وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ ليظهر شجاعة على الأظهر
الشروح عليها
(وَ) جَازَ (إقْدَامُ الرَّجُلِ) الْمُسْلِمِ (عَلَى كَثِيرٍ) مِنْ الْكُفَّارِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) قَصْدُهُ (لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً) بَلْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) ،
وَأَنْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَظْهَرِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ لَا إلَى الشَّرْطِ كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ. اهـ بْن
(قَوْلُهُ: وَإِنْ يَظُنَّ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ إقْدَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْكَثِيرِ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَأَنْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ لِلْكَمَالِ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ الِافْتِخَارِ فِي الْحَرْبِ فَمَفْهُومُهُ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ خش مِنْ الْحُرْمَةِ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ تَأْثِيرَهُ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ كَمَا فِي عبق، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَنْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِقْدَامُ رَجُلٍ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: حَمَلَ رَجُلٌ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ عَلَى جَيْشِهِ خَوْفَ الْأَسْرِ خَفِيفٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْسِرَ اتِّفَاقًا وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ مِنْ الْجَيْشِ الْكَثِيفِ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ لِلسُّمْعَةِ وَالشَّجَاعَةِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوَابُ حُرْمَتُهُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَحَمْلُهُ مُحْتَسِبًا بِنَفْسِهِ لِيُقَوِّيَ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَيُلْقِيَ بِهِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ،
فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَاسْتَحَبَّهُ لِمَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَ ذَلِكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو لِلْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. وَرَوَى عَلِيٌّ: إنْ لَقِيَتْ سَرِيَّةٌ أَضْعَافَهُمْ فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْكَوْا الْعَدُوَّ فَلَا يَلْقَوْهُ لِئَلَّا يَسْتَأْسِرَ بِقَتْلِهِمْ.
(ص) وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِيُقَاتِلَهُمْ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْكَثِيرِ أَيْ جَمْعٌ كَثِيرٌ،
وَإِنْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُمَحِّضَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ وَأَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْكِفَايَةَ وَأَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نِكَايَةٌ لَهُمْ.
وَأَمَّا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يُظْهِرَ شَجَاعَةً مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ حِينَئِذٍ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شُجَاعَةً) الْعِبَارَةُ صَادِقَةٌ بِأَمْرَيْنِ لَكِنْ الْمُرَادُ قَصْدُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ) أَيْ إزْهَاقَ رُوحِهِ
(قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ أَيْ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ اسْتِوَاؤُهُمَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) جَازَ (إقْدَامُ الرَّجُلِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (عَلَى) قِتَالٍ عَدَدٍ (كَثِيرٍ) مِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ، وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا: كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى: بِقَتْلٍ، أَوْ مَنٍّ، أَوْ فِدَاءٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، [منح الجليل] الْكَافِرِينَ (إنْ لَمْ يَكُنْ) إقْدَامُهُ (لِيُظْهِرَ) بِهِ (شَجَاعَةً) بِأَنْ كَانَ يَقْصِدُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ رَاجِعٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ لَا إلَى الشَّرْطِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ.
فَشَرْطُ الْجَوَازِ قَصْدُ الْإِعْلَاءِ وَالتَّقَرُّبِ لَا مَا يُعْطِيهِ لَفْظُهُ الشَّامِلُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ بِالْكُلِّيَّةِ،
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ.
وإقدام الرجل على كثير؛ يعني أنه يجوز للرجل من المسلمين أن يقدم على جمع كثير من العدو، والمراد بالجمع الكثير ما زاد على اثنين، وقوله: "وإقدام الرجل على كثير" أي وإن علم ذهاب نفسه، وقوله: "وإقدام الرجل على كثير" ، وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما أن يقصد بذلك أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، وإليه أشار بقوله: إن لم يكن ليظهر شجاعته؛ يعني أنه يشترط في جواز إقدام الرجل على كثير أن لا يكون قصده بذلك أن يظهر شجاعته، بل إنما يجوز إن قصد إعلاء كلمة الله تعالى لا ما يعطيه لفظه الشامل لذلك ولمن لا قصد له بالكلية كما أشرت إليه في صدر العبارة، الثاني أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنه نكاية العدو وإن قتل فهذا ليس من إتلاف النفس في غير
فائدة، وهذا الشرط لم يصرح المص بذكره لكنه يعلم من الشجاعة التي يفيد كلامه اتصافه بها، وحقيقة هذا الشرط الأخير أن يعلم من نفسه أو يظن تأثيره فيهم وإلا لم يجز، فحيث علم أو ظن تأثيره فيهم جاز له الإقدام ولو علم إذهاب نفسه إن لم يكن الخ. على الأظهر، راجع لقوله: "وإقدام الرجل" ، ولا يرجع للشرط أعني قوله: "إن لم يكن ليظهر شجاعته" ،
وأشار به إلى قول ابن رشد،
والصحيح الجواز قال ابن عبد السلام أيضا: والظاهر من أقوال مالك الجواز بشرط أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية للعدو وإن قتل، وبشرط أن يمحض النية لله تعالى لا لإظهار شجاعته،
وإذا كان كذلك حصل منه إرهاب العدو وهي إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس لغير
فائدة. انتهى. وقوله: "على الأظهر" اعلم أن مقابل الأظهر الكراهة. والله سبحانه أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.