فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: لَا جُنُبًا) أَيْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّصْوِيرِ

١٬٧٩٧

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَجْنَبَ وَقَدْ لَبِسَ عَلَى وُضُوءٍ وَجَبَ نَزْعُ خُفَّيْهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجَنَابَةَ أَلْزَمَتْهُ غُسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ وَفِي الْكِفَايَةِ صُورَتُهُ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ جَوْرَبَيْنِ مُجَلَّدَيْنِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّهُمَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ مُضْطَجِعًا وَيَمْسَحَ عَلَيْهِ اهـ.

وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الِاغْتِسَالُ مَعَ وُجُودِ الْخُفِّ مَلْبُوسًا

١٬٧٩٨

وَقِيلَ صُورَتُهُ مُسَافِرٌ أَجْنَبَ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ فَتَيَمَّمَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مَاءً يَكْفِي وُضُوءَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا فَإِذَا فَعَلَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَثَ يَمْنَعُهُ الْخُفُّ السِّرَايَةَ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ

١٬٧٩٩

فَلَوْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَادَ جُنُبًا فَإِذَا لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى فَقَدَهُ تَيَمَّمَ لَهُ فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا،

١٬٨٠٠

فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ وَقَدْ ذَكَرَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ أَنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ كَوْنُ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ لَا طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ،

١٬٨٠١

فَإِنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ كَمَالِهَا عَدَمُ الرَّفْعِ عَنْ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ،

١٬٨٠٢

وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ إصَابَةِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوَظِيفَةِ حِسًّا فَيَمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي يَعْقُبُهَا اللُّبْسُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ وَلَمْ يُرِدْ مِنْ قَوْلِهِ مَا يُوَسِّعُ مَوْرِدَهُ فَيَلْزَمُ فِيهِ الْمَاءُ قَصْرًا عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَحَدِيثُ صَفْوَانَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ لِلْجَنَابَةِ. اهـ.

وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا لَا عَنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ» وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَرُوِيَ بِحَرْفِ النَّفْيِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ رِوَايَةُ إلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّة وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ بِأَوْ

١٬٨٠٣

وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْوَاوِ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى سَأَلْت أُسْتَاذِي نَجْمَ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيَّ عَنْ صُورَتِهِ فَقَالَ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّ خُفَّيْهِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيَمْسَحَ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الصُّوَرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ.

وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ،

١٬٨٠٤

فَإِنْ كَانَ جُنُبًا وَتَيَمَّمَ عَادَتْ الْجَنَابَةُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ،

١٬٨٠٥

وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا عَادَ الْحَدَثُ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَكَلُّفٌ أَنَّهَا لَا تُنَاسِبُ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ إذْ وَضْعُهَا عَدَمُ جَوَازِ الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فِي الْغُسْلِ وَمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ جَوَازِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ احْتِرَازًا مِنْ الْجَنَابَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مُسَافِرَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالنِّفَاسُ، فَإِنَّهُ لَا يَنُوبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ جَعْلِ الْخُفِّ مَانِعًا مِنْ سِرَايَتِهَا إلَى الرِّجْلِ شَرْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَنَابَةِ حَدِيثُ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَيُقَاسُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إجْمَاعٌ اهـ.

وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَيْضُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى أَصْلِهِمَا، فَإِنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَمَسَحَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ،

١٬٨٠٦

فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ انْتَقَضَ الْمَسْحُ قَبْلَهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُمْنَعَ الْمَسْحُ لِأَجْلِ غُسْلِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِانْتِقَاضِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ،

١٬٨٠٧

وَإِنْ لَبِسْتهمَا فِي الْحَيْضِ فَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمَسْحِ، وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْمَقْصُودُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مَانِعٌ مِنْ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ سِوَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ وَصُورَةُ عَدَمِ مَسْحِ النُّفَسَاءِ أَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ نَفِسَتْ وَانْقَطَعَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ مُسَافِرَةٌ أَوْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ مُقِيمَةٌ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ بَعْدَ غَسْلِهَا إذْ ذَاكَ لَا تَعُودُ جَنَابَتُهَا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهَا مَرَّةً أُخْرَى لِأَجْلِ تِلْكَ الْجَنَابَةِ كَمَا لَوْ غَسَلَهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَكْمَلَ الْغَسْلَ، وَإِنَّمَا حَلَّ بِهِمَا بَعْدَ الْغَسْلِ حَدَثٌ وَالْمَسْحُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ جَائِزٌ وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اغْتَسَلَ وَبَقِيَ عَلَى جَسَدِهِ لُمْعَةٌ فَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ اللُّمْعَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يَمْسَحُ اهـ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ لُمْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَقَاءِ الْجَنَابَةِ وَقَدْ لَبِسَ الْخُفَّ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ اللُّمْعَةِ وَجَوَّزَ لَهُ الْمَسْحَ فَكَذَا يَجُوزُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

[الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ]

(قَوْلُهُ: وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ تَقْرِيرُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِدْرَاكِ الْحَاصِلَيْنِ بِإِلَّا وَلَكِنْ هُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصَ لَهُمْ الْمَسْحَ مَعَ تَرْكِ النَّزْعِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْجَنَابَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَنْزِعُوهَا إلَّا عِنْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ قَالَ مُسْتَدْرِكًا لَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ فَلَا تَنْزِعُوهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ تَقْدِيرُهُ أُمِرْنَا أَنْ نَنْزِعَهَا مِنْ جَنَابَةٍ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ إيجَابِيَّةٌ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ جَاءَ بِجُمْلَةٍ فَقَالَ لَكِنْ لَا تَنْزِعْهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ تَبْيِينُ الْحَالَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الرُّخْصَةُ وَأَنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ خَاصَّةً لَا فِي الْجَنَابَةِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ،

٦٠٠

وَإِنْ كَانَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الْإِيجَابِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ أُمِرْنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ،

٦٠١

وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِيجَابَ إلَّا أَنَّهُ عَلَى نَفْيٍ وَالِاسْتِدْرَاكُ مِنْ النَّفْيِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ.

٦٠٢

وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ غَائِطٍ يَسْتَدْعِي عَامِلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفُ الْجَرِّ وَأَقْرَبُ مَا يُضْمَرُ لَهُ مِنْ الْعَوَامِلِ فِعْلٌ دَلَّ الْفِعْلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّزْعُ فَكَانَ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لَا نَنْزِعُهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَهَذِهِ مَعَانٍ دَقِيقَةٌ لَا يُدْرِكُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ أَيْ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَغْسُولَةِ لَا تَعُودُ بِمَعْنَى أَنَّهُ سَقَطَ عَنْهَا فَرْضُ الْغَسْلِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا ثَانِيًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الْمَارِّ إذَا أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا وَقَوْلُهُمْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَحَاصِلُ الرَّدِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ لَا يَعُودُ الْجَنَابَةُ إذْ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى الْمَاءِ الْكَافِي لِلْجَنَابَةِ وَلَا تَعُودُ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ؛

لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ زَوَالًا وَلَا ثُبُوتًا، وَإِنَّمَا حَلَّ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَيَكُونُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فَلِذَا كَانَ مَا صَوَّرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

لا يتكلم على هذه المسألة.

تبيين الحقائقالزيلعي

(لَا جُنُبًا) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الْمَسْحُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ»؛ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ لِلْحَرَجِ فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَلَا حَرَجَ فِي الْجَنَابَةِ لِعَدَمِ التَّكْرَارِ وَصُورَةُ مَا يَكُونُ جُنُبًا أَنْ يَلْبَسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، ثُمَّ يَجْنُبُ وَهُوَ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.

٤٠٦

وَكَذَا الْمُسَافِرُ إذَا أَجْنَبَ فِي الْمُدَّةِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ فَتَيَمَّمَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي وُضُوءَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا فَإِذَا نَزَعَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي وُضُوءَهُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَثَ يَمْنَعُهُ الْخُفُّ مِنْ السِّرَايَةِ إلَى الْقَدَمَيْنِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ،

٤٠٧

وَلَوْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَادَ جُنُبًا فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ لَا غَيْرَ تَيَمَّمَ؛ لِأَنَّهُ جُنُبٌ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَادَ جُنُبًا لِوُجُودِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إلَّا قَدْرُ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.

وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيَّاعُ الْعَسَلِ وَصَفْوَانُ هَذَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً اهـ.

٢٨٨

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ الْمُقَارِنِ هُوَ أَوْ اللُّبْسِ لِلْحَدَثِ بَعْدَ الْوَقْتِ كَانَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْقَدَمِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ حَلَّ بِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ حَالَ ذَلِكَ الْوُضُوءِ لَكِنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا حَلَّ بِالْمَمْسُوحِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْخُفِّ مَانِعًا شَرْعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ الَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَهُ إلَى الْقَدَمَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ عَلَى حَدَثٍ بِالْقَدَمَيْنِ لَا يَمْسَحُ

٢٨٩

فَلَوْ اعْتَبَرَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ رَافِعًا لِمَا بِالْقَدَمِ لَجَازَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْعَ عَلَى التَّيَمُّمِ بِكَوْنِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا كَاَلَّتِي بِالْمَاءِ مَا بَقِيَ الشَّرْطُ اهـ.

(قَوْلُهُ: إذَا كُنَّا سَفَرًا) جَمْعُ مُسَافِرٍ اهـ.

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ اهـ.

(قَوْلُهُ: فَتَيَمَّمَ) الْحَاصِلُ أَنَّ خُفَّ الْمُسَافِرِ لَوْ مَنَعَ مِنْ حُلُولِ الْجَنَابَةِ بِقَدَمَيْهِ لَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْجَنَابَةِ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَحَلَّ الْجَنَابَةِ بِقَدَمَيْهِ، ثُمَّ زَالَتْ بِالتَّيَمُّمِ لَكِنَّ زَوَالَهَا بِهِ لَيْسَ طَهَارَةً كَامِلَةً لِكَوْنِ طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ ضَرُورِيَّةً وَدَوَامُ اللُّبْسِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ فِي حُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَكَأَنَّهُ لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَاللُّبْسُ بَعْدَهُ لَا يُبِيحُ الْمَسْحَ إذَا تَوَضَّأَ؛

لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا، ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَوَضَّأَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ مِنْ هَذَا الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ حَيْثُ كَانَ لُبْسُهُ عَلَى طَهَارَةِ الْوُضُوءِ وَهِيَ كَامِلَةٌ هَكَذَا يُفْهَمُ. اهـ. يَحْيَى.

(قَوْلُهُ: وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ كَمَالِهَا عَدَمُ الرَّفْعِ عَنْ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ إصَابَةِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوَظِيفَةِ حِسًّا فَيَمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي يَعْقُبُهَا اللُّبْسُ. اهـ. كَمَالٌ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.