كذلك فلا كراهة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.