فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهَا لَوْ فَقِيرًا وَإِلَّا تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ وَلِأَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ لَوْ فَقِيرًا) أَيْ يَنْتَفِعُ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ بِأَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرْطِ كَوْنِهِ فَقِيرًا نَظَرًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا جَازَ الدَّفْعُ إلَى فَقِيرٍ آخَرَ

١٧٬٣٨٦

وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمُلْتَقِطِ فَظَاهِرٌ لِلْحَدِيثِ فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَلِيَتَصَدَّقْ بِهَا وَالصَّدَقَةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْفَقِيرِ كَالصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَكَذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَانْتَفِعْ بِهَا» وَكَانَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْفَقِيرِ حَمْلًا لَهُ عَلَى رَفْعِهَا صِيَانَةً لَهَا وَالْغَنِيُّ يُشَارِكُهُ فِيهِ وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِرِضَاهُ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْفَقِيرِ لِمَا رَوَيْنَا أَوْ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ وَالْغِنَى مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْذِ لِاحْتِمَالِ افْتِقَارِهِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ وَالْفَقِيرُ قَدْ يَتَوَانَى لِاحْتِمَالِ اسْتِغْنَائِهِ فِيهَا وَانْتِفَاعُ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ جَائِزٌ بِإِذْنِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْغَنِيَّ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مُتُونًا وَشُرُوحًا أَنَّ الْحِلَّ لِلْفَقِيرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْقَاضِي وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْسِهِ بَعْدَمَا عَرَّفَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا إنْ أَذِنَ لَهُ الْقَاضِي أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَلَا يَحِلُّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بِشْرٌ يَحِلُّ اهـ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الِانْتِفَاعَ بِالتَّمَلُّكِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الِانْتِفَاعَ بِدُونِهِ كَالْإِبَاحَةِ وَلِذَا مَلَكَ بَيْعَهَا وَصَرْفَ الثَّمَنِ إلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَطْلَقَ فِي عَدَمِ الِانْتِفَاعِ لِلْغَنِيِّ فَشَمِلَ الْقَرْضَ وَلِذَا

١٧٬٣٨٧

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ إذَا كَانَ غَنِيًّا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِطَرِيقِ الْقَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْسِهِ صَدَقَةً لَا قَرْضًا اهـ.

وَأَطْلَقَ فِي وَلَدِهِ فَشَمِلَ الصَّغِيرَ

١٧٬٣٨٨

وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَقَارِبَ الْمُلْتَقِطِ وَأُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ وَزَوْجَتَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الْجَوَازَ لِلْفَقْرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْكُلِّ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الصَّغِيرِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا لِأَنَّ الْوَلَدَ يُعَدُّ غَنِيًّا بِغَنَاءِ أَبِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا انْتَفَعَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِ مَا إذَا تَصَدَّقَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ بِالْأَوْلَى فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ وَأَنْ يَضْمَنَ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ وَجَدَ عَرْضًا لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا وَهُوَ فَقِيرٌ ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَصَابَ مَالًا قَالُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمِثْلِ مَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ زَادَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَأَفَادَ الِاخْتِلَافَ.

١٧٬٣٨٩

وَفِي الْخَانِيَّةِ امْرَأَةٌ وَضَعَتْ مِلَاءَتَهَا وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى وَوَضَعَتْ مِلَاءَتَهَا ثُمَّ جَاءَتْ الْأُولَى وَأَخَذَتْ مِلَاءَةَ الثَّانِيَةِ وَذَهَبَتْ لَا يَنْبَغِي لِلثَّانِيَةِ أَنْ تَنْتَفِعَ بِمِلَاءَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَنْتَفِعَ بِهَا قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ تَتَصَدَّقَ هِيَ بِهَذِهِ الْمِلَاءَةِ عَلَى ابْنَتِهَا إنْ كَانَتْ فَقِيرَةً عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ لِصَاحِبَتِهَا إنْ رَضِيَتْ ثُمَّ تَهَبُ الِابْنَةُ الْمِلَاءَةَ مِنْهَا فَيَسَعُهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فَكَانَ سَبِيلُهَا التَّصَدُّقَ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً لَا يَحِلُّ لَهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا

١٧٬٣٩٠

وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْمُكَعَّبِ إذَا سَرَقَ اهـ.

وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْمُكَعَّبُ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ أَجْوَدَ

١٧٬٣٩١

أَمَّا إذَا كَانَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّكَلُّفِ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَجْوَدِ وَتَرْكَ الْأَدْوَنِ دَلِيلُ الرِّضَا بِالِانْتِفَاعِ بِالْأَدْوَنِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ اللُّقَطَةِ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ التَّصَدُّقِ بِهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ وَكَأَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ

١٧٬٣٩٢

وَكَذَلِكَ جَوَّزُوا الِانْتِفَاعَ لِلْحَالِ فِي مَسْأَلَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ هِيَ لَوْ مَاتَ غَرِيبٌ فِي دَارِ رَجُلٍ وَمَعَهُ قَدْرُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْبَيْتِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَهُ ذَلِكَ كَاللُّقَطَةِ اهـ.

وَلَمْ يُصَرِّحَا بِمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَإِذَا مَاتَ الْغَرِيبُ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ كَانَ حُكْمُ تَرِكَتِهِ كَحُكْمِ اللُّقَطَةِ إلَّا إذَا كَانَ مَالًا كَثِيرًا يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالْفَحْصِ عَنْ وَرَثَتِهِ سِنِينَ اهـ.

١٧٬٣٩٣

وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ غَرِيبٌ مَاتَ فِي دَارِ رَجُلٍ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ وَخَلَفَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَصَاحِبُ الدَّارِ فَقِيرٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ اهـ.

وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا هـ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ

١٧٬٣٩٤

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَمَامِ فَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ لَهُ مُحْصَنَةُ حَمَامٍ اخْتَلَطَ بِهَا أَهْلِيٌّ لِغَيْرِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنْ أَخَذَهُ طَلَبَ صَاحِبَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللُّقَطَةِ فَإِنْ فَرَّخَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَرِيبَةً لَا يَتَعَرَّضُ لِفَرْخِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ لِصَاحِبِ الْمُحْصَنَةِ وَالْغَرِيبُ ذَكَرٌ فَالْفَرْخُ لَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ بُرْجَ حَمَامٍ فَأَوْكَرَتْ فِيهِ حَمَامُ النَّاسِ فَمَا يَأْخُذُ مِنْ أَفْرَاخِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لِحَاجَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ ثُمَّ يَشْتَرِي وَيَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ شَيْخُنَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَكَانَ مُولَعًا بِأَكْلِ الْجَوَازِلِ وَمُحْصَنَةُ الْحَمَامِ بُرْجُهُ وَأَوْكَرَتْ اتَّخَذَتْ وَكْرًا وَهُوَ بَيْتُ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ وَالْمُولَعُ الْحَرِيصُ وَالْجَوَازِلُ جَمْعُ جَوْزَلٍ وَهُوَ فَرْخُ الْحَمَامِ اهـ.

١٧٬٣٩٥

وَفِي الْقُنْيَةِ يَمْشِي فِي السُّوقِ وَيَنْفُخُ فِي التُّرَابِ فَوَجَدَ عَدْلِيَّةً أَوْ فَلْسًا أَوْ ذَهَبًا لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا ثُمَّ رَقَّمَ لِآخَرَ

١٧٬٣٩٦

أَمَّا الْفَلْسُ وَالْعَدْلِيَّةُ فَيُبَاحُ لَهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَفِي الزِّيَادَةِ لَا

١٧٬٣٩٧

وَيَجُوزُ التَّصَدُّقُ فِي الْعَدْلِيَّةِ وَالْفَلْسِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ اهـ.

١٧٬٣٩٨

وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمَأْخُوذُ بِهِ أَنَّ لِلْمَأْمُورِ بِالنِّثَارِ سُكَّرًا أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يَحْبِسَ لِنَفْسِهِ مِقْدَارَ مَا يَحْبِسُهُ النَّاسُ وَأَنْ يَلْتَقِطَ وَمَنْ وَقَعَ فِي حِجْرِهِ أَوْ ذَيْلِهِ شَيْءٌ فَأَخَذَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ إنْ هَيَّأَهُ لِذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْآخِذِ وَإِلَّا كَانَ لَهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة سَارِقٌ دَفَعَ لِرَجُلٍ مَتَاعًا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إنْ لَمْ يَعْرِفَ صَاحِبَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَلَا يُرَدُّ إلَى السَّارِقِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. .

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَمَلَّكَهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ مَعْنَى الِانْتِفَاعِ بِهَا صَرْفُهَا إلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مَا بَقِيَتْ فِي يَدِهِ لَا تَمَلُّكهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ لِمَا أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَعِنْدَهُ مَا تَصِيرُ بِهِ نِصَابًا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ تَحْتَ يَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ اهـ.

٦٬٢٨٠

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَيْنًا فَانْتَفَعَ بِهَا بِلُبْسٍ وَنَحْوِهِ لَا يَمْلِكُهَا مَعَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَرَفَهَا إلَى نَفْسِهِ وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالتَّمَلُّكِ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِبَاحَةِ كَمَا يُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَيْ يَنْتَفِعُ بِهَا وَهِيَ مِلْكُهُ حَالَ الِانْتِفَاعِ لَا أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا فَلْيُتَأَمَّلْ

(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مُتُونًا وَشُرُوحًا إلَخْ) يُخَالِفُهُ مَا فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا بِإِذْنِ الْقَاضِي

٦٬٢٨١

وَقِيلَ بِدُونِهِ وَعَزَا الْأَوَّلَ فِي شَرْحِهِ الْبُرْهَانَ إلَى الْأَكْثَرِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ

(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الصَّغِيرِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا)

٦٬٢٨٢

قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ بَلْ الْمُرَادُ الْكَبِيرُ إذْ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا وَلَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الصَّغِيرِ فَكَيْفَ يَشْمَلُهُ الْإِطْلَاقُ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى وَلَدٍ غَنِيٍّ قَالَ أَبُو السُّعُودِ وَقَدْ تَبِعَهُ الْحَمَوِيُّ وَوَجْهُ عَدَمِهِ الشُّمُولَ أَنَّ ابْنَ الْغَنِيِّ الصَّغِيرَ يُعَدُّ غَنِيًّا بِغَنَاءِ أَبِيهِ

٦٬٢٨٣

بِخِلَافِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ حَيْثُ لَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِغَنَاءِ أَبِيهِ وَأَقُولُ: تَسْهِيَةُ صَاحِبِ الْبَحْرِ إنَّمَا تَتَّجِهُ أَنْ لَوْ كَانَ تَصَدُّقُ الْمُلْتَقِطِ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ يَنْحَصِرُ فِيمَا لَوْ كَانَ غَنِيًّا مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ إذْ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَيْضًا كَالْغَنِيِّ وَإِنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْسِهِ لِفَقْرِهِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْبَحْرِ عَلَيْهِ وَكَوْنُ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ اهـ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وينتفع بها) أي: يباح له الانتفاع بها (لو كان فقيرا) لما رواه البزار من قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن اللقطة فقال: (لا تحل اللقطة فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فإن جاء صاحبه فليرده إليه وإن لم يأت فليتصدق به) والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة وإذا كان المبيح هو الفقر فلا فرق بين الواجد وغيره في الانتفاع بها نظرا للمالك لأنها بتقدير مجيبه تكون مضمونة على المنتفع وإلا كان له ثوابها ومعنى الانتفاع بها صرفها إلى نفسه كما في (الفتح) .

وهذا لا يتحقق ما بقيت في يده لا يملكها كما توهمه في (البحر) لما أنها باقية على ملك صاحبها ما لم يتصرف فيها حتى لو كانت أقل من نصاب وعنده ما يصير به نصابا حال عليه الحول تحت يده لا يجب عليه زكاة، وإطلاقه كغيره يفيد أن هذا لا يتوقف على أمر القاضي والمسطور في (الخانية) توقف حال الانتفاع على إذنه حيث

٧٬٧٥٨

قال: وإن كان الملتقط فقيرا إن أذن له القاضي أن ينفقها على نفسه يحل له أن ينفق ولا يحل بغير إذن القاضي عند عامة العلماء،

٧٬٧٥٩

وقال بشر: يحل، ثم قال: وجد عرضا لقطة فعرفها ولم يجد صاحبها وهو فقير باعها وأنفق الثمن إلى نفسه ثم أصاب مالا.

قالوا: لا يجب عليه أن يتصدق على الفقراء بمثل ما أنفق على نفسه انتهى. وهو المختار كما في (الولوالجية) فلم يقيد البيع بإذن القاضي قيد بالفقير لأن الغني لا يحل له الانتفاع بها إلا بطريق القرض لكن بإذن الإمام

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَيَنْتَفِعُ بِهَا لَوْ فَقِيرًا وَإِلَّا تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ وَصَحَّ عَلَى أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ لَوْ فُقَرَاءَ) يَعْنِي يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاللُّقَطَةِ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا لَمْ يَجُزْ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفَقِيرِ أَجْنَبِيًّا كَانَ أَوْ قَرِيبًا لَهُ أَوْ زَوْجَةً لَهُ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِدُونِ رِضَاءٍ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} الْآيَةُ وَقَوْلِهِ {وَلا تَعْتَدُوا} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلْفَقِيرِ بِطَرِيقِ التَّصَدُّقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ» أَوْ لِلْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ غَيْرُهُ مُحَرَّمَ التَّنَاوُلِ عَلَى الْأَصْلِ فَإِذَا كَانَ الْمُبِيحُ هُوَ الْفَقْرُ فَلَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ الْوَاجِدَ لَهَا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ الْأَجَانِبَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْكُلِّ وَهُوَ التَّصَدُّقُ عَلَى مُحْتَاجٍ وَأَبَاحَ الشَّافِعِيُّ لِلْوَاجِدِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْفَقِيرِ حَمْلًا لَهُ عَلَى رَفْعِهَا صِيَانَةً لَهَا وَالْغَنِيُّ يُشَارِكُهُ فِيهِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ فَيَجُوزُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ فَقْرَهُ

٦٬٠٤٧

إمَّا لِدُيُونٍ عَلَيْهِ أَوْ لِقِلَّةِ مَالِهِ أَوْ يَكُونُ إذْنًا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا مِنْ الْإِمَامِ عَلَى سَبِيلِ الْقَرْضِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ مَالَ كَافِرٍ حَرْبِيٍّ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ بِهَا سَعَةٌ يَوْمَئِذٍ وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ وَالْغَنِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْذِ لِاحْتِمَالِ افْتِقَارِهِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ وَالْفَقِيرُ قَدْ يَتَوَانَى لِاحْتِمَالِ اسْتِغْنَائِهِ فِيهَا وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِلُقَطَةِ الْحَرَمِ لِأَحَدٍ بَلْ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ»

تعليق

وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ لُقَطَةٍ فِي بَلَدِ مَكَّةَ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا نَظَرًا لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى مَنْ انْتَفَعَ بِهَا وَعَلَى مَنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهِ إبْقَاؤُهَا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِ وَإِلَّا فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا رُوِيَ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّعْرِيفُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلْغُرَبَاءِ ظَاهِرًا أَوْ وَهْمًا فَنَقُولُ إنَّ مَالِكَهَا قَدْ ذَهَبَ فَيَأْخُذُهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاللُّقَطَةِ إذَا كَانَ فَقِيرًا) أَيْ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَاجِدَ الرِّكَازِ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَضْعِ الْخُمُسِ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا. اهـ. وَلْوَالِجِيٌّ

(قَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيْ وَكَانَ مِنْ الْمَيَاسِيرِ. اهـ. هِدَايَةٌ قَوْلُهُ وَكَانَ مِنْ الْمَيَاسِيرِ أَيْ حَيْثُ قَالَ اخْلِطْهَا بِمَالِك. اهـ. كَاكِيٌّ [كِتَابُ الْآبِقِ] (كِتَابُ الْآبِقِ) وَهَذِهِ الْكُتُبُ أَعْنِي اللَّقِيطَ وَاللُّقَطَةَ وَالْآبِقَ وَالْمَفْقُودَ لِتَنَاسُبِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّوَى وَالتَّلَفِ تَوَالَى بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ

٥٬١٥٠

قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ الْإِبَاقُ تَمَرُّدٌ فِي الِانْطِلَاقِ وَهُوَ مِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ وَرَدَاءَةِ الْأَعْرَاقِ يُظْهِرُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ فِرَارًا لِتَصِيرَ مَالِيَّتُهُ دَمَارًا فَرَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ إحْسَانٌ {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ} وَالْآبِقُ هُوَ الَّذِي هَرَبَ مِنْ مَالِكِهِ قَصْدًا وَالضَّالُّ هُوَ الَّذِي ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ أَيْ مَنْزِلَةً قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ الْكَمَالُ كُلٌّ مَنْ الْآبِقِ وَاللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ تَحَقَّقَ فِيهِ عُرْضَةُ الزَّوَالِ وَالتَّلَفِ إنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فِي الْإِبَاقِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَعْقِيبَ الْجِهَادِ بِهِ

٥٬١٥١

بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ وَكَذَا الْأَوْلَى فِيهِ وَفِي اللُّقَطَةِ التَّرْجَمَةُ بِالْبَابِ لَا الْكِتَابُ وَالْإِبَاقُ فِي اللُّغَةِ الْهَرَبُ أَبَقَ يَأْبَقُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَالْهَرَبُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْقَصْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا قِيلَ هُوَ الْهَرَبُ قَصْدًا نَعَمْ لَوْ قِيلَ الِانْصِرَافُ وَنَحْوُهُ عَنْ الْمَالِكِ كَانَ قَيْدُ الْقَصْدِ مُفِيدًا وَالضَّالُّ لَيْسَ فِيهِ قَصْدُ التَّغَيُّبِ بَلْ هُوَ الْمُنْقَطِعُ عَنْ مَوْلَاهُ لِجَهْلِهِ بِالطَّرِيقِ إلَيْهِ. اهـ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.