لَا شَرْطًا فَتَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ مَعَ عُذْرٍ
الشروح عليها
(لَا شَرْطًا) أَيْ: لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصًّا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ الْجَمَاعَةُ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»" رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَأَبَا دَاوُد وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْذُور لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ لَوْلَا الْعُذْرُ لِلْخَبَرِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ لِلْعِبَادَةِ شَيْءٌ وَتَصِحُّ بِدُونِهِ، كَوْنُهُ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَكَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ. (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُنْفَرِدٍ) لَا عُذْرَ لَهُ، وَيَأْثَمُ، وَفِيهَا فَضْلٌ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ عُذْرٍ) كَمَا سَبَقَ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(لا شرط) يعني: أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة. نص أحمد على ذلك؛ للأحاديث الصحيحة بتفضيلها على صلاة المنفرد،
ولا يصح حملها على المعذور؛ لأن المعذور يكتب له من الأجر ما كان يفعله لولا العذر كما فى دلت عليه النصوص الصحيحة.
ولأنها صلاة لا يشترط لصحتها بقاء الوقت. فلم تشترط لها الجماعة؛ كالفائتة. وعكسه الجمعة، ولا يقال بأن المؤداة تجب لها الجماعة.
بخلاف الفائتة؛ لأنا نقول لا يمتنع أن يجب للعبادة شيء، وتصح بدونه كواجبات الحج، وكفعل الصلاة في الوقت يجب ولو تركها حتى فات الوقت أثِمَ وصحت. إذا تقرر هذا (فتصح) مع الإثم (من منفرد) لا عذر له.
قال الموفق: لا نعلم أحدًا قال بوجوب الإعادة على من صلى وحده، إلا أنه قد روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود أنهم قالوا:" من سمع النداء وصلى منفردًا من غير عذر فلا صلاة له " . انتهى.
] وفي صلاة المنفرد من غير عذر فضل. خلافا لما نقله أبو الخطاب عن الأصحاب . قاله في " الفروع "] . (ولا ينقص أجره) أي: أجر من صلى منفردا (مع عذر) خلافا لأبي الخطاب وجماعة.
* قوله: (لا شرطٌ) خلافًا لابن عقيل .
* قوله: (ولا ينقصُ أجرُه مع عُذر) ظاهره أنها تنقص مع عدم العذر، والأحاديث ناطقة بذلك، منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة"،. . . . . .
وفي رواية:"بخمس (١) وعشرين درجة"، ولا منافاة، لأن القليل لا ينفي الكثير، أو أنه أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه اللَّه بزيادة الفضل، فأخبر بها، أو أن ذلك يختلف باختلاف المصلِّين، والصلاة؛ أو أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده؛ أو أن الأولى في الصلاة الجهرية، والثانية في السرية؛ لأنها تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإمام والتأمين لتأمينه.
ووجه كونها بسبع وعشرين: أن الجماعة ثلاثة، والحسنة بعشرة أمثالها، فقد حصل لكل واحد عشرة، فالجملة ثلاثون، لكل واحد رأس ماله، واحد، يبقى تسعة، تضرب في ثلاثة، بسبع وعشرين، وربُّنا يعطي لكلِّ إنسان ما للجماعة، فصار لكل سبعة وعشرون.
وحكمة أن أقل الجماعة اثنان: أن ربَّنا -جل وعلا- يعطيهما بمَنِّه وكرمه ما يعطي الثلاثة، وقد أوضح ذلك غاية الإيضاح، مع زيادة حكمة لذلك، الجلال السيوطي في الأمالي، وأفرده في جزء سماه "معرفة الخصال الموصلة إلى الظِّلال"، قاله الرملي الشافعي في شرح المنهاج .
وقال في المبدع : "وقال ابن هبيرة (٢) : إنه نشأ من ضرب خمسة في مثلها، ويزاد على ذلك الوحدة والاجتماع"، انتهى.
ولم يبين ما المراد من الخمسة المضروبة، ولا الخمسة المضروب فيها، على أن جَعْل الوحدة والاجتماع، من فضل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ. نظرٌ ظاهر.
ثم رأيت عبارة ابن هبيرة ونصها: "لما كانت صلاة الفَذِّ مفردة أشبهت العدد المفرد، فلما جمعت مع غيرها أشبهت ضرب العدد، وكانت خمسًا، فضربت في خمس، فصارت خمسًا وعشرين، وهي غاية ما يرتفع إليه ضرب الشيء في نفسه، وأُدخلت صلاة المنفرد، وصلاة الإمام مع المضاعفة في الحساب"، انتهى. وقد أبدى الحَلِيمي الشافعي حكمة أخرى لتوجيه الروايتَين، وهي:"أن صلاة واحدة بالجماعة كالصلوات الخمس بدونها، فتضرب الخمسة الحاصلة بالصلاة الواحدة بجماعة في الخمس عدد الصلوات، فيحصل خمس وعشرين، وركعات الخمس سبع عشرة، ورواتبها المؤكدة عشر (٣) ، والمجموع سبعة وعشرون".
قال ابن حجر الشافعي في شرح المنهاج : "وحكمة السبع والعشرين أن فيها فوائد تزيد على صلاة الفذ بنحو ذلك، كما بينه في شرح العباب (٦) "، انتهى.
والذي بيَّنه في شرح العباب هو قوله: "ووجَّهَهما الحَلِيمي بتمييز الجماعة بفضائل؛ لأن صلاة فيها كالصلوات الخمس بدونها، وهي سبع عشرة ركعة، ورواتبها عشر، وبفوائد تعود على المصلِّي، كأمَنة من السهو، وإظهار شعار الدين، وكثرة العمل، وانتظار الصلاة، والمشي إليها، والاجتماع بجماعة المسلمين، وتفقد أحوالهم، وإفشاء السلام بينهم، وسؤال بعضهم عن بعض، والحمل على إنشاء المساجد، وعمارة مُنهدِمها، ونصب مؤذن وإمام، وتشبيه صلاتهم بالجمعة، التي هي أكمل الصلوات، وإيقاع الصلاة أول الوقت غالبًا، وغيظ الكفار بمشاهدتهم اجتماع المسلمين، واهتمامهم بأمر دينهم، وتشبههم بالملائكة القائلين {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ}، وبالمجاهدين الذين مدحهم اللَّه بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا}، والبعد عن التكبر عن اقتداء بعضهم ببعض، والإعانة على البر بتعليم الجاهل، والدعاء للنفس والقوم ، وإظهار الاحتياط للغيرِ ليصلِّي معه، فيقوى به، والتشبه بالحج، وبالصوم،
فإن المسلمين يحجُّون ويصومون معًا، فناسب أن يصلُّوا معًا، والتسبب في جهر الإمام الذي هو الزيادة في الخير، والاستدارة حول الكعبة، وكونها زينة للفرض، كما أنها زينة للحج، إذ هي من مناسكه، ونصرة حاضرة، حتى لو وقع خوف حرس بعضهم بعضًا، وصلاة الانفراد خذلان ووحشة، قال فهذه سبعة وعشرون
فائدة"، انتهى -واللَّه أعلم-.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.