وَهُوَ أَضْرُبٍ شَرِكَةُ عِنَانٍ وَهِيَ أَنْ يُحْضِرَ كُلُّ مِنْ عَدَدِ جَائِزُ التَّصَرُّفِ مِنْ مَالِهِ نَقْدًا مَضْرُوبًا مَعْلُومًا وَلَوْ مَغْشُوشًا قَلِيلًا أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتًا أَوْ شَائِعًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إنْ عَلِمَ كُلٌّ قَدْرَ مَالِهِ لِيَعْمَلَ فِيهِ كُلٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ أَوْ جُزْءًا مُشَاعًا مَعْلُومًا أَوْ يُقَالُ بَيْنَنَا فَيَسْتَوُونَ فِيهِ
الشروح عليها
(وَهُوَ) أَيْ: الِاجْتِمَاعُ فِي التَّصَرُّفِ خَمْسَةُ: (أَضْرُبٍ) جَمْعُ ضَرْبٍ أَيْ: صِنْفٌ. أَحَدُهَا: (شَرِكَةُ عِنَانٍ) وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا بَلْ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِوَائِهَا فِي الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ كَالْفَارِسَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي السَّيْرِ فَإِنْ عِنَانَيْ فَرَسَيْهِمَا يَكُونَانِ سَوَاءٌ أَوْ لِمِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ فِي كُلِّ الْمَالِ كَمَا يَتَصَرَّفُ الْفَارِسُ فِي عِنَانِ فَرَسِهِ، أَوْ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إذَا عَرَضَ ; لِأَنَّهُ عَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُشَارَكَةُ صَاحِبِهِ أَوْ مِنْ الْمُعَانَّةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ ;
; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُعَارِضٌ لِصَاحِبِهِ بِمَالِهِ وَعَمَلِهِ. (وَهِيَ) أَيْ: شَرِكَةُ الْعِنَانِ (أَنْ يُحْضِرَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ عَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (جَائِزُ التَّصَرُّفِ) فَلَا تُعْقَدُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ وَلَا مَعَ صَغِيرٍ وَلَا سَفِيهٍ (مِنْ مَالِهِ) فَلَا تُعْقَدُ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ (نَقْدًا) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً (مَضْرُوبًا) أَيْ: مَسْكُوكًا وَلَوْ بِسِكَّةِ كُفَّارٍ (مَعْلُومًا) قَدْرًا وَصِفَةً (وَلَوْ) كَانَ النَّقْدُ (مَغْشُوشًا قَلِيلًا) لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ لَا كَثِيرًا (أَوْ) كَانَ النَّقْدُ (مِنْ جِنْسَيْنِ) كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (أَوْ) كَانَ (مُتَفَاوِتًا) بِأَنْ أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ (أَوْ) كَانَ (شَائِعًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إنْ عَلِمَ كُلٌّ) مِنْهُمْ (قَدْرَ مَالِهِ) كَمَا لَوْ وَرِثُوهُ، لِأَحَدِهِمْ النِّصْفُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ وَلِآخَرَ السُّدُسُ وَاشْتَرَكُوا فِيهِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى عَرْضٍ نَصًّا ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ
إمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى عَيْنِ الْعَرْضِ أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ وَعَيْنُهَا لَا يَجُوزُ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ فَسْخِهَا بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَا مِثْلَ لَهَا يُرْجَعُ إلَيْهِ وَقِيمَتُهَا لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَزِيدُ فِي أَحَدِهِمَا قَبْلَ بَيْعِهِ فَيُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَثَمَنُهَا مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمَا. وَاشْتُرِطَ كَوْنُ النَّقْدِ مَضْرُوبًا دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ ; لِأَنَّهَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَأَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ وَغَيْرُ الْمَضْرُوبِ كَالْعُرُوضِ.
وَاشْتُرِطَ إحْضَارُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لِتَقْدِيرِ الْعَمَلِ وَتَحْقِيقِ الشَّرِكَةِ كَالْمُضَارَبَةِ. وَالْعِلْمُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا يُمْكِنُ مَعَ جَهْلِهِ (لِيَعْمَلَ) مُتَعَلِّقٌ ب يُحْضِرَ (فِيهِ) أَيْ: الْمَالِ جَمِيعَهُ (كُلٌّ) مِمَّنْ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ (عَلَى أَنَّ لَهُ) أَيْ: كُلِّ مَنْ لَهُ فِي الْمَالِ شَيْءٌ (مِنْ الرِّبْحِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ) بِأَنْ شَرَطُوا لِرَبِّ النِّصْفِ نِصْفَ الرِّبْحِ وَلِرَبِّ الثُّلُثِ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِرَبِّ السُّدُسِ سُدُسَ الرِّبْحِ مَثَلًا (أَوْ) عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ (جُزْءًا مُشَاعًا مَعْلُومًا) وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِسْبَةِ مَالِهِ، كَأَنْ جُعِلَ لِرَبِّ السُّدُسِ نِصْفُ الرِّبْحِ لِقُوَّةِ حَذِقِهِ (أَوْ يُقَالُ) : عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ (بَيْنَنَا فَيَسْتَوُونَ فِيهِ) لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِمْ إضَافَةً وَاحِدَةً بِلَا تَرْجِيحٍ
(وهو) أى: القسم الثانى وهو: الاجتماع في التصرف (أضرب) خمسة. جمع ضرب. وهو الصنف.
يعني: أن هذا القسم أصناف:
أحدها: (شركة عِنان) . ولا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في بعض شروطها.
وسميت بذلك؛ قيل: لأنهما يستويان في المال والتصرف؛ كالفارسين إذا استويا في السير.
فإن عناني فرسيهما يكونان سواء.
وقيل: لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال، كما يملك التصرف فى عنان فرسه كيف شاء.
وقال الفرّاء: هي مشتقه من عَنّ الشيء إذا عرض، لأن كلاًّ منهما عَنّ له أن يشارك صاحبه.
وقيل: من المعاننة وهي المعارضة، يقال: عاننت فلاناً إذا عارضته بمثل ما جاء به؛ لأن كلاً منهما معارض لصاحبه بماله وفعاله. (وهي) أي: وكيفيتها: (أن يحضر) من الإحضار (كل) أي: كل واحد (من عدد) أي: من اثنين فأكثر (جائز التصرف) أي: كل منهم جائز التصرف (من ماله، نقداً) ذهباً أو فضة (مضروبا) أي: مسكوكاً.
وظاهره ولو بسكة الكفار (معلوماً) قدراً وصفة.
ويصح (ولو) كان النقد (مغشوشاً قليلاً، أو) كان (من جنسين) بأن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، (أو) كان مال الشركة (متفاوتاً) بأن يكون لأحدهما الثلثان والآخر الثلث، (أو) كان مختلطا (شائعاً بين الشركاء: إن علم كل) منهم (قدر ماله) ؛ كلهذا النصف شائعاً، ولهذا الثلث شائعاً، ولهذا السدس شائعاً.
أما كونها لا تصح على غير النقد من العروض في المنصوص؛ فلأن الشركة
إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو ثمنها.
أما أعيانها فلا يجوز وقوعها عليها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة ب رأس المال أو بمثله وهي لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس عروض أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
وأما قيمتها فلا تجور عليها؛ لأنها قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له.
وأما ثمنها فلا تجوز عليه؛ لأنه معدومٌ حال العقد، وغير مملوك لهما؛ لأنه إن أريد الذي اشتريتْ به فقد صار لبائعها،
وإن أريد الذي تباع به.
فإن الشركة تصير معلقة على شرط وهو بيع الأعيان.
وعنه: تصح بالعروض، ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد.
وأما كونه يشترط أن يكون النقد مضروباً دراهم أو دنانير؛ فلأنها قيم المتلفات وأثمان البياعات. ولم يزل الناس يشتركون عليها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا من غير نكير.
وغير المضروب كالعروض.
وقيل: تصح بالنقرة التي لم تضرب، وبالفلوس إذا كانت نافقة.
وأما كونه يعتبر إحضار مال الشركة عند العقد؛ فلتقرير العمل وتحقيق الشركة إذاً كمضاربة نص عليه.
وأما كونه يشترط أن يكون معلوماً؛ فلأنه لا بد من الرجوع ب رأس المال عند المفاصلة، ولا يمكن ذلك مع جهله.
وأما كونها تصح على المغشوش قليلاً؛ فلأن ذلك لا يمكن التحرز منه.
وأما كونها تصح على الجنسين في المنصوص، كما لو أحضر أحدهما دراهم والآخر دنانير؛ فلأنه عند المفاصلة يمكن كل واحد منهما الرجوع بجنس ماله؛ كما لو كان الجنس واحداً.
قال الإمام أحمد: يرجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه.
وقال: كذا يقول محمد والحسن.
وإنما يَشترط كونها من جنس واحد من يقول بأن الخلط شرط. وهو لا يمكن إلا في الجنس الواحد، ونحن لا نقول به.
واما كونها تصح مع عدم تساوي المالين منهما؛ فلأنه قول الجمهور من العلماء، منهم إمامنا والشافعى ومالك وأبو حنيفة وأصحابه.
لكن يشترط مالك والشافعي: أن يكون الربح بينهما على قدر ماليهما.
وأما كونها تصح على النقد المضروب الشائع بين الشركاء؛ فلأن مبناها إنما هو على الوكالة والأمانة، وذلك يجري على الشائع كما يجري على غيره. (ليعمل فيه) أي: في جميع المال (كل) ممن له فيه شيء (على أن له) أي: لكل من يعمل (من الربح) الحاصل بالعمل (بنسبة ما لَه)
من المال: فمن له فيه النصف له نصف الربح،
ومن له فيه الثلث له ثلث الربح،
ومن له فيه السدس له سدس الربح. (أو) على أن لكل منهم (جزءاً مشاعاً معلوماً) من الربح ولو متفاضلاً؛ لتفاوتهم في قوة الحذق؛ كأن يُجعل لرب السدس نصف الربح، ولرب النصف ثلث الربح، ولرب الثلث سدس الربح. (أو يقال) : على أن الربح (بيننا. فيستوون فيه) فيكون لكل منهم ثلثه؛ لأن إضافته إليهم إضافة واحدة من غير ترجيح. فاقتضت تسويتهم فيه؛ كقول جماعة: هذه الدار بيننا.
فهذه ثلاث صور في كيفية اشتراط الربح، كلها صحيحة. مع تعاقدهم على أن يعمل كلهم في المال. فيصح أن يتعاقدوا على أن يعمل الكل كما تقدم.
* * * كتاب الشركة * قوله: (من ماله) لعل الإضافة هنا مستعملة في الأعم من الحقيقة والمجاز، والمراد: من ماله نفسه، أو: من مال يباح له التصرف فيه كمال مولِّيه، فتدبر!.
* قوله: (إن علم كل قدر ماله) ؛ أيْ: قَدْر مالِ كلٍّ، على ما في الإنصاف .
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.