وباستخلاف الإمام
الشروح عليها
(وَ) ثَانِيهَا (بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) وَاحِدًا بَعْدَهُ وَلَوْ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَهْدِهِ إلَيْهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ. وَصُورَتُهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لِيَكُونَ هُوَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ خَلِيفَةً فِي حَيَاتِهِ غَيْرَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَوْتِهِ فَفِيهِ شِبْهٌ بِوَكَالَةٍ نُجِزَتْ وَعُلِّقَ تَصَرُّفُهَا بِشَرْطٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ قَضِيَّةِ الْعَهْدِ، وَعُلِمَ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْوَكَالَةِ رَدُّ قَوْلِ الْبُلْقِينِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْفَوْرُ فِي الْقَبُولِ،
وَيَجُوزُ الْعَهْدُ لِجَمْعٍ مَرَّتَيْنِ. نَعَمْ لِلْأَوَّلِ مَثَلًا بَعْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ الْعَهْدُ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَلَّ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا،
وَلَوْ أَوْصَى بِهَا لِوَاحِدٍ جَازَ لَكِنَّ قَبُولَ الْمُوصَى لَهُ وَاجْتِمَاعَ الشُّرُوطِ فِيهِ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي
(قَوْلُهُ: وَثَانِيهَا بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) خَرَجَ بِالْإِمَامِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ مَنْ يَكُونُ أَمِيرًا بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ مِنْ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ
(قَوْلُهُ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ) الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ فِي الْحَالِ الَّتِي يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ أَنِّي اسْتَعْمَلْت عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
فَإِنْ بَرَّ وَعَدَلَ فَذَلِكَ عِلْمِي وَرَأْيِي فِيهِ،
وَإِنْ جَارَ وَبَدَّلَ فَلَا عِلْمَ لِي بِالْغَيِّ، وَالْخَيْرَ أَرَدْت، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَهُ، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّته أَنَّهُ لَوْ أَخَرَّهُ) أَيْ عَقْدَ الْخِلَافَةِ
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْفَوْرُ فِي الْقَبُولِ)
فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ حَجّ حَيْثُ قَالَ: تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ لَفْظًا، وَقَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِمْ بِالْوَكَالَةِ أَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ الرَّدِّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِالِاحْتِيَاطِ لِلْإِمَامَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمْته فِي الْبَيْعَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ حَتَّى يُنْقَلَ عَنْهُ بِخِلَافِهِ هُنَا
(قَوْلُهُ: فِي حَيَاتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخِلَافَةِ
(قَوْلُهُ: لَوْ أَخَّرَهُ) يَعْنِي: الْخِلَافَةَ
(قَوْلُهُ: رَدُّ قَوْلِ الْبُلْقِينِيِّ إلَخْ.) يُوهِمُ اشْتِرَاطَ أَصْلِ الْقَبُولِ وَقَدْ مَرَّ خِلَافُهُ قَوْلُهُ: هَذَا إنْ مَاتَ الْإِمَامُ أَوْ كَانَ مُتَغَلِّبًا) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ:
وَكَذَا تَنْعَقِدُ لِمَنْ قَهَرَهُ: أَيْ قَهَرَ ذَا الشَّوْكَةِ عَلَيْهَا، فَيَنْعَزِلُ هَذَا،
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَهَرَ عَلَيْهَا مَنْ انْعَقَدَتْ إمَامَتُهُ بِبَيْعَةٍ أَوْ عَهْدٍ فَلَا تَنْعَقِدُ لَهُ وَلَا يَنْعَزِلُ الْمَقْهُورُ انْتَهَتْ
(وَ) ثَانِيهَا (بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) وَاحِدًا بَعْدَهُ وَلَوْ فَرْعَهُ أَوْ أَصْلَهُ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بِعَهْدِهِ إلَيْهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ وَصُورَتُهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ الْخِلَافَةَ فِي حَيَاتِهِ لِيَكُونَ، هُوَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ فَهُوَ،
وَإِنْ كَانَ خَلِيفَةً فِي حَيَاتِهِ لَكِنْ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَوْتِهِ فَفِيهِ شَبَهٌ بِوَكَالَةٍ نُجِّزَتْ وَعُلِّقَ تَصَرُّفُهَا بِشَرْطٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا هُنَا مِنْ التَّرْدِيدَاتِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ خَلِيفَةٌ حَالًا وَإِنَّمَا الْمُنْتَظَرُ تَصَرُّفُهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ وِصَايَةٍ قَوْلُهُمْ: وَقْتُ قَبُولِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ مِنْ الْعَهْدِ إلَى الْمَوْتِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ قَضِيَّةِ الْعَهْدِ وَبِتَشْبِيهِهِمْ لَهُ بِالْوَكَالَةِ انْدَفَعَ قَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْفَوْرُ فِي الْقَبُولِ وَقَوْلُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ فِيهِ وَقْتَ الْعَهْدِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ إلَّا عِنْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ احْتَاجَ لِلْبَيْعَةِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ لَفْظًا وَقَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِ بِالْوَكَالَةِ أَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ الرَّدِّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِالِاحْتِيَاطِ لِلْإِمَامَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمْتُهُ فِي الْبَيْعَةِ بِأَنَّهُ ثَمَّ لَمْ يَنُبْ عَنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقْبَلَ عَنْهُ بِخِلَافِهِ هُنَا
وَيَجُوزُ الْعَهْدُ لِجَمْعِ مُتَرَتِّبِينَ نَعَمْ لِلْأَوَّلِ مَثَلًا بَعْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ الْعَهْدُ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَلَّ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا وَلَوْ أَوْصَى بِهَا لِوَاحِدٍ جَازَ لَكِنَّ قَبُولَ الْمُوصَى لَهُ وَاجْتِمَاعَ الشُّرُوطِ فِيهِ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي
(قَوْلُ الْمَتْنِ بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) خَرَجَ بِالْإِمَامِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ مَنْ يَكُونُ أَمِيرًا بَعْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ مِنْ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: وَاحِدًا بَعْدَهُ) إلَى قَوْلِهِ وَصُورَتُهُ فِي الْمُغْنِي وَإِلَى قَوْلِهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَاحِدًا بَعْدَهُ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي شَخْصًا عَيَّنَهُ فِي حَيَاتِهِ لِيَكُونَ خَلِيفَةً بَعْدَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَبِّرُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ
(قَوْلُهُ: كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بَالِدِينَا وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ أَنِّي اسْتَعْمَلْت عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنْ بَرَّ وَعَدَلَ فَذَاكَ عِلْمِي وَرَأْيِي فِيهِ،
وَإِنْ جَارَ وَبَدَّلَ فَلَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ مُغْنِي وَعِ ش
(قَوْلُهُ: فِي حَيَاتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخِلَافَةِ اهـ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا) أَيْ التَّصْوِيرِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ خَلِيفَةٌ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْمَوْصُولِ
(قَوْلُهُ: قَوْلُهُمْ إلَخْ) فَاعِلُ يُؤَيِّدُ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْعَهْدِ إلَخْ) خَبَرُ وَقْتُ قَبُولِ الْمُعَيَّنِ
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) إلَى قَوْلِهِ وَقَوْلُهُمْ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالرَّوْضِ مَعَ شَرْحِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ الْخَلِيفَةُ فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ،
وَإِنْ تَرَاخَى عَنْ الِاسْتِخْلَافِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ،
وَإِنْ بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ اشْتِرَاطَ الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ الْحَيَاةِ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِيصَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَوْ أَخَّرَهُ) أَيْ عَقْدَ الْخِلَافَةِ ع ش رَشِيدِيٌّ أَقُولُ هَذَا ظَاهِرُ صَنِيعِ النِّهَايَةِ لَكِنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ وَمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْمُغْنِي وَالْأَسْنَى صَرِيحَانِ فِي أَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْقَبُولُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ سم فِيمَا يَأْتِي عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لَوْ أَخَّرَهُ إلَخْ) الَّذِي فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ أَيْ الْقَبُولَ عَنْ حَيَاتِهِ رَجَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إلَى الْإِيصَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ انْتَهَى اهـ
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَخْ) الَّذِي فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ أَيْ الْقَبُولَ عَنْ حَيَاتِهِ رَجَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إلَى الْإِيصَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ) كَذَا شَرْحُ م ر
(قَوْلُهُ: لِجَمْعِ مُتَرَتِّبِينَ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَتَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ عَلَى مَا رَتَّبَ اهـ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لِلْأَوَّلِ مَثَلًا بَعْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ الْعَهْدُ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَلَهُ تَبْدِيلُ عَهْدِ غَيْرِهِ لَا عَهْدِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُجْبَرُوا) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُمْ وَلَا غَيْرُ الْمَعْهُودِ إلَيْهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) ثَانِيهِمَا يَنْعَقِدُ (بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) شَخْصًا عَيَّنَهُ فِي حَيَاتِهِ لِيَكُونَ خَلِيفَتَهُ بَعْدَهُ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بِعَهِدْتُ إلَيْهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، بِقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ، إنِّي اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
فَإِنْ بَرَّ وَعَدَلَ فَذَاكَ عِلْمِي بِهِ وَعِلْمِي فِيهِ،
وَإِنْ جَارَ وَبَدَّلَ فَلَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ، وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، فَلَا عِبْرَةَ بِاسْتِخْلَافِ الْجَاهِلِ وَالْفَاسِقِ،
وَأَنْ يَقْبَلَ الْخَلِيفَةَ فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ،
وَإِنْ تَرَاخَى عَنْ الِاسْتِخْلَافِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ،
وَإِنْ بَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ اشْتِرَاطَ الْفَوْرِ،
فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ الْحَيَاةِ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِيصَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الْأَصْلَحَ لِلْإِمَامَةِ بِأَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ،
فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ وَلَّاهُ، وَلَهُ جَعْلُ الْخِلَافَةِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِعَمْرٍو، ثُمَّ بَعْدَهُ لِبَكْرٍ، وَتَنْتَقِلُ عَلَى مَا رَتَّبَ كَمَا رَتَّبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَرَاءَ جَيْشِ مُؤْتَةَ،
فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ فَالْخِلَافَةُ لِلثَّانِي،
وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي أَيْضًا فَهِيَ لِلثَّالِثِ،
وَإِنْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ أَحْيَاءً وَانْتَصَبَ الْأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى غَيْرِ الْأَخِيرَيْنِ، لِأَنَّهَا لَمَّا انْتَهَتْ إلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا،
بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إلَى أَحَدٍ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَيْعَةِ أَنْ يُبَايِعُوا غَيْرَ الثَّانِي وَيُقَدَّمُ عَهْدُ الْأَوَّلِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ،
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِخْلَافِ رِضَا أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ: بَلْ إذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ جَازَ بَيْعَتُهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ غَيْرِهِ وَلَا مُشَاوَرَةِ أَحَدٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ،
(وَ) تَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) مَنْ عَيَّنَهُ أَيْ جُعِلَهُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَهْدِهِ إلَيْهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَيْنِهِ) وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ وَلَوْ أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ أَوْ جَمَاعَةٌ مُتَرَتِّبِينَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ جَعَلَهُ إلَخْ) أَيْ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لِيَكُونَ خَلِيفَةً بَعْدَهُ،
وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ قَبْلَ مَوْتِ مَنْ عَهِدَ لَهُ،
وَلَوْ غَابَ الْمَعْهُودُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَضَرَّرُوا بِغَيْبَتِهِ فَلَهُمْ إقَامَةُ نَائِبٍ عَنْهُ مَكَانَهُ يَنْعَزِلُ بِقُدُومِهِ، وَيُعْتَبَرُ تَرْتِيبُهُ وَلَوْ مَاتَ مُقَدَّمٌ تَوَلَّى مَنْ بَعْدَهُ وَلِمَنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِ تَوْلِيَةُ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَبِاسْتِخْلَافٍ) أَيْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ وَقْتَ الِاسْتِخْلَافِ لَا وَقْتَ الْمَوْتِ فَقَطْ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ أَيْضًا، وَوَقْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُسْتَخْلِفِ عَلَى وَجْهٍ
وَالصَّحِيحُ مَا بَيْنَ الِاسْتِخْلَافِ وَالْمَوْتِ،
قال: (وباستخلاف الإمام) هذه الطريقة الثانية، وهي استخلاف الإمام وعهده إليه،
فإذا مات .. صار إمامًا،
وكذلك إذا عزل نفسه.
واستدل لذلك بعهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما، وانعقد الإجماع على ذلك، كذا قاله الرافعي،
وفي المسألة وجهان في (الإشراف) للهروي.
وممن ولي بعهد من الخلفاء: يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد ابنه، وسليمان أخوه، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام أخوه، والوليد بن يزيد، وإبراهيم بن الوليد، وأبو جعفر المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والواثق، والمنتصر، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر، والطائع، والقائم بأمر الله.
كل هذا إذا كان صالحًا للإمامة،
فإن كان فاسقًا أو صغيرًا عند العهد كاملًا عند موت المستخلف .. فلا بد من بيعة حينئذ كما جزم به في (الغياثي)، وصوبه في (الروضة)، وأنكر على الرافعي التوقف فيه. وكيفية الاستخلاف: أن يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعد مته،
فإن أوصى له بالإمامة .. فوجهان؛ لأنه بالموت خرج عن الإمامة فلا يصح منه تولية غيره.
قال الرافعي:(ولك أن تقول: هذا التوجيه يشكل بكل وصاية، ثم جعلُه خليفةً في حياته إن أريد به استنابة .. فلا يكون هذا عهدًا إليه بالإمامة،
وإن أريد جعله إمامًا في الحال .. فهذا
إما خَلَعَ نفسه، أو اجتماعُ إمامين في وقت، وكلاهما لا يجوز، أو يريد جعله خليفة بعد موته .. فهذا معنى الوصية، ولا فرق بينهما) اهـ وعلى كل تقدير: فلا بد من قبول المعهود إليه، ووقته على الأصح: من العهد إلى الموت.
وينبني على هذا الخلاف: أن المعاهد هل له خلعه؟ جزم المتولي بالجواز؛ لأن الخلافة لم تنتقل إليه فلا يخشى منه فتنة.
وجزم الماوردي بالمنع من غير سبب، ورجحه الإمام والمصنف في زوائد (الروضة).
فإن امتنع المعهود إليه من القبول .. بويع غيره وكأنه لا عهد.
ويجوز العهد إلى الوالد والولد كما يجوز إلى غيرهما.
وقيل: يمتنع ذلك كالتزكية والحكم لهما.
وقيل: يفترق الحال بين الوالد والولد؛ لن الميل إلى الولد أشد.
ولو أراد ولي العهد أن ينقل ما إليه من العهد إلى غيره .. لم يجز.
ولو عهد إلى جماعة مرتبين كفلان ثم فلان ثم فلان .. جاز وانتقلت الخلافة إليهم، كما رتب النبي صلى الله عليه وسلم أمراء مؤتة.
فإن مات الأول في حياة الخليفة .. فالخلافة للثاني،
وإن مات الأول والثاني .. فهي للثالث.
وإن مات الخليفة وبقي الثلاثة أحياء فانتصب الأول .. كان له أن يعهد بها إلى غير الآخرين؛ لأنها لما انتهت إليه .. صار أملك بها،
بخلاف ما إذا مات ولم يعهد إلى أحد؛ فليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني، ويقدم عهد الأول على اختيارهم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.