وحرم في نقد وطعام: ربا فضل ونسا
الشروح عليها
(وَحَرُمَ) كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا (فِي نَقْدٍ) أَيْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ،
وَلَوْ قَالَ فِي عَيْنٍ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّقْدَ خَاصٌّ بِالْمَسْكُوكِ وَالْحُرْمَةُ لَا تَخْتَصُّ بِهِ (وَطَعَامِ رِبَا فَضْلٍ) أَيْ زِيَادَةٍ (وَنَسَاءٍ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ تَأْخِيرٍ لَكِنَّ حُرْمَةَ رِبَا الْفَضْلِ فِيمَا اتَّحَدَ جِنْسُهُ مِنْ النَّقْدِ وَاتَّحَدَ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي مُخْتَلَفِ الْجِنْسِ مِنْهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَرِبَا النَّسَاءِ يَحْرُمُ فِي النُّقُودِ مُطْلَقًا
وَكَذَا فِي الطَّعَامِ وَلَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ فَكُلُّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ دُونَ عَكْسٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ رِبَا نَسًا فِي النَّقْدِ حَرِّمْ
وَمِثْلَهُ ... طَعَامٌ وَإِنْ جِنْسَاهُمَا قَدْ تَعَدَّدَا وَخُصَّ رِبَا فَضْلٍ بِنَقْدٍ
وَمِثْلُهُ ... طَعَامُ رِبًا إنْ جِنْسُ كُلٍّ تَوَحَّدَا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُجْمَلٌ أَرَادَ بِهِ بَيَانَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ يَدْخُلَانِ فِي النَّقْدِ وَالطَّعَامِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ،
وَأَمَّا تَفْصِيلُ ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَلِذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا كَالتَّرْجَمَةِ وَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي قَوْلِهِ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا إلَخْ ثُمَّ عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فَيَجُوزُ مَا سَلِمَ مِنْ قِسْمَيْ الرِّبَا.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ كِتَابًا وَسُنَّةً إلَخْ) أَيْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ،
وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ قَالَ فِي الصَّحِيحِ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ»
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى حُرْمَتِهِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ رِبَا الْفَضْلِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّقْدَ خَاصٌّ بِالْمَسْكُوكِ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ
وَقِيلَ: إنَّ النَّقْدَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْكُوكِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَظْهَرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي نَقْدِ
(قَوْلِهِ وَالْحُرْمَةُ لَا تَخْتَصُّ بِهِ) أَيْ فَتَجْرِي فِي الْمَسْكُوكِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ زِيَادَةٍ) يَعْنِي فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ لَا فِي الصِّفَةِ إذْ لَا حُرْمَةَ فِي زِيَادَتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِرِبَا الْفَضْلِ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ فَيَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ مُتَفَاضِلًا إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ وَبَيْعُ قَمْحٍ بِأُرْزٍ أَوْ فُولٍ مُتَفَاضِلًا إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ قَدْرُهُ لِأَجَلٍ وَلَا فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ قَدْرُهَا لِأَجَلٍ وَلَا بَيْعُ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ قَدْرُهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ أَقَلَّ لِأَجَلٍ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي الطَّعَامِ) أَيْ مُطْلَقًا اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ إرْدَبِّ قَمْحٍ بِمِثْلِهِ أَوْ بِإِرْدَبِّ فُولٍ لِأَجَلٍ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ) أَيْ كَخَوْخٍ وَتُفَّاحٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ قِنْطَارٍ مِنْ أَحَدِهِمَا بِقِنْطَارٍ مِنْ الْآخَرِ لِأَجَلٍ
(قَوْلُهُ: فَكُلُّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ) أَيْ وَهُوَ النَّقْدُ وَالطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ
(قَوْلُهُ: دُونَ عَكْسٍ) أَيْ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ أَيْ لِأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرُ الرِّبَوِيِّ يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ وَلَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْخَوْخِ بِالْخَوْخِ مُتَفَاضِلًا إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ طَعَامُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ
(قَوْلُهُ: إنَّ جِنْسَ كُلٍّ تَوَحَّدَا) أَيْ إنْ تَوَحَّدَ جِنْسُ كُلٍّ مِنْ النَّقْدِ وَالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ
(قَوْلُهُ: مُجْمَلٌ) أَيْ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ رِبَا النَّسَاءِ وَرِبَا الْفَضْلِ يَحْرُمُ فِي النَّقْدِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ
وَيَحْرُمُ فِي الطَّعَامِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ كَانَ الطَّعَامُ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: فَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي) أَيْ فِي الرِّبَوِيَّاتِ
(قَوْلُهُ: هَذَا كَالتَّرْجَمَةِ) أَيْ لِمَا بَعْدَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي النُّقُودِ وَالطَّعَامِ
ص (وَحُرِّمَ فِي نَقْدٍ، وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسًا) ش: مُرَادُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَا يَدْخُلَانِ فِي النَّقْدِ وَالطَّعَامِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَلَا يَدْخُلَانِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
وَأَمَّا تَفْصِيلُ ذَلِكَ أَعْنِي مَا يَدْخُلَانِ فِيهِ مَعًا، وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ رِبَا النَّسَا خَاصَّةً فَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَلَوْ ذَكَرَهُ هُنَا لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَحْسَنَ فَيَقُولُ، وَحُرِّمَ رِبًا، وَفَضْلٌ، وَنَسًا فِي نَقْدٍ، وَرِبَوِيٍّ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَالنَّسَا،
وَإِنْ غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّ رِبَا النَّسَاءِ يَدْخُلُهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ كَالطَّعَامِ الَّذِي لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ غَيْرَ النَّقْدِ وَالطَّعَامِ لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ، وَالنَّسَا هُوَ كَذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا، وَهَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ،
وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مَا عَدَا مَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي نَقْدِهِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) : الرِّبَا مَقْصُورٌ مِنْ رَبَا يَرْبُو فَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كِتَابَتَهُ وَتَثْنِيَتَهُ بِالْيَاءِ بِسَبَبِ الْكَسْرَةِ فِي أَوَّلِهِ وَغَلَّطَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ فَقِيلَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوَاوُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّمَا كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ تَعَلَّمُوا الْخَطَّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَلُغَتُهُمْ الرِّبَا فَعَلَّمُوهُمْ صُورَةَ الْخَطِّ عَلَى لُغَتِهِمْ
قَالَ: وَكَذَا قَرَأَهَا أَبُو سِمَاكٍ الْعَدَوِيُّ: بِالْوَاوِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِمَالَةِ بِسَبَبِ كَسْرَةِ الرَّاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ لِفَتْحَةِ الْبَاءِ،
وَيَجُوزُ كِتَابَتُهُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاو، وَالْيَاء قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالرَّمَاءُ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمَدِّ هُوَ الرِّبَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ،
وَكَذَا الرُّبَبَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَالتَّخْفِيفُ لُغَةٌ فِي الرِّبَا، وَأَصْلُ الرِّبَا الزِّيَادَةُ يُقَالُ رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إذَا زَادَ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قِرَاءَةِ الْعَدَوِيِّ فَقِيلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ،
وَقِيلَ بِضَمِّهَا نَقَلَهُمَا السَّمِينُ فِي إعْرَابِهِ.
(فَائِدَةٌ) : قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «لَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» وَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا تُفَضِّلُوا وَالشِّفُّ بِكَسْرِ الشِّينِ الزِّيَادَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى النُّقْصَانِ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، وَقَوْلُهُ إلَّا هَاءَ هَاءَ فِيهِ لُغَتَانِ الْقَصْرُ، وَالْمَدُّ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ أَيْ خُذْ وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ، وَفِيهِ لُغَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ هَاكَ فَالْهَمْزَةُ بَدَلُ الْكَافِ
(وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسْءٍ) اُنْظُرْ مَحْصُولَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَحْرُمُ فَضْلُ الْقَدْرِ وَالنَّسَأِ بَيْنَ عَرْضَيْنِ مُتَّحِدَيْ جِنْسِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ رِبَوِيِّ الطَّعَامِ
(ص) وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاءٍ (ش) أَيْ وَحَرُمَ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا وَصَحَّ رُجُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ إبَاحَةِ رِبَا الْفَضْلِ {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الصَّحِيحِ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ» فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مَضْرُوبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَصْلَحَةٍ رِبَا فَضْلٍ أَيْ زِيَادَةٍ وَنَسَاءٍ أَيْ تَأْخِيرٍ لَكِنْ رِبَا الْفَضْلِ يُمْنَعُ فِيمَا اتَّحَدَ جِنْسُهُ مِنْ النَّقْدِ وَاتَّحَدَ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ فِيهِمَا يَدًا بِيَدٍ وَرِبَا النَّسَاءِ يَحْرُمُ فِي النُّقُودِ وَالطَّعَامِ،
وَلَوْ جِنْسَيْنِ وَلَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ.
فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُجْمَلٌ وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الرِّبَوِيَّاتِ أَوْ أَنَّ هَذَا كَالتَّرْجَمَةِ لِمَا بَعْدَهُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ بَابُ حُرْمَةِ النُّقُودِ وَالطَّعَامِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي عَيْنٍ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ خَاصٌّ بِالْمَسْكُوكِ وَالْحُرْمَةُ لَا تَخْتَصُّ بِهِ وَبَدَأَ الْمُؤَلِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الصَّرْفِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ لِقَوْلِهَا مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِفُلُوسٍ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ فَقَالَ
(قَوْلُهُ وَمُوكِلُهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَهُوَ دَافِعُ الزِّيَادَةِ وَالْآكِلُ هُوَ قَابِضُ الزِّيَادَةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ جِنْسَيْنِ) يَرْجِعُ لِلنُّقُودِ وَالطَّعَامِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ فِي الطَّعَامِ وَحْدَهُ
(قَوْلُهُ فَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ هُنَا مُجْمَلٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ يَدْخُلُ النَّقْدَ مُطْلَقًا وَالطَّعَامَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ أَوْ أَنَّ هَذَا كَالتَّرْجَمَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مُجْمَلَةٌ لَكِنْ لَا يُنْظَرُ فِيهَا لِلْإِجْمَالِ بَلْ النَّظَرُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تَرْجَمَةً وَإِنْ لَزِمَهَا الْإِجْمَالُ
بِخِلَافِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ نَظَرَ فِيهَا لِلْإِجْمَالِ وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِأَنَّ قَوْلَهُ وَرِبَا فَضْلٍ يَشْمَلُ الْفَضْلَ فِي الصِّفَةِ مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ خَاصَّةٌ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِي عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً يُفِيدُ قَصْرَ قَوْلِهِ هُنَا فَضْلٍ عَلَى فَضْلِ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ دُونَ الصِّفَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّقْدَ خَاصٌّ بِالْمَسْكُوكِ) هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِ وَهِيَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَنَقَدَ إنْ سُكَّ يَعُمُّ الْمَسْكُوكَ وَغَيْرَهُ وَمُفَادُهُ أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَسْكُوكِ هَذَا مَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسُ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَيْنَ خَاصَّةٌ بِالْمَضْرُوبِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ وَلَفْظُهُ وَالْعَيْنُ مَا ضُرِبَ مِنْ الدَّنَانِيرِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا لَا أَوْلَوِيَّةَ
(وَحَرُمَ فِي) بَيْعِ (نَقْدٍ) أَيْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِنَقْدٍ (وَ) فِي بَيْعِ (طَعَامٍ) بِطَعَامٍ (رِبًا) بِكَسْرِ الرَّاءِ مَقْصُورًا (فَضْلٍ) أَيْ زِيَادَةٍ (وَ) رِبَا (نَسَاءٍ) بِفَتْحِ النُّونِ مَمْدُودًا، أَيْ تَأْخِيرٍ وَإِضَافَتُهُ لِلْبَيَانِ، وَدَلِيلُ حُرْمَةِ رِبَا الْفَضْلِ فِي النَّقْدِ خَبَرُ «لَا تُشِفُّوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ» ، بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ مُثْقَلَةً، أَيْ لَا تُفَضِّلُوا. وَحُرْمَةُ رِبَا النَّسَاءِ فِيهِ خَبَرُ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبَا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» . بِالْمَدِّ أَشْهَرُ مِنْ الْقَصْرِ، وَتُفْتَحُ الْهَمْزَةُ حَالَ الْمَدِّ وَكَسْرُهَا لُغَةٌ وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ أَصْلُهُ هَاكَ أُبْدِلَتْ الْكَافُ هَمْزَةً.
وَدَلِيلُ حُرْمَتِهِمَا فِي الطَّعَامِ وَفِي النَّقْدِ خَبَرُ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَسَوَاءً بِسَوَاءٍ وَيَدًا بِيَدٍ، فَإِذْ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا لَا دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ غَيْرُهُ بِمِثْلِهِمَا [منح الجليل] كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» أَيْ تَقَابُضًا أَيْ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الْمَطْعُومِيَّةِ وَالنَّقْدِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالنَّقْدِ مَعَ التَّأْخِيرِ.
وَاعْتَرَضَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ، الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ نَقْدٌ يُوهِمُ قَصْرَ حُرْمَةِ الرِّبَا عَلَى الْمَسْكُوكِ لِاخْتِصَاصِ النَّقْدِ بِهِ مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي التِّبْرِ وَالْمَصُوغِ وَالْمَكْسُورِ أَيْضًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ النَّقْدِ بِالْمَسْكُوكِ طَرِيقَةٌ لِابْنِ عَرَفَةَ وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَ الْمَسْكُوكِ وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا وَنَقْدٌ إنْ سُكَّ، وَقَوْلُهُ الْآتِي أَوْ غَابَ رَهْنٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَلَوْ سُكَّ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ رِبَا فَضْلٍ يَشْمَلُ فَضْلَ الصِّفَةِ وَالْحُرْمَةِ خَاصَّةً بِزِيَادَةِ الْقَدْرِ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الْوَزْنِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِي وَجَازَ قَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلُ صِفَةً إلَخْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا الْفَضْلُ فِي الْقَدْرِ دُونَ الصِّفَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ يَدْخُلُ النَّقْدَ مُطْلَقًا وَالطَّعَامَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيمَا اتَّحَدَ جِنْسُهُ مِنْهُمَا،
وَيَجُوزُ فِيمَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ فِيهِمَا يَدًا بِيَدٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا كَالتَّرْجَمَةِ لِمَا بَعْدَهُ فَهَذَا مُجْمَلٌ وَالْآتِي تَفْصِيلٌ لَهُ.
وحرم في نقد وطعام ربا فضل ونساء؛ يعني أنه يحرم في النقد ربا الفضل وربا النساء،
وكذلك يحرم في الطعام ربا الفضل وربا النساء، والربا الزيادة، والإضافة بيانية أي يحرم في النقد الربا الذي هو التفاضل بين النقدين أو الطعامين، كما أنه يحرم فيهما الربا الذي هو الزيادة في الزمن بأن يتأخر قبض أحد العوضين في النقد أو الطعام عن قبض الآخر، وهذا فيه إجمال لكن يؤخذ تفصيله من المص، وتَفْصِيلُهُ أن تقول: يحرم في النقد، والمراد به المذهب والفضة سكا أم لا الذي هو متحد الجنس التفاضل في القدر، كما يحرم فيه تأخر قبض أحد العوضين عن قبض الآخر،
وأما إن لم يتحد الجنس كذهب بيع بفضة فإنما يحرم ربا النَّساء لا التفاضل،
وأما الطعام فينقسم إلى ربوي وغيره، فالربوي يحرم فيه التفاضل بشرط اتحاد جنسه،
فإن لم يتحد جنسه جاز التفاضل، وحرم ربا النساء كغير الربوي، فإنه يحرم فيه ربا النساء مطلقا،
ويجوز فيه التفاضل مطلقا؛ أي اتحد الجنس أو اختلف، ويأتي الكلام على المزابنة،
وأما بيع النقد بالطعام فلا يدخله ربا الفضل ولا ربا النساء. والله سبحانه أعلم. قال الخرشي عند قوله: وحرم في نقد وطعام ربا فضل ونساء؛ أي وحرم كتابا وسنة وإجماعا، وصح رجوع ابن عباس عن [إباحة] ، ربا الفضل لقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده وقال: هم سواء) في نقد ذهب أو فضة، من أي نوع مضروب أو غيره أو طعام ومصلحه ربا فضل أي زيادة ونساء أي تأخير، لكن ربا الفضل يمتنع فيما اتحد جنسه من النقد واتحد من الطعام الربوي، ولا بأس به في مختلف الجنس فيهما يدا بيد، وربا النساء يحرم في النقود والطعام ولو جنسين أو غير ربويين، فكلام المؤلف هنا مجمل ويأتي تفصيله في باب الربويات،
وأن هذا كالترجمة لما بعده. انتهى المراد منه.
وقال عبد الباقي: ولما ذكر أركان البيع وشروطه وموانعه العامة شرع في موانع خاصة ببعض أنواعه، منها الربا مقصور وهو ربا فضل أي زيادة وربا نساء بالمد أي تأخير، فقال: وحرم في نقد وطعام ربا فضل ونساء، ودليل الحرمة في النقد خبر: (لا تُشِفُّوا الذهبَ والفضة (١) ) بضم المثناة فوق وكسر المعجمة أي لا تفضلوا، وخبر: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، بالمد أشهر من قصره، وبهمزة مفتوحة حالة المد وتكسر في لغة، وكررها لأنها من جانبي المتبايعين؛
أي خذ وخذ، وهو اسم فعل وأصله هاك أبدلت الكاف همزة، ودليل الحرمة فيه وفي الطعام ومصلحه خبر: (الذهبُ بالذهب والفضة بالفضة والبُرُّ بالبُرِّ والشعيرُ بالشعير والتمرُ بالتمر والملحُ بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد،
فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (٢) ). انتهى. قوله: مثلا بمثل، الظاهر أنه حال وسواء بسواء تأكيد لد وخبر المبتدأ المجرور بالباء في المواطن أو محذوف أي جاز مثلا، وقوله: يدا بيد حال أيضا ويحتمل أن تكون المثلية بالنسبة للموزون والمساواة بالنسبة للمكيل، فلا توكيد على هذا.
وقوله: فإذا اختلفت هذه الأجناس أي مع الاتفاق في عِلّية الربا كالطعمية في المطعومات والثمنية أو غلبتها في النقود، فلا يرد أن الخبر يوهم قصر جواز بيع الطعام كالبر بالذهب أو الفضة على كونه يدا بيد، لكونه ذكر اسم الإشارة بعد الجمل التي قدمها، وقيد الجواز بكونه يدا بيد مع أن الإجماع قام على جواز بيع الطعام بالنقد ولو غير يد بيد، وقد مر أن قوله: نقد، عام في أنواع الذهب والفضة، فيحرم ذلك في التبر والمصوغ والمسكوك والمكسور، وقوله: ربا فضل، المراد بالفضل زيادة القدر لا زيادة الصفة، فلا تحرم.
وللشيخ علي الأجهوري: ربا نَسَإ في النقد حَرِّمْ
ومثلُه … طعامٌ وإن جنساهما قد تعددا وخُصَّ رِبًا فضلٍ بنقد
ومثلُه … طعامُ رِبًا إن جنسُ كل تَوَحَّدا وبين ابن عرفة حقيقة الطعام بقوله: ما غلب اتخاذه لأكل الآدمي أو لإصلاحه أو شربه انتهى. فالذي غلب اتخاذه لأكل الآدمي كالقمح، والذي غلب لإصلاحه كالفلفل، وخرج الزعفران فإنه وإن كان مصلحا لكنه لم يغلب في ذلك، ودخل بقوله: شربه اللبنُ وخرج عنه الماء، فإنه لم يغلب لشرب الآدمي، وخرج ما اتخذ للدواء، والعلةُ في تحريم الربا في النقدين الثمنيةُ، وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمنين في كل الأمصار أو جلها، أو في كل الأعصار فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليهما، أو المعتبر مطلق الثمنية فتكون متعدية إلى غيرهما في ذلك خلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق.
انتهى. نقله الشيخ أبو علي.
وفي الإرشاد: والمنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس؛
وفي التفريع: ويكره صرف الفلوس إلى أجل وبيع بعضها ببعض متفاضلا حين كان يتعامل بها،
فأما في وقتنا هذا فهي كالعروض.
وفي التلقين: والتفاضل في الفلوس إذا حصل التعامل بها ممنوع وهو في الحقيقة منع كراهة لا منع تحريم. انتهى. نقله الرهوني. وجعلها ابن عرفة في تعريفه للصرف كالعين، فقال معرفا له: بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس. انتهى المراد منه.
وقال الغزالي من جملة كلام له في الدنانير والدراهم: خلق الله الدراهم والدنانير حاكمين متوسطين بين سائر الأموال، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار، وإنما قدر بهما لأنه لا غرض في أعيانهما،
فمن ملكهما كأنه ملك الأشياء كلها، فالنقد لا غرض فيه وهو وسيلة لكل غرض، فالدنانير والدراهم بهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، وهما محتاج إليهما من حيث إن الناس محتاجون إليهما لذوات كثيرة. انتهى المراد منه. وسيأتي قول المص: علة طعام الربا لخ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.