فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْدَاءِ الْأَعْذَارِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ يُمْهَلُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ بِدُونِ اسْتِمْهَالٍ بَلْ يُقْتَلُ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرْجُو إسْلَامَهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِذَا اُسْتُمْهِلَ فَظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ الْوُجُوبُ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا طَلَبَ التَّأْجِيلَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُمْهِلَهُ وَعَنْ الْإِمَامِ الِاسْتِحْبَابُ مُطْلَقًا وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ إذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا إلَّا أَنَّهُ إذَا تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَإِنْ ارْتَدَّ ثَالِثًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَيَرَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَإِنْ عَادَ فَعَلَ بِهِ هَكَذَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رِدَّةٍ وَرِدَّةٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ الْأُولَى الرِّدَّةُ بِسَبِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

١٧٬١٣٤

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كُلُّ مَنْ أَبْغَضَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَلْبِهِ كَانَ مُرْتَدًّا فَالسَّابُّ بِطَرِيقِ أَوْلَى ثُمَّ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَنَا فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي إسْقَاطِهِ الْقَتْلَ قَالُوا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَالِكٍ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ

١٧٬١٣٥

بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ فَإِنَّ الْإِنْكَارَ فِيهَا تَوْبَةٌ فَلَا تَعْمَلُ الشَّهَادَةُ مَعَهُ حَتَّى قَالُوا يُقْتَلُ وَإِنْ سَبَّ سَكْرَانُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ سُكْرُهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ بَاشَرَهُ مُخْتَارًا بِلَا إكْرَاهٍ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ

١٧٬١٣٦

وَأَمَّا مِثْلُهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي إسْقَاطِ قَتْلِهِ اهـ.

وَعَلَّلَهُ الْبَزَّازِيُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَكَحَدِّ الْقَذْفِ لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ سَبَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ يُفِيدُ أَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ.

الثَّانِيَةُ الرِّدَّةُ بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ بِأَنَّ الرَّافِضِيَّ إذَا سَبَّ الشَّيْخَيْنِ وَطَعَنَ فِيهِمَا كَفَرَ وَإِنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا فَمُبْتَدِعٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَفِي الْجَوْهَرَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ طَعَنَ فِيهِمَا كَفَرَ

١٧٬١٣٧

وَيَجِبُ قَتْلُهُ ثُمَّ إنْ رَجَعَ وَتَابَ وَجَدَّدَ الْإِسْلَامَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أَمْ لَا قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَنَقْتُلُهُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى اهـ.

وَحَيْثُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عُلِمَ أَنَّ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ كَسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُفِيدُ الْإِنْكَارُ مَعَ الْبَيِّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ لِأَنَّا نَجْعَلُ إنْكَارَ الرِّدَّةِ تَوْبَةً إنْ كَانَتْ مَقْبُولَةً كَمَا لَا يَخْفَى.

الثَّالِثَةُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَنْ لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ

١٧٬١٣٨

وَأَمَّا مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ فَهُوَ الْمُنَافِقُ

١٧٬١٣٩

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي عَدَمِ قَبُولِنَا تَوْبَتَهُ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الزِّنْدِيقِ لِعَدَمِ الِاطْمِئْنَانِ إلَى مَا يُظْهِرُ مِنْ التَّوْبَةِ إذَا كَانَ قَدْ يُخْفِي كُفْرَهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ اعْتِقَادِهِ دِينًا وَالْمُنَافِقُ مِثْلُهُ فِي الْإِخْفَاءِ وَعَلَى هَذَا فَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِحِيَالِهِ

١٧٬١٤٠

إمَّا بِأَنْ يَعْثُرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَوْ يُسِرَّهُ إلَى مَنْ أَمِنَ إلَيْهِ وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ هُوَ الْمُنَافِقُ فَالزِّنْدِيقُ إنْ كَانَ حُكْمُهُ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِنًا كُفْرَهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّدَيُّنِ بِدِينٍ وَيُظْهِرُ تَدَيُّنَهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى أَنْ ظَفِرْنَا بِهِ وَهُوَ عَرَبِيٌّ وَإِلَّا لَوْ فَرَضْنَاهُ مُظْهِرًا لِذَلِكَ حَتَّى تَابَ يَجِبُ أَنْ لَا يُقْتَلَ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ الْمُظْهِرِينَ لِكُفْرِهِمْ إذَا أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ

١٧٬١٤١

وَكَذَا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُنْكِرُ فِي الْبَاطِنِ بَعْضَ الضَّرُورِيَّاتِ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَيُظْهِرُ اعْتِقَادَ حُرْمَتِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالُوا إنْ جَاءَ الزِّنْدِيقُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَأَقَرَّ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ فَتَابَ عَنْ ذَلِكَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِنْ أُخِذَ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلُ اهـ.

[تَوْبَةُ السَّاحِرِ] وَتَفْصِيلٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا بَحَثَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُوَ الرَّابِعَةُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ جَعَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَالزِّنْدِيقِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ السَّاحِرُ إذَا تَابَ فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ نَفْسَهُ خَالِقًا لِمَا يَفْعَلُ فَإِنْ تَابَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبَرَّأَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ السَّاحِرُ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ وَلَا يَعْتَقِدُ لِذَلِكَ أَثَرًا لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَسَاحِرٌ يَجْحَدُ السِّحْرَ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَفْعَلُ وَلَا يَقْرَبُهُ قَالُوا لَا يُسْتَتَابُ بَلْ يُقْتَلُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ذُكِرَ أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ أَحْوَطُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إذَا تَابَ السَّاحِرُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ وَإِنْ أُخِذَ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلُ

١٧٬١٤٢

وَكَذَا الزِّنْدِيقُ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ اهـ.

١٧٬١٤٣

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مِنْ عَدْلَيْنِ وَلَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ إلَّا الْحَسَنُ قَالَ لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ إلَّا أَرْبَعَةٌ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ بَلْ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ اهـ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَعْمَلُ مَعَ الْإِنْكَارِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ رِدَّتَهُ لَا تَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ مَعَ الْإِنْكَارِ بَلْ تَثْبُتُ وَيُحْكَمُ بِهَا حَتَّى تَبِينَ زَوْجَتُهُ مِنْهُ

١٧٬١٤٤

وَيَجِبُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فَقَطْ لِلتَّوْبَةِ بِالْإِنْكَارِ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِلرِّدَّةِ أَحْكَامًا أَرْبَعَةً الْعَرْضُ وَالْكَشْفُ وَالْحَبْسُ وَالْقَتْلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَبْطُ الْعَمَلِ عِنْدَنَا بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِشَرْطِ الْمَوْتِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْ إبْطَالُ الْعِبَادَاتِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ قَدْ حَجَّ مَرَّةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ثَانِيًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالصِّيَامَاتِ لِأَنَّ بِالرِّدَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَافِرًا فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ اهـ.

١٧٬١٤٥

وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى الْيَتِيمَةِ قِيلَ لَهُ لَوْ تَابَ أَتَعُودُ حَسَنَاتُهُ قَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَعِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَعُودُ وَعِنْدَ أَبِي قَاسِمٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَعُودُ وَنَحْنُ نَقُولُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ مَا بَطَلَ مِنْ ثَوَابِهِ لَكِنَّهُ تَعُودُ طَاعَاتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُؤَثِّرَةً فِي الثَّوَابِ بَعْدُ اهـ.

وَفِيهَا مَعْزِيًّا إلَى السِّرَاجِيَّةِ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِعُقُوبَةِ الْكُفْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَمِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي بَطَلَتْ بِرِدَّتِهِ وَقْفُهُ الَّذِي وَقَفَهُ حَالَ إسْلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى قُرْبَةٍ ابْتِدَاءً أَوْ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَا بَقَاءَ لَهَا مَعَ وُجُودِ الرِّدَّةِ وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا لَا يَعُودُ وَقْفُهُ إلَّا بِتَجْدِيدٍ مِنْهُ وَإِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ كَانَ الْوَقْفُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ كَمَا أَوْضَحَهُ الْخَصَّافِ فِي آخِرِ أَوْقَافِهِ وَمِنْهَا بَقَاءُ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الرِّدَّةِ وَلِذَا

١٧٬١٤٦

قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ إذَا كَانَ عَلَى الْمُرْتَدِّ قَضَاءُ صَلَوَاتٍ أَوْ صِيَامَاتٍ تَرَكَهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ اهـ.

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ عِنْدَنَا لِعَدَمِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَنَا فَلَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ زَمَنَ رِدَّتِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَمِنْهَا مَا فِي الْخَانِيَّةِ مُسْلِمٌ أَصَابَ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدُّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ وَأَصَابَ ذَلِكَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارُ الْحَرْبِ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ زَمَانًا ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَلَوْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَمَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَأَسْلَمَ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْحَرْبِيُّ لَا يُؤَاخَذُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارُ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا فَكُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ فِي السَّرِقَةِ وَإِذَا أَصَابَ دَمًا فِي الطَّرِيقِ كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَانَ الْمُرْتَدُّ مَأْخُوذًا بِذَلِكَ وَمَا أَصَابَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْقَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَصَابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَفِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ.

١٧٬١٤٧

وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ حَدُّ الشُّرْبِ مِنْ الْخَمْرِ أَوْ الْمُسْكِرِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذَا الْحَدِّ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ فَإِذَا اعْتَرَضَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْوُجُوبِ يَمْنَعُ الْبَقَاءَ وَإِنْ أَصَابَ ذَلِكَ وَالْمُرْتَدُّ مَحْبُوسٌ فِي يَدِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِحَدِّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَمَكَّنُ الْإِمَامُ مِنْ إقَامَةِ هَذَا الْحَدِّ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ حِينَ أَصَابَ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ أَيْضًا اهـ.

وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَجِنَايَتِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي الْكِتَابِ

تعليق

وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا قُتِلَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَرَّعُ فِيهِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا يُتْرَكُ عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَلَا بِأَمَانٍ مُوَقَّتٍ وَلَا بِأَمَانٍ مُؤَبَّدٍ وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ مُرْتَدًّا إذَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا

١٧٬١٤٨

وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدَّةِ بَعْدَ اللِّحَاقِ اهـ.

١٧٬١٤٩

وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ لِأَنَّهَا لِلْمَعُونَةِ وَهُوَ لَا يُعَاوَنُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ نِكَاحِ الْكَافِرِ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بِرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَفِي الْمُحَرَّمَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحْ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ لِانْعِدَامِ الْمِلَّةِ وَالْوِلَايَةِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الرِّدَّةَ أَفْحَشُ مِنْ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ فَشَمِلَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ فَوِلَايَةُ قَتْلِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لِلْإِمَامِ لَا لِلْمَوْلَى لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ الْمُرْتَدَّ أَوْ أَمَتَهُ الْمُرْتَدَّةَ جَازَ وَالرِّدَّةُ عَيْبٌ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَيْبًا وَرِدَّةُ الْأَمَةِ تُفَوِّتُ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ فَيَكُونُ عَيْبًا أَيْضًا اهـ.

١٧٬١٥٠

وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَقَائِقِ وَلَا تُجَالَسُ وَلَا تَوَاكَلُ وَلَا تُبَاعُ اهـ.

١٧٬١٥١

وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ أَنْ لَا يَكُونَ إسْلَامُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَلِذَا

١٧٬١٥٢

قَالَ فِي الْبَدَائِعِ صَبِيٌّ أَبَوَيْهِ مُسْلِمَانِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَبَلَغَ كَافِرًا وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إقْرَارٌ بِاللِّسَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقْتَلُ لِانْعِدَامِ الرِّدَّةِ مِنْهُ إذْ هِيَ اسْمٌ لِلتَّكْذِيبِ بَعْدَ سَابِقَةِ التَّصْدِيقِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ الْبُلُوغِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ يُقْتَلُ وَلَكِنَّهُ فِي الْأُولَى يُحْبَسُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ تَبَعًا وَالْحُكْمُ فِي إكْسَابِهِ كَالْحُكْمِ فِي إكْسَابِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ حُكْمًا اهـ.

١٧٬١٥٣

وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي إسْلَامِهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَوْ أَسْلَمَ صَحَّ إسْلَامُهُ فَإِنْ رَجَعَ مُرْتَدًّا لَا يُقْتَلُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا ارْتَدَّ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. .

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كُلُّ مَنْ أَبْغَضَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَخْ) قَالَ تِلْمِيذُ الْمُؤَلِّفِ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ وَجَعْلِهِ إيَّاهُ مَتْنًا مَا نَصُّهُ وَبِمِثْلِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ الْبَزَّازِيُّ وَبِهَذَا جَزَمَ شَيْخُنَا فِي فَوَائِدِهِ لَكِنْ سَمِعْت مِنْ مَوْلَانَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَمِينِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْعَالِ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الْفَتْحِ تَبِعَ الْبَزَّازِيُّ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْبَزَّازِيَّ تَبِعَ صَاحِبَ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ فَإِنَّهُ عَزَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا نَقَلَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ اهـ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَفْلَاطُونَ زَادَهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمُعِينِ الْحُكَّامِ أَنَّهَا رِدَّةٌ حَيْثُ قَالَ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَا صُورَتُهُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ بَغَضَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ رِدَّةً وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ اهـ.

٦٬٢٢٤

وَفِي النَّتْفِ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ اهـ.

فَقَوْلُهُ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَمِمَّنْ نَقَلَ أَنَّهَا رِدَّةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالشِّفَاءِ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْتَلُ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ وَرَوَى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ يُنْقِصُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَرِئَ مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ اهـ. إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمِنَحِ.

لَكِنْ قَالَ بَعْدَمَا يَأْتِي عَنْ الْجَوْهَرَةِ فِي سَابِّ الشَّيْخَيْنِ أَقُولُ: يَقْوَى الْقَوْلُ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ الشَّرِيفَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ رِعَايَةً لِحَضْرَةِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ الْمَخْصُوصِ بِكَمَالِ الْفَضْلِ وَالْبَسَالَةِ اهـ.

وَفِيهِ كَلَامٌ تَعَرَّفْهُ وَقَدْ حَرَّرْت الْمَسْأَلَةَ فِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ فَرَاجِعْهَا ثُمَّ جَمَعْت فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْته

٦٬٢٢٥

تَنْبِيهَ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الشِّفَاءِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ إلَخْ صَرِيحٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْ قَالَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لَكِنْ قَالُوا أَنَّهُ رِدَّةٌ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ كَمَا هُوَ حُكْمُ الرِّدَّةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ الْمَذْكُورِ

٦٬٢٢٦

فَائِدَةٌ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ عِنْدَنَا الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ فِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ إلَّا قَبُولَ التَّوْبَةِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ أُمَيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ فَصَرَّحَ فِيهِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ.

(قَوْلُهُ وَفِي الْجَوْهَرَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ إلَخْ)

٦٬٢٢٧

قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي أَصْلِ الْجَوْهَرَةِ وَإِنَّمَا وُجِدَ عَلَى هَامِشِ بَعْضِ النُّسَخِ فَالْحَقُّ بِالْأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ. [تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ]

(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ تَعُودُ طَاعَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُؤَثِّرَةً فِي الثَّوَابِ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَوْدِهَا مُؤَثِّرَةً فِي الثَّوَابِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا ثَوَابًا جَدِيدًا غَيْرَ الثَّوَابِ الَّذِي حَبَطَ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوَابِ عَدَمُ مُطَالَبَتِهِ بِإِعَادَتِهَا وَإِنْ بَطَلَتْ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الِاعْتِدَادَ بِهَا وَعَدَمَ مُطَالَبَتِهِ بِإِعَادَتِهَا فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لِلسَّعْدِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي بَحْثِ التَّوْبَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي أَنَّهُ إذَا سَقَطَ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ لِلْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ هَلْ يَعُودُ اسْتِحْقَاقُ ثَوَابِ الطَّاعَةِ الَّذِي أَبْطَلَتْهُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ لَا لِأَنَّ الطَّاعَةَ تَنْعَدِمُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ وَقَدْ سَقَطَ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ وَقَالَ الْكَعْبِيُّ نَعَمْ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُزِيلُ الطَّاعَةَ وَإِنَّمَا تَمْنَعُ حُكْمَهَا وَهُوَ الْمَدْحُ وَالتَّعْظِيمُ فَلَا تُزِيلُ ثَمَرَتَهَا فَإِذَا صَارَتْ بِالتَّوْبَةِ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ ظَهَرَتْ ثَمَرَةُ الطَّاعَةِ كَنُورِ الشَّمْسِ إذَا زَالَ الْغَيْمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَعُودُ ثَوَابُ السَّابِقِ لَكِنْ تَعُودُ طَاعَتُهُ السَّالِفَةُ مُؤَثِّرَةً فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَرَاتِهِ وَهُوَ الْمَدْحُ وَالثَّوَابُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِمَنْزِلَةِ شَجَرَةٍ احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ أَغْصَانُهَا وَثِمَارُهَا ثُمَّ انْطَفَأَتْ النَّارُ فَإِنَّهُ تَعُودُ أَصْلُ الشَّجَرَةِ وَعُرُوقُهَا إلَى خُضْرَتِهَا وَثَمَرَتِهَا اهـ.

وَهَذَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا وَيُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْكَعْبِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّف وَأَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي بُطْلَانِ ثَوَابِ الطَّاعَةِ بِالْمَعَاصِي الْكَبَائِرُ لِأَنَّهَا عِنْدَ هُمْ تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ لَكِنْ لَا تُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ نَعَمْ إذَا مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا كَانَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ كَالْكُفَّارِ

(قَوْلُهُ وَمِنْهَا بَقَاءُ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الرِّدَّةِ) قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْصِيَةُ بِالرِّدَّةِ لَا تَرْتَفِعُ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَا وَقَعَ حَالَ الرِّدَّةِ وَقَبْلَهَا مِنْ الْمَعَاصِي وَلَا يَسْقُطُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ اهـ.

وَتَمَامُهُ فِيهِ وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الْمَعَاصِي قَبْلَ الرِّدَّةِ لَا يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بَعْدَ إسْلَامِهِ كَمَا يَسْقُطُ مَا وَقَعَ مِنْهُ حَالَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بِإِسْلَامِهِ وَتَبَرِّيهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ يَصِيرُ تَائِبًا عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورِ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ تَحْبَطُ طَاعَاتُهُ وَهَلْ تَعُودُ عَلَى الْخِلَافِ وَأَنَّهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ لَا تَسْقُطُ مَعَاصِيهِ إذْ لَا وَجْهَ لِسُقُوطِهَا بَلْ قَدْ ازْدَادَ فَوْقَهَا أَعْظَمُ الْآثَامِ وَإِنَّمَا تَسْقُطُ مَعَاصِيهِ الْمَاضِيَةُ بِإِسْلَامِهِ أَوْ لَا فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْإِسْلَامِ يَكُونُ تَوْبَةً مِنْ الْمَعَاصِي أَيْضًا أَوْ لَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ حَدِيثِ «الْإِسْلَامِ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ مِنْ سُقُوطِ الْمَعَاصِي أَيْ بِالْإِسْلَامِ لَا بِالرِّدَّةِ كَمَا عَلِمْت تَحْقِيقَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي غَيْرِ الَّذِي يُطَالَبُ بِأَدَائِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَقَضَاءِ مَا تَرَكَهُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [إسْلَامُ الْمُرْتَدِّ]

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(ويحبس ثلاثة أيام) يعرض عليه الإسلام في كل يوم منها كما في (الخانية) هذا أيضا ظاهر في وجوب / الانتظار لما عرف من الإخبار فإن لم [٣٣٥/أ] يطلبه لا يستحب وإنما يقتل من ساعته وخص الثلاثة لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار ولو ارتد ثانيا فعل به كذلك كذا في (التتارخانية) .

لا زيادة له على هذه المسألة.

تبيين الحقائقالزيلعي

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٢٬٤٧٨ قبلها

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٢٬٤٧٨ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.