وإلّا يوضع على الفقير المعتمل في كلّ سنةٍ اثنا عشر درهمًا
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَإِلَّا تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ ضِعْفُهُ وَعَلَى الْمُكْثِرِ ضِعْفُهُ) أَيْ إنْ لَمْ تُوضَعْ بِالتَّرَاضِي وَإِنَّمَا وُضِعَتْ قَهْرًا بِأَنْ غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصْرَةٌ لِلْمُقَاتِلَةِ فَيَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَبَ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْدِ وَقَتْلِهِ فَكَذَا مَا هُوَ بَدَلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ حَدَّ الْغِنَى وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقْرِ لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلِذَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَأَحْسَنُ الْأَقْوَالِ مَا اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ غَنِيٌّ وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا وَالْفَقِيرُ الَّذِي يَمْلِكُ مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَى أَنَّ وُجُوبَهَا فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَإِنَّمَا الْحَوْلُ تَخْفِيفٌ وَتَسْهِيلٌ وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِرْهَمَانِ وَمِنْ الْفَقِيرِ دِرْهَمٌ وَهَذَا الْأَجَلُ التَّسْهِيلُ عَلَيْهِ لَا بَيَانَ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّهُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ كَمَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْبِنَايَةِ.
وَأَطْلَقَ الْفَقِيرُ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ غَيْرُ الْمُعْتَمِلِ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَمِلُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً وَفِي السِّرَاجِ الْمُعْتَمِلُ الْقَادِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْحِرْفَةَ وَقَالَ الْكَاكِيُّ وَالْمُعْتَمِلُ هُوَ الْمُكْتَسَبُ وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ
فَلَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا أَوْ نِصْفِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْمُعْتَمِلِ كَمَنْ قَدَرَ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَزْرَعْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ وَفَقِيرٌ غَيْرُ مُعْتَمِلٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَلِذَا
قَالَ فِي الْبِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَلْزَمُ الزَّمَنُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُفَرِّطًا فِي الْيَسَارِ
وَكَذَا لَوْ مَرِضَ نِصْفُهَا كَمَا فِي الشَّرْحِ
فَلَوْ حَذَفَ الْفَقِيرُ لَكَانَ أَوْلَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ اهـ.
وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ
[فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ] (قَوْلُهُ فَلَوْ حُذِفَ الْفَقِيرُ لَكَانَ أَوْلَى)
قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ إذْ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَى قَوْلِهِ وَمُعْتَمِلٍ لَمَا أَفَادَ اشْتِرَاطَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ وَقَدْ قَابَلَهُ بِهِ فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي وَسَطِ الْحَالِ وَالْغَنِيُّ مَعْلُومَةٌ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ لَا تَجِبُ عَلَى زَمِنٍ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ
فَلَوْ حُذِفَ الْفَقِيرُ أَيْ مِمَّا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَفَقِيرٌ غَيْرُ مُعْتَمِلٍ بِأَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ مُعْتَمِلٌ فَيَشْمَلُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ فَيَنْدَفِعُ حِينَئِذٍ تَوَهُّمُ تَقْيِيدِ الْفَقِيرِ فِيمَا مَرَّ بِالْمُعْتَمِلِ وَتَوَهُّمُ أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي الْفَقِيرِ فَقَطْ وَهَذَا كَلَامٌ ظَاهِرٌ وَكَانَ صَاحِبُ النَّهْرِ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ حَذْفُ الْمُعْتَمِلِ مِمَّا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ إذْ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَى قَوْلِهِ وَمُعْتَمِلٍ وَقَوْلُهُ وَقَدْ قَابَلَهُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْمُعْتَمِلَ فِيمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا فِي أَوَّلِهَا)
قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّمَا اعْتَبَرُوا وُجُودَهَا فِي آخِرِهَا لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَوْ كَانَ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ غَنِيًّا أُخِذَ مِنْهُ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ فَقِيرًا أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ الْفَقْرِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْأَوَّلُ لَوَجَبَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِهَا غَنِيًّا فَقِيرًا فِي أَكْثَرِهَا أَنْ يَجِبَ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَعَمْ الْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ مُشْتَرَكٌ الْإِلْزَامِ إذْ هُوَ وَارِدٌ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ الْآخَرِ لِاقْتِضَائِهِ وُجُوبَ جِزْيَةِ الْأَغْنِيَاءِ إذَا كَانَ غَنِيًّا فِي آخِرِهَا فَقِيرًا فِي أَكْثَرِهَا اهـ.
قُلْت الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ قَوْلٌ آخَرُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى اعْتِبَارِ أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ آخِرِهَا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْخَانِيَّةِ وَنَصُّهُ الذِّمِّيُّ إذَا كَانَ غَنِيًّا فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَقِيرًا فِي الْبَعْضِ قَالُوا إنْ كَانَ غَنِيًّا فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ الْفُقَرَاءِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي النِّصْفِ فَقِيرًا فِي النِّصْفِ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ وَسَطِ الْحَالِ اهـ.
إذْ هُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِي الْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ فَلَا يَنْبَغِي إيرَادُ هَذَا عَلَى الْفَتْحِ وَلَا عَلَى الْمُؤَلِّفِ نَعَمْ رُبَّمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَسَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ لَوْ أَيْسَرَ فِي آخَرِ السَّنَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّوْفِيقِ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ يَسْقُطُ الْبَاقِي فِي جِزْيَةِ السَّنَةِ إذَا صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَرِيضًا نِصْفٌ أَوْ أَكْثَرُ اهـ.
(وإلا) أي: وإن لم توضع بتراض بل بالقهر لأن فتح الإمام البلدة عنوة وأقرهم على أملاكهم (يوضع على الفقير المعتمل) أي: المكتسب والاعتمال كالاضطراب في العمل وهو الاكتساب والمراد القدرة عليه حتى لو لم يعمل مع قدرته وجبت كمن عطل الأرض.
وفي (الينابيع) الفقير المعتمل هو الذي يقدر على تحصيل الدراهم والدنانير بأي وجه كان وإن لم يحسن حرفة، (كل سنة اثني عشر درهما) وهذا التفصيل مأثور عن عمر وغيره
(وَإِلَّا يُوضَعْ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ ضِعْفُهُ وَعَلَى الْمُكْثِرِ ضِعْفُهُ) يَعْنِي إذَا لَمْ تُوضَعْ بِالتَّرَاضِي بَلْ وُضِعَتْ بِالْقَهْرِ بِأَنْ غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فَيُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ وَعَلَى الْمُكْثِرِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الظَّاهِرِ الْغِنَى ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَضَعُ الْإِمَامُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا لِمَا رَوَيْنَا قُلْنَا كَانَ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْكُلِّ إلَّا بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ
وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الَّتِي يَضَعُهَا الْإِمَامُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ «قَالَ لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا» وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِالصُّلْحِ لِأَنَّ الْحَالِمَةَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا بِهِ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ نُصْرَةً عَلَى الْمُقَاتِلَةِ فَتَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَهَذَا لِأَنَّ نَصْرَ الدِّينِ وَاجِبٌ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَنَفْسُهُ لَا تَصْلُحُ
بِخِلَافِ الْمَالِ فَيَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ النُّصْرَةِ بِهِمَا وَالنُّصْرَةُ بِهِمَا تَتَفَاوَتُ بِقُوَّةِ النَّفْسِ وَكَثْرَةِ الْوَفْرِ فَالْفَقِيرُ يَنْصُرُ رَاجِلًا وَالْمُتَوَسِّطُ يَنْصُرُ رَاكِبًا وَالْفَائِقُ يَرْكَبُ وَيُرْكِبُ غُلَامَهُ فَكَذَا بَدَلُهُ
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْفَائِقَ فِي الْغِنَى هُوَ صَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْعَمَلِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدِّرَ بِشَيْءٍ فِي الْمَالِ بِتَقْدِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَعْصَارِ فَفِي الْعِرَاقِ مَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ أَلْفًا لَا يُعَدُّ وَسَطَ الْحَالِ وَفِي دِيَارِنَا مَنْ يَمْلِكُ عَشَرَةَ آلَافٍ يُعَدُّ غَنِيًّا فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْمُتَوَسِّطُ الَّذِي لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي بِمَالِهِ عَنْ الْكَسْبِ وَالْفَقِيرُ الْمُعْتَمِلُ هُوَ الَّذِي يَكْسِبُ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ لَوْ مَرِضَ الذِّمِّيُّ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْمَلَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمِلِ
وَكَذَا لَوْ مَرِضَ أَكْثَرَهَا إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ
وَكَذَا لَوْ مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِسْقَاطِ فِي الْعُقُوبَةِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ تُوضَعْ بِالتَّرَاضِي) قَالَ الْكَمَالُ
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَمِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ اهـ
(قَوْلُهُ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ تَفَاوُتُ مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِ الطَّبَقَاتِ مَذْهَبُنَا وَقَالَ مَالِكٌ الْجِزْيَةُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ دِينَارًا وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ لَهُ مَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَلَّاهُ الْيَمَنَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ يَعْنِي مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيِّ» وَلَنَا مَا رَوَى أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى السَّوَادِ فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهَا الْخَرَاجَ وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا فَلَمَّا رَجَعَا إلَى عُمَرَ أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَمِلَ عُثْمَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ عَلِيٌّ كَذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ كَانَ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ وَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ.
وَكَلَامُنَا إذَا وَظَّفَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ لِأَنَّ السَّوَادَ فُتِحَ عَنْوَةً لَا صُلْحًا وَالْمَعْقُولُ أَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ يُبْتَدَأُ بِهِ الْكَافِرُ فَوَجَبَ فِيهِ التَّفَاوُتُ كَمَا فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ فَنَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْنَا لِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ فَعَلَى الْمُعْسِرِ عِنْدَنَا اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ قَالَ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ قُلْت هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى مُعَاذٍ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ اهـ
(قَوْلُهُ حَالِمٍ) أَيْ بَالِغٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ يَعْنِي مُحْتَلِمٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ «قَالَ لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا» ) أَيْ أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ اهـ هِدَايَةٌ وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْمَعَافِرُ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بْنِ مُرٍّ ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِغَيْرِ نِسْبَةٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمُغْرِبِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَاكِيُّ وَحَدِيثُ مُعَاذٍ مُنْقَطِعٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ نُصْرَةً) أَيْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ الَّتِي فَاتَتْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِنَصْرِهِ اهـ دِرَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَالْمَالِ وَنَفْسُهُ لَا يَصْلُحُ) أَيْ لِمَيْلِهِمْ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِيَةِ فَيُشَوِّشُونَ عَلَيْنَا فِي الْحَرْبِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْمَالُ أَيْ الْجِزْيَةُ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَلِهَذَا صُرِفَتْ إلَى الْمُقَاتِلَةِ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَضُرِبَتْ عَلَى الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الْقِتَالُ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى اعْتِبَارًا بِأَصْلِ النُّصْرَةِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَكَثْرَةُ الْوَفْرِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْوَفْرُ فِي اللُّغَةِ الْمَالُ الْكَثِيرُ وَأَرَادَ هُنَا مُطْلَقَ الْمَالِ
فَلَوْ قَالَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ كَانَ أَوْلَى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْفَقِيرُ الْمُعْتَمِلُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْمُعْتَمِلُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً اهـ قَالَ الْكَمَالُ وَالْمُعْتَمِلُ الْمُكْتَسِبُ وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ وَقَيَّدَ بِالِاعْتِمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ
أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَهُوَ قَادِرٌ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.