وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أو بعد فسادها قولان
الشروح عليها
(وَفِي) بِرِّهِ فِي حَلِفُهُ لِزَوْجَتِهِ فِي قِطْعَةِ لَحْمٍ (لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ) عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِ إيَّاهَا وَابْتَلَعَتْهَا (فَشَقَّ جَوْفَهَا) عَاجِلًا، وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ (وَأَكَلَتْ) أَيْ أَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ وَحِنْثِهِ قَوْلَانِ مَعَ التَّوَانِي فِي أَخْذِهَا مِنْهُ أَرْجَحُهُمَا الْحِنْثُ فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا (أَوْ) لَمْ تَخْطَفْهَا الْهِرَّةُ، وَلَكِنْ أَكَلَتْهَا (بَعْدَ فَسَادِهَا) بِأَنْ تَرَكَتْهَا بَعْدَ الْيَمِينِ حَتَّى فَسَدَتْ (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: لَتَأْكُلِنَّهَا) أَصْلُهُ لَتَأْكُلِينَنْهُ حُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِتَوَالِي الْأَمْثَالِ ثُمَّ الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ
(قَوْلُهُ: فَخَطِفَتْهَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ كَمَا هُوَ الْأَجْوَدُ قَالَ تَعَالَى {إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} ، وَفِيهِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَضَرَبَ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ
(قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) أَيْ بِالْحِنْثِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَدَمِهِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَصَحَّحَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَوَّلَ لِجَرَيَانِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ،
وَالثَّانِي جَارٍ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، كَذَا فِي ح
(قَوْلُهُ: مَعَ التَّوَانِي) أَيْ مَعَ تَوَانِي الْمَرْأَةِ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ حَتَّى خَطِفَتْهَا الْهِرَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ فَهُوَ عَدَمُ التَّوَانِي هَذَا هُوَ الَّذِي فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ كَمَا فِي نَقْلِ ح وَغَيْرِهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ بُطْلَانُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ خش مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ، وَعَدَمُ التَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَأَخْذِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ قَائِلًا كَمَا يُفِيدُهُ الْمَوَّاقُ مَعَ أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا) أَيْ،
وَلَوْ لَمْ تَشُقَّ جَوْفَ الْهِرَّةِ وَتُخْرِجَهَا
(قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) الْقَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَوَافَقَهُ عَلَى الْحِنْثِ مَالِكٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ سَحْنُونٌ
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ لِمَا هُوَ الصَّوَابُ مِنْ رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْهِرَّةِ لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَانِي هُنَا التَّوَانِي بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ مَعَ عَدَمِ التَّوَانِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ عَدَمُ الْحِنْثِ حِينَئِذٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا اعْتَرَضَ بِذَلِكَ الشَّارِحُ وح عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا التَّوَانِي فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَوَانَ الْبِضْعَةُ فِي جَوْفِ الْهِرَّةِ حَتَّى تَحَلَّلَ بَعْضُهَا، وَإِلَّا حَنِثَ عِنْدَهُ أَيْضًا كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ وح.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةُ إنْ لَمْ تَتَوَانَ الْمَرْأَةُ فِي أَخْذِهَا لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا،
وَلَوْ تَوَانَتْ فِي شَقِّ جَوْفِهَا أَوْ تَرَكَتْهُ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ،
وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا وَتَوَانَتْ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ حَنِثَ اتِّفَاقًا،
وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا لَكِنْ لَمْ تَتَوَانَ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ فَقَوْلَانِ،
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَتَوَانَى رَاجِعًا لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْفَسَادِ خِلَافًا لخش وعبق لِقَوْلِ التَّوْضِيحِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ فَتَرَكَهُ حَتَّى فَسَدَ ثُمَّ أَكَلَهُ قَوْلَانِ فَحَكَى الْقَوْلَيْنِ مَعَ التَّوَانِي لَا مَعَ عَدَمِ التَّوَانِي.
ص (وَفِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَوَانَ فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ قَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: وَالْقَوْلُ بِالْبِرِّ حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْقَوْلُ بِالْحِنْثِ إنْ لَمْ يَتَوَانَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ قَالَ فِيهِ فِي رَجُلٍ تَغَذَّى مَعَ امْرَأَتِهِ لَحْمًا فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ لَحْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَأْكُلَهُ فَأَخَذَ الزَّوْجُ بِضْعَةً، فَقَالَ لَهَا: كُلِي هَذِهِ فَرَدَّتْهَا، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَأْكُلِيهَا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَذَهَبَتْ بِهَا فَأَكَلَتْهَا فَأَخَذْتِ الْهِرَّةَ فَذَبَحَتْهَا فَأَخْرَجْتُ الْبِضْعَةَ فَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ لَيْسَ ذَبْحُ الْهِرَّةِ، وَلَا أَكْلُهَا، وَلَا إخْرَاجُ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَا أَكْلُهُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ يَمِينِهِ فِي شَيْءٍ يَحْنَثُ فِيهِ،
فَإِذَا كَانَ سَاعَةَ حَلَفَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ تَوَانَتْ قَدْرَ مَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَهَا وَتَحُوزَهَا دُونَهَا فَعَلَتْ فَهُوَ حَانِثٌ ابْنُ رُشْدٍ.
مِثْلُ هَذَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ مِنْ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ الْحَالِفِينَ،
وَإِنْ خَالَفَ فِي مُقْتَضَى أَلْفَاظِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُرِدْ إلَّا أَنْ تَأْكُلَهَا، وَهِيَ عَلَى حَالِهَا مُسْتَمِرَّةٌ مُسَاغَةٌ لَا عَلَى أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ تُعَافَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إنْ اُسْتُخْرِجَتْ مِنْ بَطْنِ الْهِرَّةِ صَحِيحَةً كَمَا هِيَ بِحَدَثَانِ مَا بَلَعَتْهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَأَكَلَتْهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَهُوَ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، انْتَهَى. فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا بِالْحِنْثِ إذَا لَمْ تَتَوَانَ، بَلْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَعَ التَّوَانِي فَابْنُ الْقَاسِمِ يُحَنِّثُهُ بِذَلِكَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُحَنِّثُهُ.
وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعُ عَقْلٍ لَا يَحْنَثُ بِفَوَاتِهِ كَمَا
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَّامَاتِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَمَّامَاتِ قَالَ وَانْظُرْ لَوْ حَلَفَ لِرَجُلٍ عَلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ فَانْتَهَبَتْهَا هِرَّةٌ،
فَإِنْ أَكَلَتْهَا لِحِينِهَا لَمْ يَحْنَثْ،
وَإِنْ دَخَلَتْ بِهَا فِي غَارٍ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا كَانَتْ كَمَسْأَلَةِ السَّارِقِ فَيَحْنَثُ اهـ.، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ أَيْضًا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ خَطْفَ الْهِرَّةِ وَشَقَّ جَوْفِهَا، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا بِالْحِنْثِ إذَا لَمْ يَتَوَانَ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَتَوَانَ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ،
وَلَوْ لَمْ يَشُقَّ جَوْفَ الْهِرَّةِ وَيُخْرِجْهَا، وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ كَيْفَ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ هُنَا وَذَكَر الْقَوْلَيْنِ فِي شَامِلِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَأَشْهَبَ فِي الْحَالِفِ لَيَشْتَرِيَنَّ لِزَوْجَتِهِ بِهَذَا الدِّينَارِ ثَوْبًا فَخَرَجَ بِهِ لِذَلِكَ فَسَقَطَ مِنْهُ،
فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالدِّينَارِ بِعَيْنِهِ فَقَدْ حَنِثَ،
وَإِنْ أَرَادَ الشِّرَاءَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ فَلْيَشْتَرِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْنَثُ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَا لَعِبْتُ مَعَكَ شِطْرَنْجًا إلَّا هَذَا الدَّسْتَ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهُ حَلَفَ شَخْصٌ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ لَا لَعِبْتُ مَعَكَ شِطْرَنْجًا إلَّا هَذَا الدَّسْت فَجَاءَ رَجُلٌ فَخَبَطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الدَّسْت قَالَ: اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ فِيهِ حِينَئِذٍ فَأَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ حِنْثِهِ، وَأَفْتَى غَيْرُهُمْ بِحِنْثِهِ وَاجْتَمَعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالطُّرْطُوشِيِّ فَأَفْتَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ،
انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ فِي النَّذْرِ] . (فَصْلٌ النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) ش: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: نَذِرَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نِذَارَةً عَلِمَ بِالشَّيْءِ وَنَذَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى نَذْرًا بِفَتْحِهَا مَعْنَاهُ وَعَدْتُ ابْنُ عَرَفَةَ النَّذْرُ الْأَعَمُّ مِنْ الْجَائِزِ إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا لِحَدِيثِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، وَإِطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُحَرَّمِ نَذْرًا وَأَخَصَّهُ الْمَأْمُورُ بِأَدَائِهِ الْتِزَامَ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ، وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ رُشْدٍ أَدَاءُ مُلْتَزِمِهِ كَافِرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا نَدْبٌ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمُغِيرَةُ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ بِالْكُفْرِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُكَلَّفٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ: وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَا نَذَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ إيجَابِ الْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ وَغَيْرُهُ فِي التَّعْلِيقِ فِي يَمِينٍ كَذَلِكَ مِنْ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ يَنْفُذُ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَشَمَلَ قَوْلُهُ: كُلِّفَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةَ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي النَّذْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَا لَكِنْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُمَا مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ،
فَإِذَا أُعْتِقَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَا،
فَإِنْ رَدَّ سَيِّدُهُمَا النَّذْرَ وَأَبْطَلَهُ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ
قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ حُرٌّ فَعَتَقَ ثُمَّ ابْتَاعَ رَقِيقًا قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَبِيدِ مَا يَمْلِكُ.
وَهُوَ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْعَبْدِ لِعَبِيدِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ سَوَاءٌ تَطَوَّعَ بِعِتْقِهِمْ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ إلَّا أَنْ يُعْتِقَ وَهُمْ فِي يَدِهِ فَيَعْتِقُونَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّيِّدُ عِتْقَهُ حِينَ عَتَقَ،
أَمَّا إنْ رَدَّهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَبَعْدَ حِنْثِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهِمْ عِتْقٌ وَلَزِمَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ عِتْقُ مَا يَمْلِكُ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ،
وَكَذَلِكَ أَمَةٌ حَلَفَتْ بِصَدَقَةِ مَالِهَا أَنْ لَا تُكَلِّمَ أُخْتَهَا فَعَلَيْهَا إنْ كَلَّمَتْهَا صَدَقَةٌ ثُلُثُ مَالِهَا ذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهَا إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّيِّدُ ذَلِكَ حَتَّى عَتَقَتْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ: وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ وَلَا مُدْبَرٍ وَلَا مُكَاتَبٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ كَفَالَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ،
فَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ إنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ،
فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ وَإِنْ عَتَقُوا،
وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى عَتَقُوا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ عَلِمَ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ ذِي رِقٍّ مَا يَلْزَمُ الْحُرَّ يَلْزَمُهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فَعَلَهُ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي الْأَمَةِ تَنْذُرُ مَشْيَهَا إلَى مَكَّةَ فَيَرُدُّهُ رَبُّهَا، ثُمَّ تَعْتِقُ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا لَوْ رَدَّ صَدَقَةَ نَذْرِهَا فَفِي سُقُوطِهَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةُ اعْتِكَافِهَا،
وَفِي سُقُوطِ نَذْرِهِ بِرَدِّ رَبِّهِ عِتْقُهُ مُتَقَدِّمٌ، نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي نَذْرِهِ حِجًّا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ فِي مَنْ سُئِلَ أَمْرًا فَقَالَ عَلَيَّ فِيهِ صَدَقَةٌ أَوْ مَشْيٌ كَاذِبًا إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَهُ] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ سُئِلَ أَمْرًا فَقَالَ: عَلَيَّ فِيهِ صَدَقَةٌ أَوْ مَشْيٌ كَاذِبًا إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْيَمِينِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِي الْيَمِينِ هَلْ تَنْعَقِدُ بِإِنْشَاءِ كَلَامِ النَّفْسِ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ وَانْظُرْ أَيْضًا هَلْ يَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَحْدَهُ أَوْ لَا يَنْعَقِدُ أَوْ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ كَمَا فِي الْيَمِينِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْحُكْمِ، السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فَإِذَا قُلْتُمْ: إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إنْشَاءٌ فِي النَّفْسِ، وَالنَّذْرُ أَيْضًا إنْشَاءُ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْإِنْشَاءِ،
وَإِنَّ كِلَيْهِمَا مُتَعَلِّقٌ يَجْرِي دُونَ شَرْعٍ عَامٍّ، فَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ، جَوَابُهُ أَنَّهُمَا وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْإِنْشَاءِ فَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى فِي النَّذْرِ اللَّفْظُ فَإِنَّهُ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ النَّاقِلُ لِذَلِكَ الْمَنْدُوبِ الْمَنْذُورِ إلَى الْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ سَبَبَ حُكْمِ الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ الْحُجَّةُ، وَسَبَبُ حُكْمِ الْحَاكِمِ يَسْتَقِلُّ دُونَ نُطْقٍ، وَالْقَوْلُ الْوَاقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَأَمْرٌ بِالتَّحَمُّلِ عَنْهُ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرْبِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا لَا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ، وَصُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ
لَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ النَّذْرِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ يَجِبُ النَّذْرُ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا أَوْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ.؟
فَمَنْ قَالَ بِهِمَا مَعًا قَالَ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا،
وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ،
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ قَالَ يَنْعَقِدُ النَّذْرُ،
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ لَكِنْ رَأَى أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ النَّذْرِ مِنْ الْقَوْلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ،
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ،
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ،
وَمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا بِلَفْظٍ قَالَ الْحَفِيدُ اخْتَلَفُوا إذَا لَمْ يَلْفِظْ بِالنَّذْرِ هَلْ يُلْزَمُ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِلَفْظِ النَّذْرِ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا لَفَظَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ قَالَ ابْنُ فَرَسٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ،
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا لَفَظَ بِالنَّذْرِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ لَا النَّهَارِ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ (ش) صُورَتُهَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَتَأْكُلِنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ اللَّحْمَ فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَأَكَلَتْهَا
ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ أَخَذَتْ الْهِرَّةَ فَذَبَحَتْهَا وَشَقَّتْ جَوْفَهَا وَأَخْرَجَتْ الْبَضْعَةَ اللَّحْمَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَلَّ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ فَأَكَلَتْهَا هَلْ يَبِرَّ الْحَالِفُ بِذَلِكَ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَمَحِلُّهُمَا حَيْثُ تَوَانَتْ
وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ تَتَوَانَ فَلَا حِنْثَ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ تَشُقَّ جَوْفَ الْهِرَّةِ وَتُخْرِجْهَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَأَخْذِ الْهِرَّةِ الشَّيْءَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتُحْرِزُهَا، وَعَدَمُ التَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَأَخْذِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا وَتُحْرِزُهَا فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَوَّاقِ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا)
إمَّا إلَى مَسْأَلَةِ الْبَضْعَةِ لَوْ أَخَّرَتْ الْمَرْأَةُ أَكْلَهَا ثُمَّ أَكَلَتْهَا بَعْدَ أَنْ فَسَدَتْ أَوْ إلَى مَا حَكَى اللَّخْمِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ لَيَأْكُلَنَّهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى فَسَدَ ثُمَّ أَكَلَهُ فَقَدْ حَنِثَ عِنْدَ مَالِكٍ إذْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الطَّعَامِ وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَ وَعَلَيْهِ فَأَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى خَطَفَتْهَا أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْطِفْهَا وَأَكَلَتْ بَعْدَ فَسَادِهَا أَيْ تُرِكَتْ بَعْدَ الْحَلِفِ حَتَّى فَسَدَتْ إلَخْ وَقَوْلُهُ (قَوْلَانِ) مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ لِدَلَالَةِ الثَّالِثِ وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَتَوَانَى) رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْفَسَادِ فَإِنْ قُلْت الْفَسَادُ يَسْتَلْزِمُ التَّوَانِي فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ قُلْت لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ قَدْ يَفْسُدُ بِسُقُوطِ شَيْءٍ فِيهِ بِمُجَرَّدِ سُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِمَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا) أَصْلُهُ لَتَأْكُلِينَنَهَا فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِتَوَالِي الْأَمْثَالِ ثُمَّ الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَصَارَ لَتَأْكُلِنَّهَا وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالْحِنْثِ
(قَوْلُهُ وَمَحِلُّهَا حَيْثُ تَوَانَتْ) وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْحِنْثُ كَمَا فِي شَرْحِ عب وشب فَإِنْ قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا لَمْ يُؤَجِّلْ وَحَصَلَ مِنْهُ وَفَرَّطَ فَيَحْنَثُ بِالْمَانِعِ وَلَوْ عَقْلًا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ حَنِثَ بِالْمَانِعِ الْعَادِيِّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا قُلْنَا مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُنَا قَدْ فَعَلَهُ
(قَوْلُهُ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلنَّقْلِ وَنَصُّ الْمَوَّاقِ وَإِنْ تَوَانَتْ قَدْرَ مَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَهَا وَتُحْرِزَهَا دُونَهَا فَعَلَتْ فَهُوَ حَانِثٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ مَسْأَلَةِ الْبَضْعَةِ) أَيْ الَّتِي هِيَ قِطْعَةُ اللَّحْمِ
(قَوْلُهُ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْفَسَادِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي يَقُولُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ إذَا أَخَذَتْهَا بِحِدْثَانِ أَكْلِهَا قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ وَإِلَّا فَيُتَّفَقُ عَلَى الْحِنْثِ فَالْمُنَاسِبُ كَمَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِذَلِكَ تَرْجِيعُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى لِمَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ، وَيُفَسَّرُ التَّوَانِي بِمَا إذَا لَمْ تَأْخُذْهَا بِحِدْثَانِ أَكْلِهَا لِأَنَّهُ يُتَّفَقُ حِينَئِذٍ عَلَى الْحِنْثِ فَلِذَا قَالَ مُحَشِّي تت فَالصَّوَابُ حَمْلُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ
(قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت الْفَسَادُ يَسْتَلْزِمُ إلَخْ) أَقُولُ يَرُدُّ هَذَا الْجَوَابَ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ مَا حَكَى اللَّخْمِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ لَيَأْكُلَنَّهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى التَّوَانِي قَطْعًا فَلَا يَظْهَرُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَلِذَلِكَ قَالَ مُحَشِّي تت أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ وَالْمُرَادُ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى أَيْ بَعْدَ الْخَطْفِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَفِي) بِرِّهِ فِي حَلِفِهِ لِزَوْجَتِهِ مَثَلًا عَلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ (لَتَأْكُلَنَّهَا) أَيْ قِطْعَةَ اللَّحْمِ (فَخَطِفَتْهَا) أَيْ قِطْعَةَ اللَّحْمِ بِكَسْرِ الطَّاءِ هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ (هِرَّةٌ) وَبَلَعَتْهَا (فَشُقَّ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْقَافِ (جَوْفُهَا) أَيْ الْهِرَّةِ عَاجِلًا وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ الْقِطْعَةُ قَبْلَ تَحَلُّلِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فِيهِ (وَأُكِلَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ أَكَلَتْ الْمَرْأَةُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا الْقِطْعَةَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَحِنْثُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ إنْ تَوَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَخَطْفِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا لِنَفْسِهَا،
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا فَهُوَ عَدَمُ التَّوَانِي، هَذَا هُوَ الَّذِي فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَأَرْجَحُهُمَا حِنْثُهُ،
فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يُشَقَّ جَوْفُ الْهِرَّةِ. (أَوْ) لَمْ تَخْطَفْهَا الْهِرَّةُ وَأَخَّرَتْهَا حَتَّى فَسَدَتْ وَأَكَلَتْهَا (بَعْدَ فَسَادِهَا) فَهَلْ يَبَرُّ بِهِ أَمْ لَا (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ فَقَالَ
وفي لتأكلنها فخطفتها جوفها وأكلت؛ يعني انه جرى قولان فيما إذا حلف لزوجته -مثلا- على بضعة لتأكلنها فخطفتها هرة عند مناولته إياها وابتلعتها، فنتق جوفها عاجلا وأخرجت قبل أن يتحلل في جوفها منها شيء، وأكلتها المرأة فابن الماجشون يقول بالبر، وابن القاسم يقول بالحنث، وهو الأرجح، ومحلهما مع التواني أي فإن لم يتوان لم يحنث اتفاقا، والمراد بالتواني أن يكون بين يمينه وأخذ الهرة البضعة قدر ما تتناولها المرأة وتحوزها دونها،
فإن كان بينهما أقل من ذلك فهو عدم التواني. هذا الذي في سماع أبي زيد كما في نقل الحطاب. وغيره. وقوله: "فخطفتها" ، خطف الشيء كفهم على اللغة الفصحي {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} ، وخطف كضرب، لغة ردية. أو بعد فسادها؛ يعني أنه جرى قولان أيضا فيما إذا حلف ليأكلن هذا الشيء أو حلف على غيره ليأكلنه، فأكله هوأو غيره ممن حلف عليه ليأكلنه بعد فساده، أحدهما لابن القاسم وقد وافق مالكا على الحنث،
والثاني له أيضا ووافقه سحنون على عدم الحنث، وقوله: "بعد" ، متعلق بمحذوف معطوف على مقدر أي أو لم تخطفها وأكلت بعد فسادها، وبما قررت علم أن قوله: قولان، في كل من المسائل الثلاث، إلا أن تتوانى، هذا مستثنى من قوله: "قولان" ، في المسألة الثانية؛ يعني أن ابن الماجشون الذي يقول بالبر في مسألة فخطفتها هرة فشق جوفها لخ، إنما هو فيما إذا لم تتوان البضعة في جوف الهرة حتى يتحلل بعضها،
وأما إذا توانت في جوفها حتى تحلل بعضها فإنه يحنث عنده، كما يحنث عند ابن القاسم، وعدم التواني الذي يتفقان فيه على البر أن يكون بين اليمين وأخذ الهرة أقل من القدر الذي تتناولها المرأة فيه وتحوزها دونها. فتحصل من هذا أنهما يتفقان على البر في المسألة الثانية في بعض الأحوال وعلى الحنث في بعضها، ويختلفان في بعضها،
وأما كون قوله: "إلا أن تتوانى" ، مستثنى من القولين في الأخيرة فار يصح؛ لأن القولين فيها مع التواني كما في التوضيح، ولفظه: وحكى اللخمي وغيره فيمن حلف ليأكلن هذا الطعام فتركه حتى فسد قولان. انتهى. فحكى القولين مع التواني لا مع عدمه، وهذا الذي قررت به المص هو للشيخ بناني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.