والسّلب للكلّ إن لم ينفل
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَالسَّلَبُ لِلْكُلِّ إنْ لَمْ يَنْفِلْ) أَيْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْقَاتِلُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً فَيَقْسِمُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ لَيْسَ لَك مِنْ سَلَبِ قَتِيلِك إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِك»
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فَيَحْتَمِلُ نَصْبُ الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ التَّنْفِيلُ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الثَّانِي لِمَا رَوَيْنَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(والسلب) محركا أي: المسلوب والجمع أسلاب (للكل) أي: لكل العسكر (إن لم ينفل) الإمام به القاتل لقوله - صلى الله عليه وسلم - لحبيب بن أبي سلمة (ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك) ولأنه أخذ بقوة العسكر فيكون غنيمة
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَالسَّلَبُ لِلْكُلِّ إنْ لَمْ يَنْفُلْ) أَيْ السَّلْبُ لِجَمِيعِ الْجُنْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَنْفُلْ بِهِ الْقَاتِلُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ لِلْقَاتِلِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ مُقْبِلًا لِمَا رَوَيْنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَصْبُ شَرْعٍ لِأَنَّهُ بَعَثَ لَهُ وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ مُقْبِلًا أَكْثَرُ عَنَاءً فَيَخْتَصُّ بِسَلَبِهِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} وَهُوَ غَنِيمَةٌ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ غَنِيمَةٌ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ إذْ لَوْلَا الْجَيْشُ لَمَا حَصَلَ السَّلَبُ وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُبَاشَرَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدْءَ يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةِ قِتَالٍ فَيَقْسِمُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ وَمَا رَوَاهُ يُحْتَمَلُ التَّنْفِيلُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَلَوْنَا وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ صَرِيعٌ يَذُبُّ النَّاسِ عَنْهُ بِسَيْفٍ لَهُ فَجَعَلْت أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي غَيْرِ طَائِلٍ فَأَصَبْت يَدَهُ فَنَدَرَ سَيْفُهُ فَأَخَذْته فَضَرَبْته حَتَّى قَتَلْته ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْته فَنَفَلَنِي بِسَلَبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ لَمَا صَحَّ التَّنْفِيلُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ جَارِيَةً بِأَنَّ السَّلَبَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَإِنَّمَا قَالَ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ» وَأَرَادَ بِذَلِكَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَحْرِيضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمَّا سَمِعَ الْمَقَالَةَ طَلَبَ سَلَبَ قَتِيلِهِ وَأَخَذَهُ بَعْدَ مَا كَانَ تَرَكَهُ وَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمئِذٍ سَلَبَ عِشْرِينَ رَجُلًا وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ «خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مَنَعَ رَجُلًا سَلَبَ قَتِيلِهِ وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَعْطِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تُعْطِهِ» وَلَوْ كَانَ نَصْبُ شَرْعٍ لَمَا وَقَعَ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّ هَذَا مُتَقَدِّمٌ لِأَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدٍ وَهُوَ الرَّاوِي لِهَذَا الْحَدِيثِ
أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ قَالَ بَلَى لَكِنْ اسْتَكْثَرْته وَلَوْ كَانَ نَصْبُ شَرْعٍ لَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَنْهَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ خَالِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُلْهُمْ بِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَزِيَادَةُ الْقِتَالِ لَا تُعْتَبَرُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ مُقْبِلًا فَاشْتِرَاطُهُ يَكُونُ زِيَادَةً وَهُوَ نُسِخَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ إذَا مَاتَ الْمَقْتُولُ عَلَى فَوْرِهِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ أَنَّ سَلَبَهُ يَكُونُ لِلْقَاتِلِ وَإِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ فَإِنْ لَمْ تُقَسَّمْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ سَلَبِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ بِالْإِحْرَازِ تَأَكَّدَ مِلْكُ الْغَانِمِينَ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَاتِلُ وَالْغَانِمُونَ فِي مَوْتِهِ فَقَالَ مَاتَ قَبْلَهَا وَقَالُوا هُمْ مَاتَ بَعْدَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ وَلَوْ أَثْخَنَهُ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَالسَّلَبُ لِمَنْ أَثْخَنَهُ وَلَوْ مَاتَ فَسَلَبَهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ وَقَعَ سَلَبُهُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَأْخُذُهُ الْقَاتِلُ وَلَوْ جَرُّوهُ نَفْسُهُ وَلَمْ يَسْلُبُوا مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَسَلَبُوهُ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ السَّلَبَ بِالْأَخْذِ فَانْقَطَعَ مِلْكُ الْقَاتِلِ وَإِذَا لَمْ يَسْلُبُوا مِنْهُ لَمْ يَمْلِكُوا مِنْهُ شَيْئًا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ يُحْتَمَلُ التَّنْفِيلُ) أَيْ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِنَصْبِ الشَّرْعِ إذَا قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.