ويَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَعَظْمِ آدَمِيٍّ وَجِلْدِهِ حَتَّى الْمِيلُ وَنَحْوُهُ وَعَلَى أُنْثَى
الشروح عليها
(وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا) أَيْ الْآنِيَةِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، بِأَنْ يُجْعَلَا عَلَى هَيْئَةِ الْآنِيَةِ،
وَكَذَا تَحْصِيلُهُمَا بِنَحْوِ شِرَاءٍ، لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالْمَلَاهِي. (وَ) يَحْرُمُ (اسْتِعْمَالُهَا) أَيْ الْآنِيَةِ (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَرْفَعُهُ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَالْجَرْجَرَةُ: صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ، وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُمَا لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَرَفًا وَخُيَلَاءَ، وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَتَضْيِيقَ النَّقْدَيْنِ. (وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ وَاسْتِعْمَالُهَا مِنْ (عَظْمِ آدَمِيٍّ وَجِلْدِهِ) لِحُرْمَتِهِ،
وَفِي مَعْنَى الْآنِيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ: الْآلَةُ، كَالْقَلَمِ (حَتَّى الْمِيلُ وَنَحْوُهُ) كَالْمِجْمَرَةِ وَالْمِدْخَنَةِ، وَالدَّوَاةِ وَالْمُشْطِ، وَالسِّكِّينِ وَالْكُرْسِيِّ، وَالسَّرِيرِ، وَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، وَلَا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِالذَّكَرِ، فَلِذَا قَالَ. (وَ) حَتَّى (عَلَى أُنْثَى) لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ،
وَأَمَّا التَّحَلِّي فَأُبِيحَ لَهُنَّ لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلزَّوْجِ.
وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ
(ويحرم اتخاذها واستعمالها) أي الآنية (من ذهب وفضة) .
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم.
ثم قال: وعنه: يجوز اتخاذها، وذكرها بعض الأصحاب وجها في المذهب.
واتخاذها هو جعل الذهب والفضة على هيئة الآنية؛ لأن ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ كالملاهي.
والدليل على تحريم استعماله ما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها. فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " .
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرحر في بطنه نار جهنم " . متفق عليهما. فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه. ولأن في ذلك سرفاً وخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
والجرجرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف.
والاستعمال في غير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما قد خرج مخرج الغالب وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به. (و) يحرم اتخاذ الآنية أيضاً (من عظم آدمى وجلده) ؛ لحرمته.
وما حرم اتخاذ الآنية واستعمالها منه يحرم اتخاذ الآلة منه؛ كالقلم (حتى الميل ونحوه) ؛ كالكرسي والسرير.
وحكى ابن عقيل في " الفصول " أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مِسْعَطا، أو قنديلاً، أو نعلين، أو مجمرة أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم.
ويحرم سرير وكرسي. ويكره عمل خفين من فضة،
ولا يحرم كالنعلين. قال: ومنع من الشربة والملعقة.
قال في " الفروع " بعد نقل ذلك: كذا حكاه، وهو غريب.
قال في " الإنصاف " بعد ذكره كلام " الفروع ": قلت: هذا بعيد جداً والنفس تأبى صحة هذا.
ولا يختص تحريم ذلك بالذكور وإلى ذلك أشرت بقولي: (و) حتى (على أنثى) لعموم الأخبار وعدم المخصص. وانما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج. وهذا يختص بالحلي فاختصت الإباحة به.
* * * باب الآنية: الأوعية باب: يذكر فيه مسائل من أحكام الآنية، وثياب الكفار، وأجزاء الميتة.
ووجه مناسبة ذكر أحكام الآنية عقب باب المياه: أن الماء لا يقوم إلا بآنية.
ثم كتب المحشِّي ما نصه: قال السيد عيسى الصفوي ، فيما كتبه على حاشية السيد على القطب : "وليس مرادهم بكون الباب في كذا الحصر، بل إنه المقصود بالذات، أو المعظم،
فلو ذُكِر غيره نادرًا، أو بالتبعية، أو استطرادًا لا يضر" انتهى المقصود (١) .
* قوله: (من ذهب وفضة. . . إلخ) الواو هنا بمعنى أو، وكان المناسب العطف بها، كما هو ظاهر.
* قوله: (وعظم آدمي وجلده) وسكت عن شعره، ونبه الشيخ في آخر الباب من شرحه ، على أنه لا يجوز استعماله لحرمته.
قال بعضهم : وتصحُّ الصلاة فيه لطهارته.
قال شيخنا في شرح الإقناع : "لعل محله ما لم يكن ستره، فإنها لا تصحُّ فيه، كالحرير وأولى"، انتهى.
* قوله: (حتى الميل) بكسر الميم وسكون الياء؛ أيْ: المرود الذي يكتحل به.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.