وانتقال من موت لآخر
الشروح عليها
(وَ) جَازَ (انْتِقَالٌ مِنْ) سَبَبِ (مَوْتٍ لِآخَرَ) كَحَرْقِهِمْ سَفِينَةً إنْ اسْتَمَرَّ فِيهَا هَلَكَ،
وَإِنْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ هَلَكَ
(قَوْلُهُ: مِنْ سَبَبِ إلَخْ) إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ سَبَبًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَالتَّعَدُّدُ إنَّمَا هُوَ فِي أَسْبَابِهِ ،
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ هَلَكَ) أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ طَرْحُ نَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ أَيْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إنْ مَكَثَ مَاتَ حَالًا،
وَإِنْ رَمَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ مَاتَ حَالًا،
وَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ نَزَلَ الْبَحْرَ مَكَثَ حَيًّا وَلَوْ دَرَجَةً، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَإِنْ مَكَثَ مَاتَ حَالًا وَجَبَ عَلَيْهِ النُّزُولُ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً إلَخْ
ص (وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ وَوَجَبَ إنْ رُجِيَ حَيَاةٌ أَوْ طُولُهَا) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْد أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ فَيُذْبَحُ لِإِرَاحَتِهِ مِنْ أَلَمِ الْوَجَعِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي بَابِ الْمُبَاحِ طَعَامٌ طَاهِرٌ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَذَكَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ،
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَقَعُ بِأَهْلِ الْبَلَايَا مِمَّنْ يَأْخُذُهُمْ الْوُلَاةُ وَيَجْزِمُونَ بِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ، فَيُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْجِلَ الْمَوْتَ بِشُرْبِ السُّمِّ فَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ،
وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ إذَا رَجَا الْإِنْسَانُ حَيَاةً سَاعَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْجَالُ مَوْتِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ،
وَفِي الْأَسْئِلَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ قَتْلُ نَفْسِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَتَى مَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَحْرُمُ فَإِذَا فَعَلَ هَلْ يُسَمَّى بِذَلِكَ فَاسِقًا أَوْ مُفْتَاتًا؟ جَوَابُهَا مَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ بِذَنْبٍ مِنْ الذُّنُوبِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ وَسَتْرُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ التَّوْبَةِ أَوْلَى بِهِ،
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَطْهِيرَ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ فَلْيُقِرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ وَلِيِّ الْقَتْلِ لِيَقْتُلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ،
فَإِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ كَانَ ذَنْبُهُ صَغِيرًا لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى فَاسِقًا بِالْجَرِيمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ،
وَإِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَإِنْ جَعَلْنَا تَوْبَتَهُ مُسْقِطَةً لِقَتْلِهِ فَقَدْ لَقِيَ اللَّهَ فَاسِقًا بِقَتْلِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً،
وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ بِتَوْبَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ عَاصِيًا لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ إثْمَ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رُوحًا يَسْتَحِقُّ تَفْوِيتَهَا وَأَزْهَقَ نَفْسًا يَسْتَحِقُّ إزْهَاقَهَا، وَكَانَ الْأَصْلُ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ لِكُلِّ أَحَدٍ الْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّرْعَ فَوَّضَهُ إلَى الْأَئِمَّةِ كَيْ لَا يُوقِعَ الِاسْتِبْدَادُ بِهِ فِي الْفِتَنِ، انْتَهَى.
(وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ. ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَفِعْلَهُ جَائِزٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ غَلَبَهُ الْعَدُوُّ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ كَمَا إذَا أَحْرَقَ الْعَدُوُّ مَرْكَبًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ إذَا مَكَثُوا فِيهَا هَلَكُوا،
وَإِنْ طَرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ هَلَكُوا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَ) جَازَ لِمَنْ تَيَقَّنَ الْمَوْتَ وَتَعَارَضَتْ عَلَيْهِ أَسْبَابُهُ (انْتِقَالٌ مِنْ) سَبَبِ (مَوْتٍ) كَحَرْقِ مَرْكَبٍ هُوَ بِهَا (لِ) سَبَبٍ (آخَرَ) كَطَرْحِ نَفْسِهِ فِي بَحْرٍ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ عَوْمٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
وانتقال من موت لآخر؛ يعني أن من تعارضت عليه أسباب العطب يجوز له أن ينتقل من سبب من أسباب الموت إلى سبب آخر كحرق الكفار مركبا للمسلمين، فإنهم إذا مكثوا فيها هلكوا وإن طرحوا أنفسهم في البحر هلكوا وهذا هو المشهور. قاله في المدونة.
وزاد فيها: وإن صبر فهو أكرم وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: أنه لا ينتقل، واختاره ابن المواز لأن في انتقاله تسببا في قتل نفسه، ومحل كلام المص حيث لم يرج حياة أو طولها وإلا وجب عليه طلب الحال الذي يظن حصول ذلك معه،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.