وهي مفاوضةٌ إن تضمّنت وكالةً وكفالةً وتساويا مالًا وتصرّفًا ودينًا
الشروح عليها
(: وَهِيَ مُفَاوَضَةٌ إنْ تَضَمَّنَتْ وَكَالَةً وَكَفَالَةً وَتَسَاوَيَا مَالًا وَتَصَرُّفًا وَدَيْنًا) بَيَانٌ لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي،
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمُفَاوَضَةُ الِاشْتِرَاكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُسَاوَاةُ. اهـ.
وَلِذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ يُفَوِّضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرَ الشَّرِكَةِ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ هِيَ مِنْ الْمُسَاوَاةِ قَالَ قَائِلُهُمْ لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا أَيْ مُتَسَاوِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَذَلِكَ بِالْمَالِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهِ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ،
وَكَذَا فِي التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ أَحَدُهُمَا تَصَرُّفًا لَا يَمْلِكُهُ الْآخَرُ فَاتَ التَّسَاوِي،
وَكَذَا فِي الدَّيْنِ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، قَوْلُهُ إذْ هِيَ مِنْ الْمُسَاوَاةِ تَسَاهُلٌ إذْ هِيَ مَادَّةٌ أُخْرَى فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الِاشْتِقَاقُ، بَلْ هِيَ مِنْ التَّفْوِيضِ أَوْ مِنْ الْفَوْضِ الَّذِي مِنْهُ فَاضَ الْمَاءُ إذَا عَمَّ وَانْتَشَرَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمُسَاوَاةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّنْصِيصُ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ فَإِنْ صَرَّحَا بِهَا ثَبَتَ أَحْكَامُهَا إقَامَةً لِلَّفْظِ مَقَامِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا عَلَى تَمَامِ الْمُسَاوَاةِ فِي أَمْرِ الشَّرِكَةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ إتْمَامَ مَعْنَاهَا بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا وَهُمَا حُرَّانِ بَالِغَانِ مُسْلِمَانِ أَوْ ذِمِّيَّانِ شَارَكْتُك فِي جَمِيعِ مَا أَمْلِكُ مِنْ نَقْدٍ، وَقَدْرِ مَا تَمْلِكُ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ الْعَامِّ مِنْ كُلٍّ مِنَّا لِلْآخَرِ فِي التِّجَارَاتِ وَالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَعَلَى أَنَّ كُلًّا ضَامِنٌ عَنْ الْآخَرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَمْرِ كُلِّ بَيْعٍ وَقَدَّمْنَا أَنَّهَا تَصِحُّ خَاصَّةً أَيْضًا لَكِنَّ قَوْلَهُ إنْ تَضَمَّنَتْ وَكَالَةً زَائِدٌ؛
لِأَنَّهُ لَا يَخُصُّ الْمُفَاوَضَةَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدِ شَرِكَةٍ يَتَضَمَّنُهَا وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا وَالْمُرَادُ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ خَصَائِصِهَا، وَلِذَا ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ حُكْمَهَا صَيْرُورَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فِي التِّجَارَةِ فِي النِّصْفِ،
وَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا دَنَانِيرُ وَالْآخَرِ دَرَاهِمُ أَوْ لِأَحَدِهِمَا سُودٌ وَلِلْآخَرِ بِيضٌ جَازَتْ الْمُفَاوَضَةُ إذَا اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالْقِيمَةِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْقِيمَةِ لَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَا نَصُّهُ وَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ لِيَكُونَ اللَّفْظُ دَلِيلًا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ. اهـ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وهي مفاوضة) من التفويض أو من الفوض الذي منه فاض المال إذا عم ومعناه المساواة وما قيل أنها مشتقة منها ففيه تسامح ظاهر.
قال الأفوه الأودي:
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم .... ولا سراة إذا جهالهم سادوا إذا تولى سراة الناس أمرهم .... نمى على ذاك أمر الناس وازدادوا تهدى الأمور بأهل الرأس ما صلحت ....
فإن توت فبالجهال ينقادوا ومعنى البيت لا يصلح أمور الناس حال كونهم متساويين إذا لم يكن لهم أمراء وسادات فإنهم إذا كانوا متساويين فتتحقق المنازعة بينهم والسراة جمع السرى وهو جمع عزيز لا يعرف غيره
وقيل اسم جمع للسرى كذا في (العناية) ومعناه السيد الشريف والمحفوظ في السراة فتح السين، (إن تضمنت وكالة وكفالة) بأن عقداها بلفظ المفاوضة وإن لم يعرفا معناها كما في (السراج) لأن هذا اللفظ جعل علما على إتمام المساواة في الشركة وبه تثبت أحكامها إقامة للفظ مقام المعنى وإلا فلا بد من ذكر تمام معناها بأن كان العاقد يقدر على استيفاء معانيها لأن العبرة في العقود للمعاني، وحينئذ فتستلزم وكالة كل منهما عن الآخر في نصف ما يشتريه لتحقق غرض الشركة وكفالة كل منهما للآخر لتحقق المساواة، وأفاد بقوله: تضمنت أن كلا منهما ليس قصديا فاندفع به ما أورد كيف تصح الوكالة بالمجهول وهلا توقفت الكفالة على القبول؟
لأن ذاك فيما قصد منهما على أن الفتوى في الكفالة على الصحة.
قال الشارح: وقوله إن تضمنت وكالة ليس فيه
فائدة يمتاز به عن غيرها من أنواع الشركة وفي (البحر) أنه زائد لأن هذا لا يخصها وأنت خبير بأنه لا بدع في ذكر شرط الشيء وإن كان شرطا لآخر، (ويتساويا مالا) تصح في الشركة ولا تضر زيادة ما لا تصح فيه الشركة على ما بينه (وتصرفا) بأن يقدر أحدهما على ما يقدر عليه الآخر.
قال في شرح (الدرر) : وهذا مغن عن قوله (ودينا) ، وأوضحه في (إيضاح الإصلاح) بأن التساوي في التصرف يستلزم التساوي في الدين وفسر التصرف كالكفالة والوكالة قال: وهذا تصرف دقيق لا يهتدي لأمثاله إلا من له دربة في هذا الفن
(وَهِيَ مُفَاوَضَةٌ إنْ تَضَمَّنَتْ وَكَالَةً وَكَفَالَةً وَتَسَاوَيَا مَالًا وَتَصَرُّفًا وَدَيْنًا) أَيْ شِرْكَةُ الْعَقْدِ تَكُونُ مُفَاوَضَةً بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا قَالَ الشَّاعِرُ لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةً إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا وَالْمُسَاوَاةُ تَكُونُ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ
وَقِيلَ الْمُفَاوَضَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّفْوِيضِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضُ أَمْرَ الشِّرْكَةِ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِهَذَا كَانَتْ عَامَّةً فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ أَوْ بِالنَّصِّ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمُفَاوَضَةُ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ شَرَائِطَهَا فَيُشْتَرَطُ النَّصُّ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى مُقْتَضَاهَا لِتَكُونَ مَعْلُومَةً ظَاهِرَةً وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الْوَكَالَةُ فِيهَا لِيَتَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الشِّرْكَةُ فِي الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ إلَّا بِالْوَكَالَةِ مِنْهُ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ الْوَكَالَةُ بِالْمَجْهُولِ لَا تَجُوزُ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجُوزَ هَذِهِ الشِّرْكَةُ لِتَضَمُّنِهَا الْوَكَالَةَ بِمَجْهُولِ الْجِنْسِ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّا نَقُولُ التَّوْكِيلُ بِالْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ قَصْدًا.
وَيَصِحُّ ضِمْنًا حَتَّى صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ مَعَ الْجَهَالَةِ لِأَنَّهَا تَوْكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مَجْهُولٍ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ فَكَذَا هَذَا وَأَقْرَبُ مِنْهُ شِرْكَةُ الْعِنَانِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الْوَكَالَةِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَضَمُّنِ عَقْدِ الشِّرْكَةِ الْوَكَالَةَ لِمَا ذَكَرْنَا أَوْ نَقُولُ الْجَهَالَةُ تُفْسِدُ الْعَقْدَ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى الْمُنَازَعَةِ لَا لِذَاتِهَا وَهُنَا لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَتَجُوزُ.
وَقَوْلُهُ إنْ تَضَمَّنَتْ الْوَكَالَةَ لَيْسَ فِيهِ
فَائِدَةٌ تَمْتَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكَةِ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدِ شِرْكَةٍ يَتَضَمَّنُهَا وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا فَلَا تَخْتَصُّ بِالْمُفَاوَضَةِ وَشُرِطَتْ الْكَفَالَةُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الشِّرْكَةِ لِتَثْبُتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا وَلَا يُقَالُ إنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَكَيْفَ جَازَتْ هُنَا مَعَ جَهَالَتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَاكَ فِي التَّكْفِيلِ مَقْصُودًا
وَأَمَّا إذَا دَخَلَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَكَالَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ أَوْ نَقُولُ جَوَّزْنَاهُ لِتَعَامُلِ النَّاسِ وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ وَاشْتُرِطَ التَّسَاوِي فِي الْمَالِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّسَاوِي وَالْمُرَادُ بِهِ التَّسَاوِي فِي مَالٍ تَصِحُّ فِيهِ الشِّرْكَةُ كَالنُّقُودِ وَلَا يَضُرُّهَا التَّفَاضُلُ فِي الْعُرُوضِ وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي التَّصَرُّفِ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ شَرْطٌ فِيهَا وَهِيَ تَفُوتُ عِنْدَ فَوَاتِ الْمُسَاوَاةِ فِي التَّصَرُّفِ كَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَوْ الْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ لِأَنَّ الْحُرَّ الْبَالِغَ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى وَلِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ التَّكْفِيلَ لِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّصَرُّفِ فَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا اشْتَرَى خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَبِيعَهُ وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِ مَا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ لِكَوْنِهِ وَكِيلًا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
وَكَذَا الْمُسْلِمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شِرَائِهِمَا كَمَا يَقْدِرُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ فَفَاتَ الشَّرْطُ وَهَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْكَفَالَةِ وَالْوَكَالَةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِزِيَادَةِ تَصَرُّفٍ يَمْلِكُهُ أَحَدُهُمَا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَهْتَدِي إلَى الْجَائِزِ مِنْ الْعُقُودِ وَنَظِيرُهُ أَنَّهَا تَجُوزُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي بَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَشِرَائِهِ وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّاهُ وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْحَنَفِيَّ وَالشَّافِعِيَّ لَمْ يَتَفَاضَلَا فِي التِّجَارَةِ وَضَمَانِهَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ شِرَاءَ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ جَائِزٌ لَهُمَا وَفِي زَعْمِ الْحَنَفِيِّ جَائِزٌ لَهُمَا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اعْتِقَادِهِمَا
وَكَذَا الْمُحَاجَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ
بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَتَجُوزُ بَيْنَ الْكَافِرَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مِلْكِ التَّصَرُّفِ وَالْكَفَالَةِ وَلَا تَجُوزُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْبَالِغِ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ مِلْكُ التَّصَرُّفِ وَالْكَفَالَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْمُفَاوَضَةُ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِنَانِ كَانَ عِنَانًا لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ إذْ هُوَ أَخَصُّ فَإِذَا بَطَلَ الْأَخَصُّ تَعَيَّنَ لَهُ الْأَعَمُّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَهِيَ مُفَاوَضَةٌ إلَخْ) وَهَذِهِ الشِّرْكَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا تَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا أَعْرِفُ مَا الْمُفَاوَضَةُ
وَقَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَدْرِي مَا الْمُفَاوَضَةُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ انْفِرَادِهِ لَا يَجُوزُ فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ عِنْدَ انْضِمَامِهِمَا بَيَانُهَا أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ الْوَكَالَةَ وَالْكَفَالَةَ، وَالْوَكَالَةُ بِمَجْهُولِ الْجِنْسِ لَا تَجُوزُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالشِّرَاءِ أَوْ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَالْكَفَالَةُ بِمَجْهُولٍ لَا تَصِحُّ أَيْضًا
بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِمَجْهُولٍ لِمَعْلُومٍ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ كَقَوْلِهِ مَا ذَابَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَعَلَيَّ وَهُنَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْوَكَالَةُ بِمَجْهُولِ الْجِنْسِ وَالْكَفَالَةُ بِمَجْهُولٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ وَلِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ شَرْطُهَا الْمُسَاوَاةُ عِنْدَكُمْ وَاعْتِبَارُهَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي مَتَاعِ الْأَهْلِيِّ أَوْ ثِيَابِ الْبَدَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ الْمُفَاوَضَةِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رَوَى أَصْحَابُنَا فِي عَامَّةِ كُتُبِهِمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «فَاوِضُوا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ».
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَقَدْ رُوِيَ جَوَازُ شِرْكَةِ الْمُفَاوَضَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَعَامَلُوا هَذِهِ الشِّرْكَةَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِهَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمُسَاوَاةِ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّا نَشْتَرِطُ الْمُسَاوَاةَ فِي مَالِ التِّجَارَةِ لَا غَيْرُ وَهِيَ مُمْكِنَةٌ فِيهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ مَعَ حَذْفٍ
(قَوْلُهُ قَالَ الشَّاعِرُ) هُوَ الْأَفْوَهُ الْأَوْدِيُّ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ) أَيْ لَا تَصْلُحُ أُمُورُ النَّاسِ حَالَ كَوْنِهِمْ مُتَسَاوِينَ لَا أَشْرَافَ لَهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ وَيَنْهَوْنَهُمْ وَالسَّرَاةُ جَمْعُ سَرَى وَبَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ إذَا تَوَلَّى سَرَاةُ النَّاسِ أَمْرُهُمْ ... نَمَا عَلَى ذَاكَ أَمْرُ الْقَوْمِ وَازْدَادُوا اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فِيمَا بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا) أَمَّا لَوْ كَفَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَجْنَبِيٍّ بِمَالٍ هَلْ يَلْزَمُ الْآخَرُ فِيهِ اخْتِلَافٌ يَجِيءُ. اهـ. دِرَايَةٌ قَوْلُهُ يَجِيءُ أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ خِلَافًا لَهُمَا.
(قَوْلُهُ وَاشْتَرَطَ التَّسَاوِي فِي الْمَالِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُخْتَصَرِهِ وَشَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِتِجَارَةٍ دُونَ شَرِيكِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا مِنْ حُقُوقِ مَا يَتْجُرَانِ فِيهِ لَازِمًا لِلْآخَرِ وَمَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ لِلْآخَرِ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا وَجَبَ لِصَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ وَفِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ عَنْهُ وَيَتَسَاوَيَانِ مَعَ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْأَمْوَالِ فِي قَدْرِهَا وَقِيمَتِهَا فَإِنْ تَفَاوَتَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُفَاوَضَةً وَكَانَتْ عِنَانًا وَيَتَسَاوَيَانِ أَيْضًا فِي الرِّبْحِ لَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ خَاصٌّ فِي يَدِهِ أَوْ مُودِعٌ لَهُ مِمَّا بَيَّنْت لَك أَنَّ الشِّرْكَةَ تَجُوزُ فِيهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مِمَّا لَمْ يَدْخُلْ فِي الشِّرْكَةِ فَسَدَتْ الْمُفَاوَضَةُ
وَكَذَلِكَ إنْ صَارَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ فَإِنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَفْسُدُ وَتَصِيرُ شِرْكَةَ عِنَانٍ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ دَرَاهِمُ أَحَدِهِمَا بِيضٌ وَدَرَاهِمُ الْآخَرِ سُودٌ جَازَتْ الْمُفَاوَضَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الصَّرْفِ فَلَا تَجُوزُ شِرْكَةُ الْمُفَاوَضَةِ لِمَا عُرِفَ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِينَارٍ جَازَتْ إنْ اسْتَوَتْ الْقِيمَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ تَنْعَقِدُ الشِّرْكَةُ عِنَانًا اهـ أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ كَالنُّقُودِ) أَمَّا فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الشِّرْكَةُ كَالْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ وَالدُّيُونِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ حَتَّى لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ لَا تَبْطُلُ الْمُفَاوَضَةُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الدَّيْنَ ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ وَالذَّخِيرَةِ. اهـ. مِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ كَمَا يَقْدِرُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ) وَفِي الْإِيضَاحِ
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مَعَ الْمُرْتَدِّ فَلَا تَجُوزُ الشِّرْكَةُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِمْ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَذَكَرَا فِي الْأَصْلِ، قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ اهـ كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَنَظِيرُهُ أَنَّهَا تَجُوزُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي بَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَشِرَائِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ حَلَالًا
بِخِلَافِ الْحَنَفِيِّ وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ مَعَ الْمَجُوسِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَتَجُوزُ بَيْنَ الْكَافِرَيْنِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَا تَجُوزُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ) أَيْ وَلَا بَيْنَ الْمُكَاتَبَيْنِ. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ) أَيْ وَإِنْ أَذِنَ أَبُوهُمَا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ كَانَ عِنَانًا) أَيْ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الْعِنَانِ لَفْظُ الْمُفَاوَضَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.