وإذا اختار ذمي نبذ العهد واللحاق بدار الحرب بلغ المأمن.
الشروح عليها
(وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بُلِّغَ الْمَأْمَنَ) وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَقْرَبِ بِلَادِهِمْ لِعَدَمِ ظُهُورِ جِنَايَةٍ مِنْهُ. كِتَابُ الْهُدْنَةِ مِنْ الْهُدُونِ وَهُوَ السُّكُونُ لِسُكُونِ الْفِتْنَةِ بِهَا، إذْ هِيَ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا: مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ الْمُدَّةَ الْآتِيَةَ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً وَمُسَالَمَةً وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ أَوَّلُ سُورَةِ بَرَاءَةَ «وَمُهَادَنَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» ، وَكَانَتْ سَبَبًا لِفَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ أَهْلَهَا لَمَّا خَالَطُوا الْمُسْلِمِينَ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ أَصَالَةً، وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا لُحُوقُ ضَرَرٍ لَنَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وَشَرْعًا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَخْ، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِمَا ذُكِرَ قَصْدًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مَعْلُومًا مِنْ اشْتِرَاطِ الصِّيغَةِ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمُؤَثِّرِ بِاسْمِ الْأَثَرِ أَوْ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: بَلَغَ الْمَأْمَنَ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ أَقْرَبُ بِلَادِ الْحَرْبِ مِنْ دَارِنَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا فِي النَّصْرَانِيِّ ظَاهِرٌ،
وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَلَا مَأْمَنَ لَهُ نَعْلَمُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ بَلْ دِيَارُ الْحَرْبِ كُلُّهُمْ نَصَارَى فِيمَا أَحْسِبُ وَهْم أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَّا، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْيَهُودِيِّ اخْتَرْ لِنَفْسِك مَأْمَنًا وَاللُّحُوقَ بِأَيِّ دِيَارِ الْحَرْبِ شِئْت. [كِتَابُ الْهُدْنَةِ] بَابُ الْهُدْنَةِ
(وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ، وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بُلِّغَ الْمَأْمَنَ) أَيْ: الْمَحَلَّ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ بِلَادِهِمْ مِنْ دَارِنَا مِمَّا يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِيَانَةٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُ الْمَتْنِ: بُلِّغَ الْمَأْمَنَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَذَا فِي النَّصْرَانِيِّ ظَاهِرٌ،
وَأَمَّا الْيَهُودِيُّ فَلَا مَأْمَنَ لَهُ نَعْلَمُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، بَلْ دِيَارُ الْحَرْبِ كُلُّهُمْ نَصْرَانِيٌّ فِيمَا أَحْسَبُ، وَهُمْ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَّا، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لِلْيَهُودِيِّ اخْتَرْ لِنَفْسِك مَأْمَنًا، وَاللُّحُوقَ بِأَيِّ دَارِ الْحَرْبِ شِئْت اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: أَيْ: الْمَحَلَّ الَّذِي هُوَ إلَخْ) وَلَا يَلْزَمُنَا إلْحَاقُهُ بَلَدَهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ بِلَادِ الْكُفْرِ، وَمَسْكَنِهِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُ لِلْمُرُورِ عَلَيْهِ،
وَلَوْ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ إلَى بَلَدِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ رِسَالَةٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَمَانٍ فِي نَفْسِهِ، وَمَالِهِ،
وَإِنْ رَجَعَ لِلِاسْتِيطَانِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ،
وَلَوْ رَجَعَ، وَمَاتَ فِي بِلَادِهِ، وَاخْتَلَفَ الْوَارِثُ، وَالْإِمَامُ هَلْ انْتَقَلَ لِلْإِقَامَةِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي رُجُوعِهِ إلَى بِلَادِهِ الْإِقَامَةُ اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ خِيَانَةٌ) ، وَلَا مَا يُوجِبُ نَقْضَ عَهْدِهِ فَبُلِّغَ مَكَانًا يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ.
(خَاتِمَةٌ) الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ اسْمَ مَنْ عَقَدَ لَهُ، وَدِينَهُ، وَحِلْيَتَهُ، فَيَتَعَرَّضُ لِسِنِّهِ أَهُوَ شَيْخٌ أَمْ شَابٌّ، وَيَصِفُ أَعْضَاءَهُ الظَّاهِرَةَ مِنْ وَجْهِهِ، وَلِحْيَتِهِ، وَحَاجِبَيْهِ، وَعَيْنَيْهِ، وَشَفَتَيْهِ، وَأَنْفِهِ، وَأَسْنَانِهِ، وَآثَارِ وَجْهِهِ إنْ كَانَ فِيهِ آثَارٌ، وَلَوْنُهُ مِنْ سُمْرَةٍ، وَشُقْرَةٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَيَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنْ طَوَائِفِهِمْ عَرِيفًا مُسْلِمًا يَضْبِطُهُمْ لِيُعَرِّفَهُ بِمَنْ مَاتَ، أَوْ أَسْلَمَ، أَوْ بَلَغَ مِنْهُمْ، أَوْ دَخَلَ فِيهِمْ،
وَأَمَّا مَنْ يُحْضِرُهُمْ لِيُؤَدِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، أَوْ يَشْتَكِيَ إلَى الْإِمَامِ مِمَّنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ مِنَّا، أَوْ مِنْهُمْ، فَيَجُوزُ جَعْلُهُ عَرِيفًا لِذَلِكَ،
وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ إسْلَامُهُ فِي الْغَرَضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ مُغْنِي، وَرَوْضٌ مَعَ شَرْحِهِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَلَغَ) عَلَى الْمَذْهَبِ (الْمَأْمَنَ) السَّابِقَ تَفْسِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ خِيَانَةٌ، وَلَا مَا يُوجِبُ نَقْضَ عَهْدِهِ فَبَلَغَ مَكَانًا يَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ،
وَلَوْ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ إلَى بِلَادِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَمَانِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ،
وَإِنْ رَجَعَ لِلِاسْتِيطَانِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ،
وَلَوْ رَجَعَ وَمَاتَ فِي بِلَادِهِ وَاخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْإِمَامُ هَلْ انْتَقَلَ لِلْإِقَامَةِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ.
أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي رُجُوعِهِ إلَى بِلَادِهِ الْإِقَامَةُ.
فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَوْ عَاشَ إبْرَاهِيمُ لَعَتَقْت أَخْوَالَهُ، وَلَوَضَعْت الْجِزْيَةَ عَنْ كُلِّ قِبْطِيٍّ» وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَلَّمَ مُعَاوِيَةَ فِي أَهْلِ قَرْيَةِ أُمِّ إبْرَاهِيمَ فَسَامَحَهُمْ بِالْجِزْيَةِ إكْرَامًا لِسَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: لَوْ عَاشَ إبْرَاهِيمُ لَكَانَ نَبِيًّا بَاطِلٌ. خَاتِمَةٌ: الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ اسْمَ مَنْ عَقَدَ لَهُ وَدِينَهُ وَحِلْيَتَهُ، وَيَتَعَرَّضَ لِسِنِّهِ أَهُوَ شَيْخٌ أَمْ شَابٌّ، وَيَصِفَ أَعْضَاءَهُ الظَّاهِرَةَ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ وَحَاجِبِيهِ وَعَيْنَيْهِ وَشَفَتَيْهِ وَأَنْفِهِ وَأَسْنَانِهِ وَآثَارِ وَجْهِهِ إنْ كَانَ فِيهِ آثَارٌ وَلَوْنُهُ مِنْ سُمْرَةٍ وَشُقْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَيَجْعَلَ لِكُلٍّ مِنْ طَوَائِفِهِمْ عَرِيفًا مُسْلِمًا يَضْبِطُهُمْ لِيُعَرِّفَهُ بِمِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ مِنْهُمْ أَوْ دَخَلَ فِيهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ يَحْضُرُهُمْ لِيُؤَدِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، أَوْ يَشْتَكِي إلَى الْإِمَامِ مَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ عَرِّيفًا كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ إسْلَامُهُ فِي الْفَرْضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ. .
[
(وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَلَغَ الْمَأْمَنَ) أَيْ مَا يَأْمَنُ فِيهِ لِيَكُونَ مَعَ النَّبْذِ الْجَائِزِ لَهُ خُرُوجُهُ بِأَمَانٍ كَدُخُولِهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (بَلَغَ الْمَأْمَنَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نَاقِضٌ وَلَا خِيَانَةٌ وَمَأْمَنُهُ دَارُ الْحَرْبِ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ مَا يَأْمَنُ فِيهِ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَغَيْرِهِمَا،
وَمَنْ لَهُ مَأْمَنَانِ اُعْتُبِرَ مَسْكَنُهُ مِنْهُمَا فَإِنْ سَكَنَهُمَا تَخَيَّرَ الْإِمَامُ.
[بَابُ الْهُدْنَةِ] ِ مِنْ الْهُدُونِ وَهُوَ السُّكُونُ بِسُكُونِ الْقِتَالِ بِسَبَبِهَا فَفِيهَا شَبَهٌ بِالْجِزْيَةِ وَالْأَمَانِ كَمَا مَرَّ، وَتُسَمَّى مُهَادَنَةً وَمُسَالَمَةً وَمُعَاهَدَةً وَمُوَادَعَةً وَأَصْلُهَا الْجَوَازُ وَقَدْ تَجِبُ،
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإذا اختار ذمي نبذ العهد واللحوق بدار الحرب .. بُلِّغ المأمن) ؛ لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نق ض عهده فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.
وقيل بإجراء القولين؛ لأنه بعد نبذ العهد كافر لا أمان له.
وصورة المسألة: أن ينبذ ذلك من غير أذى،
فأما مع الأذى .. فقد تقدم حكمه، وهذا بناه المصنف على أن الذمة عقد جائز من جهة الذمي، وأنه لا يجبر على الوفاء بالذمة.
وحكى الإمام في (باب البغاة) فيه الاتفاق.
و (المأمن) بفتح الميمين: موضع الأمن، والمراد به: أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام،
ولا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك، إلا أن يكون بين أول بلاد الكفر ومسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه.
وقال في (البحر) لو كان له مأمنان .. ألحق بما يسكنه منهما،
فإن سكن بلدين .. تخير الإمام.
تتمة:
إذا رجع المستأمن إلى بلاده الإمام لتجارة أو رسالة .. فهو باق على أمانه في نفسه وماله،
فإن رجع للاستيطان .. انتقض عهده.
فإن رجع فمات في بلاده واختلف الوارث والإمام: هل انتقل للإقامة فهو حربي، أو للتجارة فلا ينتقض عهده؟ أجاب فيها بعض علماء العصر بأن قول الإمام؛ لأن الأصل في رجوعه إلى بلاده الإقامة، ولأن الوارث يدعي سفرين والإمام يدعي سفرًا، والأصل: عدم الثاني؛ لأن المارودي قال إذا اختلف الزوجان في السفر هل هو للعود أو النقلة: إن سفر النقلة واحد وسفر العود اثنان .. فكان القول في الثاني قول منكره.
...
خاتمة روى الحافظ أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما عن جعفر بن محمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو عاش إبراهيم .. لأعتقت أخواله،
ولو ضعت الجزية عن كل قبطي).
وروي أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن يزيد بن أبي حبيب: أن الحسن بن علي كلم معاوية في أهل حَفْن من كورة أَنْصِنا- قرية أم إبراهيم- فسامحهم بالجزية إكرامًا لإبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن روى أنس بن مالك أنه قال:(لو عاش إبراهيم .. لكان صديقًا نبيًا).
قال أبو عمر: لا أدري ما وجه هذا القول، فقد ولد نوح غير نبي،
ولو لم يلد النبي إلا نبيًا .. لكان كل أحد نبيًا؛ لأنهم من ولد نوح عليه السلام.
قال المصنف: ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم .. لكان نبيًا) باطل، وفيه جسارة على الكلام في المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم الزلات.
و (حَفْن) بفتح الحاء المهملة وإسكان الفاء.
و (أنصنا) بفتح أوله وإسكان النون بعده صاد مهملة مكسورة ونون وألف: من صعيد مصرن كذا ضبطه أبو عبد الله البكري،
وقال: إنها كانت مدينة السحرة في زمن فرعون.
*** [كتاب الهدنة] لفظها مشتق من الهدون, وهو: اللين والسكون, ومنه قيل للمصالحة: المهادنة, لأنها ملاينة أحد الفريقين, ومنه قولهم: هدنة علي دخن.
قال الجاحظ: وهذا من كلمات النبي صل الله عليه وسلم لم يسبق إليها.
وهي في الشرع: معاقدة أهل الحرب علي ترك القتال مدة معلومة بعوض أو غيره, وتسمي: موادعة, ومعاهدة, ومسالمة.
وفي الحديث:(أن النبي صل الله عليه وسلم وادع اليهود علي غير جزية لما نزل المدينة حين كان في المسلمين قلة) و (وهادن قريشاَ عام الحديبية عشر سنين حين لم يقو الاسلام بعد.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالي: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْض أَرْبَعَة أَشْهُر} أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر,
قال: (عقدها لكفار افليم يختص بالإمام أو نائبه فيها) , لما فيها من الخطر, والإمام هو الذي يتولي الأمور العظام, وهو أعرف بالمصالح من الآحاد وأقدر علي التدبير منهم,
ولو جاز ذلك من الآحاد .. لأدي إلي تعطيل الجهاد, ولا يقوم إمام أهل البغي في ذلك مقام إمام أهل العدل,
فلو عقدها واحد من الناس لأهل إقليم .. لم يغتالوا, بل يردوا إلي الأمن. وعلم من تعبيره بـ (العقد) اعتبار الإيجاب والقبول, والمعتبر فيه ما تقدم في الأمان.
وفي (الإشراف) للهروي: لو عقدها رئيس الكفار لأهل بلد أو إقليم وسكت الباقون .. جاز.
وشروط الهدنة أربعة ذكرها المصنف:
أحدهما: أن يكون لكفار إقليم, وهو أحد إقاليم الأرض, أي: أقسامها, وهي سبع أقاليم في الربع المسكون من الأرض, أطولها وأعرضها الأول, وأقصرها طولا وعرضا السابع, وبقيتها مختلفة طولا وعرضآ, وهذه الأقاليم وضعها الملوك الأولون الذين طافوا الربع العامر كالإسكندر وأزدشير.
والمراد بـ (الإقليم) هنا: بحر الروم والهند والعراق.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.