خرج قومٌ مسلمون عن طاعة الإمام وغلبوا على بلدٍ دعاهم إليه وكشف شبهتهم
الشروح عليها
(بَابُ الْبُغَاةِ) أَخَّرَهُ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ وَلِبَيَانِ حُكْمِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةُ جَمْعُ بَاغٍ مَنْ بَغَى عَلَى النَّاسِ ظَلَمَ وَاعْتَدَى وَبَغَى سَعَى بِالْفَسَادِ وَمِنْهُ الْفِرْقَةُ الْبَاغِيَةُ لِأَنَّهَا عَدَلَتْ عَنْ الْقَصْدِ وَأَصْلُهُ مِنْ بَغَى الْجُرْحُ إذَا تَرَامَى إلَى الْفَسَادِ وَبَغَتْ الْمَرْأَةُ تَبْغِي بِغَاءً بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ فَجَرَتْ فَهِيَ بَغِيٌّ وَالْجَمْعُ الْبَغَايَا وَهُوَ وَصْفٌ يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ وَلَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ بَغِيٌّ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ الْبَاغِي الطَّالِبُ وَالْجَمْعُ بُغَاةٌ وَبُغْيَانُ وَفِئَةٌ بَاغِيَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ اهـ.
فَقَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْبَاغِي فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْخَارِجُ عَنْ الْإِمَامِ الْحَقِّ تَسَاهُلٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ ثَلَاثَةٌ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُهُمْ وَخَوَارِجُ وَبُغَاةٌ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْخَوَارِجَ قَوْمٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَحَمِيَّةٌ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ كُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ قِتَالَهُ بِتَأْوِيلِهِمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونَ نِسَاءَهُمْ وَيُكَفِّرُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ حُكْمُ الْبُغَاةِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إلَى كُفْرِهِمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ وَهَذَا يَقْتَضِي نَقْلَ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَبَعْضُهُمْ يُكَفِّرُونَ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِبِدْعَتِهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَنَسَبَهُ إلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّقْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ نَعَمْ يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا ذَكَرْنَا وَابْنُ الْمُنْذِرِ أَعْرَفُ بِنَقْلِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ
وَأَمَّا الْبُغَاةُ فَقَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ وَلَمْ يَسْتَبِيحُوا مَا اسْتَبَاحَهُ الْخَوَارِجِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ اهـ.
فَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ تَفْسِيرِ الْبُغَاةِ بِالْخَوَارِجِ فِيهِ قُصُورٌ وَإِنَّمَا لَا نُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ بِاسْتِحْلَالِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لِتَأْوِيلِهِمْ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا
بِخِلَافِ الْمُسْتَحِلِّ بِلَا تَأْوِيلٍ. (قَوْلُهُ خَرَجَ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَغَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ) بِأَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ فَإِنْ كَانَ لِظُلْمٍ مِنْهُ أَزَالَهُ وَإِنْ قَالُوا الْحَقُّ مَعَنَا وَالْوِلَايَةُ لَنَا فَهُمْ بُغَاةٌ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ قَبْلَ قِتَالِهِمْ وَلِأَنَّهُ أَهْوَنُ الْأَمْرَيْنِ وَلَعَلَّ الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِهِ فَيَبْدَأُ بِهِ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا فَإِنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ لَوْ قَاتَلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ إلَى الْعَوْدِ إلَى الْجَمَاعَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ فَحَالُهُمْ كَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ
فَلَوْ أَبْدَوْا مَا يُجَوِّزُ لَهُمْ الْقِتَالَ كَأَنْ ظَلَمَهُمْ أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُمْ ظُلْمًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ لَا يَكُونُونَ بُغَاةً وَلَا يَجُوزُ مُعَاوَنَةُ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُمْ حَتَّى يُنْصِفَهُمْ وَيَرْجِعَ عَنْ جَوْرِهِمْ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَالُ مُشْتَبِهًا أَنَّهُ ظُلْمٌ مِثْلَ تَحْمِيلِ بَعْضِ الْجِبَايَاتِ الَّتِي لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا وَإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَعَمَّ مِنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدَ بِإِسْلَامِهِمْ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا غَلَبُوا عَلَى مَوْضِعٍ لِلْحِرَابِ صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنْ لَوْ اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ كَمَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ لَيْسَ نَقْضًا لِلْإِيمَانِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ يَعْنِي بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَرُدُّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ السِّيَرِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا السُّلْطَانُ مَنْ يَصِيرُ سُلْطَانًا بِأَمْرَيْنِ بِالْمُبَايَعَةِ مَعَهُ وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُبَايَعَةِ أَشْرَافُهُمْ وَأَعْيَانُهُمْ وَالثَّانِي أَنْ يَنْفُذَ حُكْمُهُ فِي رَعِيَّتِهِ خَوْفًا مِنْ قَهْرِهِ وَجَبَرُوتِهِ فَإِنْ بَايَعَ النَّاسَ وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِيهِمْ لِعَجْزِهِ عَنْ قَهْرِهِمْ لَا يَصِيرُ سُلْطَانًا فَإِذَا صَارَ سُلْطَانًا بِالْمُبَايَعَةِ فَجَازَ إنْ كَانَ لَهُ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ لَا يَنْعَزِلُ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَزَلَ يَصِيرُ سُلْطَانًا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَلَا يُفِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَهْرٌ وَغَلَبَةٌ يَنْعَزِلُ اهـ.
وَقَيَّدَ بِغَلَبَتِهِمْ عَلَى بَلَدٍ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَغْيِ مَا لَمْ يَتَغَلَّبُوا وَيَجْتَمِعُوا وَيَصِيرُ لَهُمْ مَنَعَةٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْإِمَامَ بِالْعَادِلِ وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَكُونَ النَّاسُ بِهِ فِي أَمَانٍ وَالطُّرُقَاتُ آمِنَةٌ.
[بَابُ الْبُغَاةِ] (قَوْلُهُ وَحُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحْدِثِينَ حُكْمُ الْبُغَاةِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ مَنْ يَعْتَقِدُ شَيْئًا عَلَى خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَعْتَقِدُهُ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ
أَمَّا لَوْ كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى الْكُفْرِ فَلَا يَجُوزُ أَصْلًا كَالْغُلَاةِ مِنْ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْأُلُوهِيَّةَ لِعَلِيٍّ أَوْ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَهُ فَغَلَّطَ جِبْرِيلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ
وَكَذَا مَنْ يَقْذِفُ الصِّدِّيقَةَ أَوْ يُنْكِرُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ أَوْ خِلَافَتَهُ أَوْ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ وَكَالْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ تَعَالَى جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمَنْ يُنْكِرُ الشَّفَاعَةَ أَوْ الرُّؤْيَةَ أَوْ عَذَابَ الْقَبْرِ أَوْ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ
أَمَّا مَنْ يُفَضِّلُ عَلِيًّا فَحَسْبُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ
وَكَذَا مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ تَعَالَى جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِكُفْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَنَحْوِهِمْ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ عَمْدِ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ كُلِّهِمْ مَحْمَلُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَقَدَ نَفْسَهُ كُفْرٌ فَالْقَائِلُ بِهِ قَائِلٌ بِمَا هُوَ كُفْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ قَوْلِهِ ذَلِكَ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ لَكِنَّ جَزْمَهُمْ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ لَا يُصَحِّحُ هَذَا الْجَمْعَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الْحِلِّ مَعَ الصِّحَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْقُولُ عَلَى مَا عَدَا غُلَاةِ الرَّوَافِضِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ بَذْلُ وُسْعٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْإِلَهُ أَوْ بِأَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّخْفِ إنَّمَا هُوَ مُتَّبَعٌ مَحْضَ الْهَوَى وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ قَالَ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فَلَا يَتَأَتَّى مِنْ مِثْلِ الْإِمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَنْ لَا يَحْكُمَا بِأَنَّهُمْ مِنْ أَكْفَرِ الْكَفَرَةِ وَإِنَّمَا كَلَامُهُمَا فِي مِثْلِ مَنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كُفْرًا كَمُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ نَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ إنْكَارَ حُكْمِ النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ فِي الْكَلَامِ وَكَمُنْكِرِ خِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ وَالسَّابِّ لَهُمَا فَإِنَّ فِيهِ إنْكَارَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ بِإِتْهَامِهِمْ الصَّحَابَةَ فَكَانَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةَ الْبُطْلَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ فَبِسَبَبِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادُهُمْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِمْ مَعَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ كُفْرٌ احْتِيَاطًا
بِخِلَافِ مِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْغُلَاةِ فَتَأَمَّلْ اهـ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [خَرَجَ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَغَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ]
باب البغاة] أخر هذا الباب عن المرتدين لقلة وجوده كذا في (العناية) ،
قال في (الحواشي السعدية) : ويجوز أن يقال: تجري مباحث البغاة من مباحث المرتد مجرى المركب من المفرد لاشتراط الاجتماع في البغي دون الارتدار وأيضا المرتد كافر وكتاب السير في بيان الجهاد مع الكفار
بخلاف الباغي فإنه مسلم انتهى. وهذا الأخير يقتضي أن الأولى أن يترجم عنه بكتاب إذ شأن الباب دخوله تحت كتاب وهذا خارج عنه، وهي جمع باغ من بغى سعى في الأرض بالفساد ومنه الفرقة الباغية وبغى على الناس ظلم واعتدى وفي (القاموس) الباغي الطالب وفئة باغية خارجة عن طاعة الإمام العادل وفي عرف الفقهاء الخارج عن الإمام الحق والخارجون عن طاعة الإمام أصناف قطاع الطريق وهم قسمان قوم لهم تأويل سواء كان لهم منعة أو لا أخذوا الأموال وقتلوا الأنفس وأخافوا الطريق أولا،
والثاني كذلك إلا أنهم لا منعة لهم لكن لهم تأويل، وخوارج خروج قوم مسلمون عن طاعة الإمام وغلبوا على بلد دعاهم إليه وكشف شبهتهم وبدأ بقتالهم.
وهم لهم منعة وحمية خرجوا عن طاعة الإمام بتأويل يرون أنه على باطل كفر أو معصية توجب قتاله بتأويلهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويسبون نساءهم ويكفرون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكمهم عند جمهور الفقهاء والحدثين حكم البغاة خلافا لبعض أهل الحديث في تكفيرهم.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافقهم على تكفيرهم وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء وفي (المحيط) أكثر أهل السنة على تكفير بعض أهل البدع وهو من خالف ببدعته دليلا قاطعا وبعضهم لا يكفر أحدا منهم
قال في (الفتح) : والأول أثبت وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين، وبغاة وهم قوم خرجوا عن طاعته غير مستبيحين ما استباحه الخوارج، (خرج قوم مسلمون) قيد بذلك لأن أهل الذمة إذا غلبوا على بلدة صاروا أهل حرب كما مر.
ولو قاتلونا مع أهل البغي لم يكن ذلك نقصا للعهد كما في (الفتح) وهذا لا يرد على المصنف لأنهم أتباع للبغاة المسلمين (عن طاعة الإمام) الذي به الناس في أمان والطرقات آمنة كذا في (الفتح) وأراد به السلطان أو نائبة والسلطنة تكون بأمرين مبايعة أشرافهم وأعيانهم ونفوذ حكمه بين رعيته خوفا من قهره كذا في (الخانية) (وغلبوا على بدل دعاهم إليه) أي: إلى نفسه أي: إلى طاعته وقال الشارح: العود إلى الجماعة وما قلناه أحسن وأصوب قاله العيني (وكشف شبهتهم) / الناشئ عنها خروجهم عليه فإن كان لظلم منه أزاله فإن لم يزله وكانت لهم شوكة وقاتلوهم فإنه لا ينبغي للناس أن يعينوهم حتى لا يكون ذلك منهم خروجا على السلطان ولا ينبغي أيضا أن يعينوا السلطان حتى لا يكونوا عونا على الظلم كذا في (السراج) .
وسيأتي ما يخالفه وإن كان لطلب الولاية لأنهم أحق منه في زعمهم كانوا بغاة لأن عليا فعل كذلك قبل قتال أهل حروراء بالمد والقصر قرية من قرى الكوفة تجمعت بها الخوارج وكل سفاك للدماء يقال فيه حروري وهذا مندوب فقط حتى لو قاتلهم أهل العدل قبل ذلك جاز لأنهم علموا ما يقاتلون عليه إلا إذا بينوا ما يجوز لهم القتال كجور الإمام فيجب على المسلمين معاونتهم حتى يرجع عن جوره
بخلاف ما لو كان الحال مشتبها أنه ظلم مثل تحميل بعض الجنايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر لدفع ضرر أعم منه،
(بَابُ الْبُغَاةِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (خَرَجَ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَغَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْعَوْدِ إلَى الْجَمَاعَةِ (وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ) لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلَى أَهْلِ حَرُورَاءَ فَدَعَاهُمْ إلَى التَّوْبَةِ وَنَاظَرَهُمْ قَبْلَ قِتَالِهِمْ وَلِأَنَّهُ تُرْجَى تَوْبَتُهُمْ وَلَعَلَّ الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِالتَّذْكِرَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وَهُوَ أَهْوَنُ فَيَبْدَأُ بِهِ وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا لِمَاذَا يُقَاتِلُونَ فَصَارُوا كَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلِهَذَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِكُلِّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ كَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ وَالْمَنْجَنِيقِ وَإِرْسَالِ الْمَاءِ وَالنَّارِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فَصَارَ قِتَالُهُمْ كَقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ حَرُورَاءَ) حَرُورَاءُ بِالْمَدِّ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ يُنْسَبُ إلَيْهَا فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ كَانَ أَوَّلُ اجْتِمَاعِهِمْ بِهَا وَتَعَمَّقُوا فِي الدِّينِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ مَعْنَاهُ أَخَارِجَةٌ عَنْ الدِّينِ بِسَبَبِ التَّعَمُّقِ فِي السُّؤَالِ. اهـ. مِصْبَاحٌ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ حَرُورَاءُ اسْمُ قَرْيَةٍ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ) أَيْ لَا تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ ثَانِيًا. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.