حلف ليصعدنّ السّماء أو ليقلبنّ هذا الحجر ذهبًا حنث للحال
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا حَنِثَ لِلْحَالِ) يَعْنِي عِنْدَنَا،
وَقَالَ زُفَرُ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً، وَلَنَا أَنَّ الْبِرَّ مُتَصَوِّرٌ حَقِيقَةً بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُمْكِنٌ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَهَا،
وَكَذَا تَحَوُّلُ الْحَجَرِ ذَهَبًا بِتَحْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى بِجَعْلِهِ صِفَةَ الْحَجَرِيَّةِ صِفَةَ الذَّهَبِيَّةِ أَوْ بِإِعْدَامِ الْأَجْزَاءِ الْحَجَرِيَّةِ، وَإِبْدَالِهَا بِأَجْزَاءٍ ذَهَبِيَّةٍ فَالتَّحْوِيلُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ، وَهُوَ مُمْكِنٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ،
وَإِذَا كَانَ مُتَصَوَّرًا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ مُوجِبَةً لِحَلِفِهِ ثُمَّ يَحْنَثُ بِحُكْمِ الْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً كَمَا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ مَعَ احْتِمَالِ إعَادَةِ الْحَيَاةِ وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْحَلِفِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ.
قَيَّدَ بِكَوْنِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا حِنْثَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقَيَّدَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ بِأَنْ قَالَ إنْ تَرَكْتُ مَسَّ السَّمَاءِ فَعَبْدِي حُرٌّ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ. (قَوْلُهُ)
(قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ مُتَصَوَّرًا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ لَا حَقِيقَةً، وَلَا عَادَةً لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ إلَخْ، وَكَذَا لَوْ عَرَضَ عَدَمُ التَّصَوُّرِ يُبْطِلُهَا كَمَا إذَا كَانَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ وَقْتَ الْحَلِفِ فَصُبَّ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا مَرَّ هُنَاكَ مِنْ شَرْطِ انْعِقَادِهَا وَشَرْطِ بَقَائِهَا إمْكَانُ التَّصَوُّرِ حَقِيقَةً، وَإِنْ اسْتَحَالَ عَادَةً
(قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِكَوْنِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةً إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَتَى عَجَزَ الْحَالِفُ عَنْ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ مُؤَقَّتَةٌ بَطَلَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ لَا لِلْعَجْزِ وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِمْ قَاطِبَةً أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِمْ فِي الْمُطْلَقَةِ حَنِثَ لِلْحَالِ فَحِنْثُهُ فِي الْمُؤَقَّتَةِ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ، وَقَدْ عَلَّلُوا الْمَسْأَلَةَ بِتَصَوُّرِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ
إمَّا حَالًا فِي الْمُطْلَقَةِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ فِي الْمُؤَقَّتَةِ. هَذَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَى كُلِّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقُنْيَةِ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ مَا لَمْ يُعَضِّدُهُ نَقْلٌ مِنْ غَيْرِهِ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُهَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيُؤَدِّيَنَّ لَهُ الْيَوْمَ كَذَا مِنْ دَيْنِهِ فَعَجَزَ عَنْهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ،
وَأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُهِمَّةِ فَكُنْ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الْعَجْزَ لَوْ أَبْطَلَ الْمُؤَقَّتَةَ لَمَا حَنِثَ هُنَا أَيْ فِي مَسْأَلَةِ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ الْعَجْزُ الْعَارِضُ فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ فَيَكُونُ بَيَانًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ بَقَائِهَا إمْكَانُ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، وَكَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ يَحْنَثُ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ بُطْلَانَهَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَيْ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ كَمَا مَرَّ
أَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَالْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ زُفَرَ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَخْ) فَإِذَا قَالَ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ فَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَّتَ كَانَ غَرَضُهُ تَوْسِعَةَ الْأَمْرِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَخْتَارَ الْفِعْلَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْفِعْلُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ
بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُوجِبُ التَّوْسِعَةَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبِرُّ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْيَمِينِ فَإِذَا عَجَزَ يَحْنَثُ، وَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِ الْحِنْثِ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ
فَائِدَةٌ سِوَى تَحْقِيقِ الْبِرِّ فَإِذَا كَانَ الْعَجْزُ ثَابِتًا عَادَةً لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ بِالتَّأْخِيرِ بَلْ نَظَرُهُ فِي الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَنِثَ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ التَّكْفِيرُ
إمَّا حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا وَذَلِكَ زَمَانٌ لَا يُمْكِنُهُ الْوَصِيَّةُ وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ لَا يَجُوزُ فَيَبْقَى فِي وَرْطَةِ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ،
وَلَوْ حَنِثَ فِي الْحَالِ يُمْكِنُهُ التَّكْفِيرُ، وَإِسْقَاطُ الْإِثْمِ فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ
وَالْأَصَحُّ أَنَّ عِنْدَهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ فِي الْمُوَقَّتَةِ أَيْضًا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فِي الْحَالِ.
(حلف لأصعدن السماء أو) حلف (ليقلبن هذا الحجر ذهبا حنث في الحال) لأن البر متصور فيهما أي: ممكن فانعقدت يمينه.
وقال زفر: لا ينعقد لأنه مستحيل عادة فأشبه المستحيل حقيقة كما الكوز قلنا: صعود السماء ممكن ولذا صعدتها الملائكة وبعض الأنبياء،
وكذا تحويل الحجر ذهبا إما بخلع صفة الحجر وإلباس الذهبية أو بإعدام الأجزاء الحجرية وإبدالها أجزاء ذهبية لكن التحويل في الأول أظهر غير انه حنث في الحال للعجز الثابت عادة وضع المسألة في المطلقة لأن المقيدة يتوقف حنثه فيها إلى مضي الوقت حتى لو مات قبله لم يحنث،
وفي (المنتقى) إن تركت مس السماء فعبدي حر لم يحنث،
ولو قال: إن لم أمس السماء فكذا حنث من ساعته، والفرق أن في الأولى مس السماء غير مقدور للحالف عادة والترك لا يتصور في غير مقدور عادة،
وفي الثانية الشرط هو عدم المس والعدم يتحقق في غير المقدور كذا في (المحيط)
(حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا حَنِثَ لِلْحَالِ) وَقَالَ زَفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَتْ مُنْعَقِدَةً لَمَا حَنِثَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ فِي الْمُتَصَوَّرِ لَا يَحْنَثُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ فِي آخَرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لِيَدْخُلَنَّ بَصْرَةَ وَنَحْوَهُ وَلَنَا أَنَّ الْبِرَّ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُمْكِنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَهَا
وَكَذَلِكَ الْجِنُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} الْآيَةَ.
وَكَذَلِكَ انْقِلَابُ الْحَجَرِ ذَهَبًا مُمْكِنٌ بِتَحْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ عَلَى وَجْهٍ تَخْلُفُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ فَوَاتِهِ كَسَائِرِ الْمُتَصَوَّرَاتِ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ مِنْ الْكُوزِ الْفَارِغِ فَلَا يَنْعَقِدُ لِعَدَمِ التَّصَوُّرِ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ فِي الْحَالِ اعْتِبَارًا لِلْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً وَهُوَ يَصْلُحُ لِمَنْعِ تَأَخُّرِ الْحِنْثِ دُونَ مَنْعِ الِانْعِقَادِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَالِفَ إذَا مَاتَ يَحْنَثُ وَإِنْ تَصَوَّرَ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَهُ بِإِحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ الْيَمِينَ يُعْقَدُ لِلْفَائِدَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ وَهِيَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَدَلًا عَنْ الْبِرِّ وَالْحُكْمُ بِبَقَاءِ الْيَمِينِ كَانَ لِاحْتِمَالِ الْبِرِّ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْهُ فَلَا
فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْنَثُ لِلْحَالِ لِثُبُوتِ الْعَجْزِ كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَسْتَقِيمُ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا فَكَيْفَ يَحْنَثُ إلَّا إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْبِرَّ لِلْحَالِ فَلَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ لِلْحَالِ
وَلَوْ قَالَ إنْ تَرَكْتَ مَسَّ السَّمَاءِ فَعَبْدِي حُرٌّ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ عَادَةً قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ انْقِلَابُ الْحَجَرِ ذَهَبًا مُمْكِنٌ بِتَحْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ بِخَلْعِهِ صِفَةَ الْحَجَرِيَّةِ وَإِلْبَاسِهِ صِفَةَ الذَّهَبِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا مُتَجَانِسَةٌ مُسْتَوِيَةٌ فِي قَبُولِ الصِّفَاتِ أَوْ بِإِعْدَامِ الْأَجْزَاءِ الْحَجَرِيَّةِ وَإِبْدَالِهَا بِأَجْزَاءٍ ذَهَبِيَّةٍ وَالتَّحْوِيلُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ وَهُوَ مُمْكِنٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَكَانَ الْبِرُّ مُتَصَوَّرًا فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ مُوجِبَةً لِحَلِفِهِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ لِلْجُزْءِ الثَّابِتِ عَادَةً فَلَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَصَارَ كَمَا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي آخَرِ جُزْءٍ كَمَا قُلْنَا مَعَ احْتِمَالِ إعَادَةِ الْحَيَاةِ فِيهِ فَيَثْبُتُ مَعَهُ احْتِمَالُ أَنْ يَفْعَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ
بِخِلَافِ الْعَادَةِ فَحَكَمَ بِالْحِنْثِ إجْمَاعًا. اهـ. فَتْحٌ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَيَأْتِيَنَّ الْبَصْرَةَ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَنْتَظِرُ آخِرَ الْحَيَاةِ فِيمَا يُرْجَى وُجُودُهُ غَالِبًا لِتَحَقُّقِ مُزَاحَمَتِهِ لِزَمَانِ الْحَالِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْبَصْرَةِ
أَمَّا فِيمَا لَا يُرْجَى وُجُودُهُ غَالِبًا كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فِي الْحَالِ وَعَدَمِ مُزَاحَمَةِ الْمَآلِ اهـ
(قَوْلُهُ فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ) أَيْ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدَ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى يُعْتَمَدُ التَّصَوُّرُ دُونَ الْقُدْرَةِ فِيمَا لَهُ خَلَفٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ لِمَكَانِ التَّصَوُّرِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ هُنَا عَقِيبَ وُجُوبِ الْبِرِّ بِحِنْثِهِ بِوَاسِطَةِ عَجْزِهِ الثَّابِتِ عَادَةً كَمَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ هُنَاكَ عَقِيبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَنْعَقِدُ لِعَدَمِ التَّصَوُّرِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحِنْثُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْبِرَّ لَيْسَ لَهُ زَمَانٌ يُنْتَظَرُ اهـ فَمَحَطُّ الْخِلَافِ أَنَّهُ أَلْحَقَ الْمُسْتَحِيلَ عَادَةً بِالْمُسْتَحِيلِ حَقِيقَةً وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ وَكُلُّ مَا وَقَعَ هُنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ لَفْظِ مُتَصَوَّرٌ فَمَعْنَاهُ مُمْكِنٌ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مُتَعَقِّلًا مُفْهِمًا اهـ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا حِنْثَ. اهـ. كَمَالٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.