فإن جاء ربّها نفّذه أو ضمّن الملتقط
الشروح عليها
(قَوْلُهُ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا نَفَّذَهُ أَوْ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ) أَيْ إنْ جَاءَ مَالِكُهَا بَعْدَ تَصَدُّقِ الْمُلْتَقِطِ خُيِّرَ بَيْنَ إمْضَاءِ الصَّدَقَةِ وَالثَّوَابِ لَهُ وَبَيْنَ تَضْمِينِ الْمُلْتَقِطِ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ أَطْلَقَ فِي التَّنْفِيذِ فَشَمِلَ مَا بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْفَقِيرِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَحَلِّ
بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إجَازَتِهِ قِيَامُ الْعَيْنِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فِيهِ
وَأَمَّا تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ فَلِكَوْنِهِ سَلَّمَ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَّا أَنَّهُ بِإِبَاحَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَهَذَا لَا يُنَافِي الضَّمَانَ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا فِي تَنَاوُلِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ وَأَطْلَقَ فِيهِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ التَّصَدُّقُ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ فِعْلِهِ وَالْقَاضِي لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يَضْمَنَ مَنْ أَمَرَهُ الْقَاضِي.
وَلِذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُلْتَقِطِ فَشَمِلَ الْقَاضِي وَلِذَا
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا مَالَ الْقَاضِي أَوْ الْإِمَامُ إلَى التَّصَدُّقِ وَتَصَدَّقَ كَانَ فِي ذَلِكَ كَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا وَهَذَا لِأَنَّ التَّصَدُّقَ بِهَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي وِلَايَةِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ اهـ.
وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَا مُلْتَقِطَيْنِ أَوْ الْتَقَطَ غَيْرُهُمَا وَدَفَعَهَا إلَيْهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَضْمِينَ الْمِسْكِينِ قَالُوا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمِسْكِينُ وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ مِنْ وَقْتِ الْأَخْذِ وَيَكُونُ الثَّوَابُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً أَخَذَهَا مِنْ يَدِ الْفَقِيرِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الثَّوَابَ مَوْقُوفٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ شَيْئًا إذَا رَدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَوْ الْتَقَطَ لُقَطَةً أَوْ وَجَدَ ضَالَّةً أَوْ صَبِيًّا حُرًّا ضَالًّا فَرَدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ جُعْلٌ وَإِنْ عَوَّضَهُ شَيْئًا فَحَسَنٌ اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ قَالَ مَنْ وَجَدَهُ فَلَهُ كَذَا فَأَتَى بِهِ إنْسَانٌ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِهِ اهـ.
وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَعَزَاهُ إلَى الْكَرْخِيِّ لَكِنَّ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا قَبُولَ لِهَذِهِ الْإِجَارَةِ فَلَا إجَارَةَ أَصْلًا وَفِي الْقَامُوسِ الرَّبُّ بِاللَّامِ لَا يُطْلَقُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ فَمَالِكُ الشَّيْءِ وَمُسْتَحِقُّهُ أَوْ صَاحِبُهُ وَأَنْفَذَ الْأَمْرَ قَضَاهُ وَالنَّافِذُ الْمَاضِي فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا قَبُولَ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ بِجَمْعٍ حَضَرَ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ لِلنَّظَرِ وَتَحْصِيلِهَا فَهَذَا قَبُولٌ مِنْهُ كَمَا ذَكَرُوا فِي الْوَكَالَةِ لَوْ وَكَّلَهُ فَبَاعَ كَانَ قَبُولًا اهـ.
قُلْتُ: فِي إجَارَاتِ الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ فَقَالَ مَنْ دَلَّنِي عَلَيْهِ فَلَهُ كَذَا فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ لَهُ لَيْسَ مَعْلُومًا وَالدَّلَالَةُ وَالْإِشَارَةُ لَيْسَتَا بِعَمَلٍ يُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَجْرُ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُصُوصِ بِأَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ إنْ دَلَلْتنِي عَلَيْهِ فَلَكَ كَذَا إنْ مَشَى لَهُ وَدَلَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْمَشْيِ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ دَلَّهُ بِغَيْرِ مَشْيٍ فَهُوَ وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ اهـ.
(فإن جاء ربها) أي: مالكها (نفذ) أي: التصدق ولو بعد هلاك العين لأن الملك يثبت للفقير قبل الإجازة فلم يتوقف على قيام المحل، والظاهر أنها لو كانت لصبي فليس للأب والوصي تنفيذ الصدقة أو ضمن الملتقط لأنه تصرف في ماله بغير إذنه وإباحة تصرفه من جهة الشرع لا تنافي الضمان حقا للعبد، كتناول مال الغير حال المخمصة أطلقه فشمل القاضي أيضا ومن ثم كان الأصح أنه لا فرق في تضمينه بين أن يكون بأمر القاضي أو لا لأن أمره لا يزيد على تصدقه بنفسه ولم يذكر تضمين الفقير لو لم تكن قائمة في يده.
وقد قالوا: إنه إذا كان معلوما كان له تضمينه لأنه أخذ ماله بغير إذنه ولا يرجع على الملتقط بشيء
وكذا هو لا رجوع له على الفقير
(فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا نَفَّذَهُ أَوْ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِطَ) يَعْنِي إذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ مَا تَصَدَّقَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَى الصَّدَقَةَ وَلَهُ ثَوَابُهَا لِأَنَّ التَّصَدُّقَ لَمْ يَحْصُلْ بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْفَقِيرِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَحَلِّ
بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ حَيْثُ تَتَوَقَّفُ الْإِجَازَةُ فِيهِ عَلَى قِيَامِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْقَائِمِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قِيَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْمَالِكِ أَيْضًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَإِذْنُ الشَّرْعِ لَا يُنَافِيهِ حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ فَصَارَ كَتَنَاوُلِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَ الْمَخْمَصَةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ فِعْلِهِ وَالْقَاضِي لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يَضْمَنَ مِنْ أَمْرِهِ الْقَاضِي وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْفَقِيرَ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا يَرْجِعُ الْفَقِيرُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الضَّمَانِ وَلَا الْمُلْتَقِطُ يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ هَذَا إذَا هَلَكَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْفَقِيرِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَخَذَهَا صَاحِبُهَا إنْ لَمْ يُمْضِ الصَّدَقَةَ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْفَقِيرِ) أَيْ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَيَمْلِكُهُ الْفَقِيرُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «الصَّدَقَةُ تَقَعُ» الْحَدِيثُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَحَلِّ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْفَقِيرِ تَجُوزُ الْإِجَازَةُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ بِالْأَخْذِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْخُذَ الْمَالِكُ إذَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ قُلْنَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِرْدَادِ كَالْوَاهِبِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ وَكَالْمُرْتَدِّ لَوْ عَادَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.
اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ هـ هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ) أَيْ فَإِنْ ضَمِنَهُ يَكُونُ الثَّوَابُ لَهُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ وَقْتِ التَّصَدُّقِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي الصَّحِيحِ) وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ إذَا تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِإِذْنِ الْقَاضِي فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ جَامِعِ الْفَتَاوَى اهـ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ فَصَارَ الْمُلْتَقِطُ كَالْغَاصِبِ وَالْمِسْكِينُ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَا الْمُلْتَقِطُ يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ)
فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ وَظَهَرَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ
وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ كَاكِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.