والآبق
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَالْآبِقُ) أَيْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْآبِقِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ،
وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْإِبَاقِ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَتِمُّ الْعَقْدُ إذَا لَمْ يُفْسَخْ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ، وَالْمَانِعُ قَدْ ارْتَفَعَ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ كَمَا إذَا أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَهَكَذَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَأَوَّلُوا تِلْكَ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا انْعِقَادُ الْبَيْعِ بِالتَّعَاطِي الْآنَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا بَاعَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ،
وَكَذَا الْيَتِيمُ فِي حِجْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عَقِبَ الْبَيْعِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْيَدِ يَصْلُحُ لِقَبْضِ الْهِبَةِ لَا لِقَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِإِزَاءِ مَالٍ مَقْبُوضٍ مِنْ مَالِ الِابْنِ، وَهَذَا قَبْضٌ لَيْسَ بِإِزَائِهِ مَالٌ يَخْرُجُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ فَكَفَتْ تِلْكَ الْيَدُ لَهُ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ عَادَ إلَى مِلْكِ الصَّغِيرِ هَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّبْيِينِ،
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ الْهِبَةِ خِلَافُهُ قَالَ: وَلَوْ وَهَبَ عَبْدَهُ الْآبِقَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَا يَجُوزُ،
وَإِنْ بَاعَهُ جَازَ اهـ.
فَقَدْ عَكَسَ الْحُكْمَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُونَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا، وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ،
وَلَوْ بَاعَ الْآبِقَ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا يَجُوزُ،
وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ لِيَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ يَجُوزُ لِأَنَّ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْيَدِ فِي الْآبِقِ يَصْلُحُ لِقَبْضِ الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ اهـ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فَذَكَرَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّ الْأَبَ لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ الْمُرْسَلَ فِي حَاجَتِهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ جَازَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْآبِقِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ لَوْ وَهَبَ عَبْدًا لَهُ آبِقًا مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَمَا دَامَ مُتَرَدِّدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَجُوزُ الْهِبَةُ، وَيَصِيرُ الْأَبُ قَابِضًا لِابْنِهِ بِنَفْسِ الْهِبَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ،
وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ تَصَدَّقَ بِعَبْدٍ آبِقٍ لَهُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا يَجُوزُ، وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فَحَصَلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. اهـ. وَشَمِلَ كَلَامُهُ أَيْضًا مَا إذَا بَاعَهُ بَعْدَمَا أَبَقَ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْهُ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ،
وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ
ثُمَّ إنَّ الْمَالِكَ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ الْغَاصِبِ، وَهُوَ آبِقٌ بَعْدُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِبَاقَ إنَّمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ التَّسْلِيمُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ بِأَنْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمَالِكُ
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّسْلِيمُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا يَجُوزُ الْبَيْعُ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْآبِقِ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُرْسَلَ فِي حَاجَةِ الْمَوْلَى يَجُوزُ بَيْعُهُ،
وَلَوْ بَاعَهُ، وَلَيْسَ بِآبِقٍ ثُمَّ أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مَا لَمْ يُحْضِرْ الْعَبْدَ اهـ.
وَجَعَلَ الرَّادَّ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَخَرَجَ أَيْضًا بَيْعُ الْمَغْصُوبِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ إنْ أَقَرَّ بِهِ الْغَاصِبُ تَمَّ الْبَيْعُ، وَلَزِمَ،
وَإِنْ جَحَدَهُ، وَكَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى هَلَكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى هَلَكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بِظَاهِرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْتَقِضَ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْبَيْعَ،
وَإِنْ فَاتَ فَقَدْ أَخْلَفَ بَدَلًا، وَالْمَبِيعُ إذَا فَاتَ، وَأَخْلَفَ بَدَلًا لَا يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي التَّنَقُّضَ فَكَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ انْتَقَضَ الْبَيْعُ إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا إنَّهُ بِظَاهِرِهِ صَحِيحٌ، وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي إلَى آخِرِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَيَّدَ بِبَيْعِهِ لِأَنَّ هِبَتَهُ جَائِزَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ،
وَأَمَّا إعْتَاقُهُ فَجَائِزٌ لَكِنْ إنْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى تُعْلَمَ حَيَاتُهُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ،
وَيَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلَ خُلْعٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى عَبْدٍ أَبَقَ لَهَا عَلَى أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ تَبْرَأْ،
وَأَمَّا جَعْلُهُ بَدَلَ صُلْحٍ.
(قَوْلُهُ وَأَوَّلُوا تِلْكَ الرِّوَايَةَ إلَخْ) هَذَا أَيْضًا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ التَّعَاطِي لَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ بَيْعٍ بَاطِلٍ أَوْ فَاسِدٍ مَا لَمْ يُفْسَخْ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ
(قَوْلُهُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ الْهِبَةِ خِلَافُهُ)
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَوَقَعَ فِي الْخَانِيَّةِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَكْسُ هَذَا الْحُكْمِ،
وَفِي بَعْضِهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَهِيَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ الْأُولَى تَحْرِيفًا، وَلَمْ يَطَّلِعْ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَلَى الثَّانِيَةِ فَجَزَمَ بِالْأُولَى. اهـ.
وَانْظُرْ مَا وَجْهُ جَزْمِهِ بِالْأَوَّلِ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ بِدَلِيلِ اسْتِشْهَادِهِ بِعِبَارَةِ الْمِعْرَاجِ
(قَوْلُهُ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي) أَيْ قَاضِي خَانْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقَطًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالْأَصْلِ، وَالْحَقُّ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَالْآبِقِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَ دُودِ الْقَزِّ لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَهُوَ شَرْطٌ لِجَوَازِهِ
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْسَلِ فِي حَاجَةٍ لِثُبُوتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقْتَ الْعَقْدِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ عَوْدُهُ إلَى مَوْلَاهُ وَلَا كَذَلِكَ الْآبِقُ وَلَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ عِنْدَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْآبِقِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ آبِقًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهَذَا لَيْسَ بِآبِقٍ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي إذْ هُوَ فِي يَدِهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْمُطْلَقُ إذْ هُوَ لَيْسَ بِعَاجِزٍ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَهُوَ الْمَانِعُ ثُمَّ لَا يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ أَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛
لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ مَانِعٌ عَنْ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَقَبْضُ الضَّمَانِ أَقْوَى مِنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ لِتَأَكُّدِ قَبْضِ الضَّمَانِ بِاللُّزُومِ وَالْمِلْكِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ امْتَنَعَ عَنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ يُوجِبُ الْمِلْكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَنَا
بِخِلَافِ قَبْضِ الْأَمَانَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فَكَانَ أَضْعَفَ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْأَقْوَى وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الْأَخْذِ يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ بَلْ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ أَمَانَةً عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا شَرْطٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي اللُّقَطَةِ وَلَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ قَالَ هُوَ عِنْدَ فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ آبِقٌ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَسْخِ لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا لِوُقُوعِهِ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ ثُمَّ أَبَقَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ عَادَ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ عَوْدِهِ يَكْفِي لِبَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى مَا كَانَ دُونَ الِابْتِدَاءِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعُودُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ فِيهِ قَائِمَةٌ فَكَانَ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ فَيَنْعَقِدُ غَيْرَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ فَيَفْسُدُ فَإِذَا آبَ قَبْلَ الْفَسْخِ عَادَ صَحِيحًا لِزَوَالِ الْمَانِعِ فَيُجْبَرَانِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَكَبَيْعِ الْمَرْهُونِ ثُمَّ افْتَكَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ.
وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَبِالْأَوَّلِ كَانَ يُفْتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الثَّلْجِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَلَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ وَلَوْ عَلِمَ حَيَاتَهُ فِي وَقْتِ الْعِتْقِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَوْ وَهَبَهُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِيَتِيمٍ فِي حِجْرِهِ جَازَ،
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْيَدِ يَكْفِي فِي الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ قَالَ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْآبِقِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَصُورَتُهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ أَبَقَ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مَوْلَاهُ فَقَالَ إنَّ عَبْدَك قَدْ أَخَذْته وَهُوَ عِنْدِي فِي الْبَيْتِ فَبِعْنِيهِ فَبَاعَهُ مِنْهُ قَالَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَإِنْ قَالَ أَخَذَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَهُوَ عِنْدَهُ فَبِعْهُ مِنِّي فَصَدَّقَهُ الرَّجُلُ بِمَا قَالَ فَبَاعَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ إلَى هُنَا لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْسَلِ فِي حَاجَتِهِ)
قَالَ فِي الدِّرَايَةِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُرْسَلُ فِي حَاجَتِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْمُطْلَقُ) أَيْ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُطْلَقَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُقَيَّدَ وَلِأَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي زَالَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ أَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ) أَيْ حَتَّى إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ تَجْدِيدِ الْقَبْضِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَبَضَ الْأَمَانَةَ لِكَوْنِهِ أَدْنَى حَالًا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
( قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الْأَخْذِ يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا) أَيْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ غَاصِبًا وَقَبْضُ الْغَصْبِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ وَهُوَ قَبْضُ ضَمَانٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ مَا لَيْسَ فِي يَدِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا لِوُقُوعِهِ بَاطِلًا) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ عَادَ مِنْ إبَاقِهِ وَقَدْ بَاعَهُ مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ هَلْ يَعُودُ الْبَيْعُ جَائِزًا إذَا سَلَّمَهُ فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَعُودُ صَحِيحًا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا إذَا بَاعَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَاعَ طَيْرًا فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ أَخَذَهُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَهُوَ مُخْتَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَالثَّلْجِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَجِبُ كَوْنُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ وَالْمِلْكِ فِي الْآبِقِ وَلِذَا صَحَّ عِتْقُهُ فَكَانَ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ إذَا افْتَكَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَفَسْخِ الْقَاضِي لِلْبَيْعِ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ حَتَّى إذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ تَسْلِيمِهِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبُولِهِ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ الْفَسْخِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ بَعْدَ أَنْ فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ أَوْ تَخَاصَمَا فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ فَالْحَقُّ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ وَالْمَشَايِخِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ فَاسِدٌ فَإِنَّك عَلِمْت أَنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ فِي الْفَاسِدِ يَرُدُّهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَائِمٌ مَعَ الْفَسَادِ وَارْتِفَاعُ الْمُبْطِلِ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِصِفَةِ الْبُطْلَانِ بَلْ مَعْدُومًا فَوَجْهُ الْبُطْلَانِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَوَجْهُ الْفَسَادِ قِيَامُ الْمَالِيَّةِ وَالْمِلْكِ وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ مُفْسِدٌ لَا مُبْطِلٌ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ بَاعَ الْآبِقَ ثُمَّ سَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لَا يَجُوزُ؛
لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَكَانَ بَاطِلًا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.