ويباع دود القزّ وبيضه
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَيُبَاعُ دُودُ الْقَزِّ وَبَيْضُهُ)
أَمَّا الدُّودُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مِنْ الْهَوَامِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ إذَا ظَهَرَ فِيهِ الْقَزُّ تَبَعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ،
وَأَمَّا بَيْضُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ،
وَقِيلَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي دُودِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الدُّودِ، وَالْبَيْضِ لِكَوْنِهِ الْمُفْتَى بِهِ، وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا فِي بَيْعِ النَّحْلِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ فَلِمَ اخْتَارَ قَوْلَهُ فِي الدُّودِ دُونَ النَّحْلِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيهِمَا،
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْقَزُّ مُعَرَّبٌ قَالَ اللَّيْثُ هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَزُّ وَالْإِبْرَيْسَمُ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ. اهـ.
وَأَمَّا الْخَزُّ فَاسْمُ دَابَّةٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّخَذِ مِنْ وَبَرِهَا، وَالْجَمْعُ خِزَّانٌ مِثْلُ صُرَدٍ وَصِرْدَانٍ مِنْهُ أَيْضًا قَيَّدَ بِالنَّحْلِ وَالدُّودِ لِأَنَّ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْهَوَامِّ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْبَحْرِ إلَّا السَّمَكَ كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَفَرَسِ الْبَحْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا اشْتَرَى الْعَلَقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ مَرْعَلٌ يَجُوزُ، بِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ لِتَمَوُّلِ النَّاسِ لَهُ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْعَلَقُ شَيْءٌ أَسْوَدُ شَبِيهُ الدُّودِ يَكُونُ فِي الْمَاءِ يَعْلَقُ بِأَفْوَاهِ الْإِبِلِ عِنْدَ الشُّرْبِ اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدُّودُ، وَوَرَقُ التُّوتِ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقَزُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ،
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْهُمَا، وَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ،
وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ امْرَأَةٌ أَعْطَتْ امْرَأَةً بِزْرَ الْقَزِّ، وَهُوَ بِزْرُ الْفَيْلَقِ بِالنِّصْفِ فَقَامَتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَدْرَكَ فَالْفَلِيقُ لِصَاحِبَةِ الْبِزْرِ لِأَنَّهُ حَدَثَ مِنْ بِزْرِهَا، وَلَهَا عَلَى صَاحِبَةِ الْبِزْرِ قِيمَةُ الْأَوْرَاقِ، وَأَجْرُ مِثْلِهَا،
وَمِثْلُهُ إذَا دَفَعَ بَقَرَةً إلَى آخَرَ يَعْلِفُهَا لِيَكُونَ الْحَادِثُ بَيْنَهُمَا بِالنِّصْفِ فَالْحَادِثُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَقَرَةِ، وَلَهُ عَلَى صَاحِبِ الْبَقَرَةِ ثَمَنُ الْعَلَفِ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا دَفَعَ الدَّجَاجَ لِيَكُونَ الْبَيْضُ بِالنِّصْفِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَحَلُّهَا كِتَابُ الْإِجَارَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ بَيْعَ الْحَمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ فَقَالَ: وَالْحَمَامُ إذَا عَلِمَ عَدَدَهَا، وَأَمْكَنَ تَسْلِيمُهَا جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا بَاعَ بُرْجَ حَمَامٍ مَعَ الْحَمَامِ فَإِنْ بَاعَ لَيْلًا جَازَ لِأَنَّ فِي اللَّيْلِ يَكُونُ الْحَمَامُ بِجُمْلَتِهِ دَاخِلَ الْبُرْجِ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الِاحْتِيَالِ فَيَكُونُ بَائِعًا مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ،
وَفِي النَّهَارِ يَكُونُ بَعْضُهُ خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِالِاحْتِيَالِ فَلَا يَجُوزُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّحْلِ وَالدُّودِ حَيْثُ أَجَازَ بَيْعَهُ تَبَعًا دُونَ الدُّودِ، وَلَا إشْكَالَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي النَّحْلِ تَبَعًا
(قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيهِمَا) اسْتَبْعَدَهُ فِي النَّهْرِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ، وَكَأَنَّهُ لِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ فِي النَّحْلِ،
وَكَذَا اسْتَبْعَدَهُ الرَّمْلِيُّ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ رُبَّمَا قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُ اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا فِي النَّحْلِ، وَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِفَارِقٍ يَلُوحُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَيْلًا،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَهَارًا لِأَنَّهُ يَكُونُ مُجْتَمِعًا حَالَةَ اللَّيْلِ مُتَفَرِّقًا حَالَةَ النَّهَارِ فِي الْمَرَاعِي.
(قَوْلُهُ وَلَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا اشْتَرَى الْعَلَفَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي بَيْعِ الدُّودَةِ، وَهِيَ الْقِرْمِزُ الَّتِي يُصْبَغُ بِهَا بِنَاءً عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهَا دُودٌ لَهُ رُوحٌ يُخْنَقُ بِالْكِلْسِ، وَبِالْخَلِّ، وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْجَوَازُ فَإِنَّهَا كَثِيرَةُ الِاحْتِيَاجِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَهَا مَدَاخِلُ كَثِيرَةٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ، وَهِيَ مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ أَجَازُوا بَيْعَ السِّرْقِينِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فَإِنْ بَاعَ لَيْلًا جَازَ إلَخْ)
أَلْغَزَ فِيهِ الشَّيْخُ رَمَضَانُ الْعُطَيْفِيُّ فَقَالَ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ الْمَكْتُوبَةِ بِخَطِّهِ:
يَا إمَامًا فِي فِقْهِ نُعْمَانَ أَضْحَى ... حَائِزًا لِسَبْقٍ مُفْرَدًا لَا يُجَارَى أَيُّ بَيْتٍ يَجُوزُ بَيْعُك إيَّا ... هـ بِلَيْلٍ وَلَا يَجُوزُ نَهَارًا اهـ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ إنَّهُ إذَا عَلِمَ عَوْدَهُ، وَأَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ يَجُوزُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ بِالنَّهَارِ فَرَاجِعْهُ.
(ويباع دود القز) أي: الإبريسم (وبيضه) وهو البزر الذي يكون منه الدود وهذا قول محمد،
أما في الدود فلكونه منتفعًا به.
وأما في البيض فلمكان الضرورة وعليه الفتوى، وأجاز السلم فيه كيلًا إذا كان وقته وجعل ينتهي الأجل في وقته، واختاره المصنف هنا دون النحل وقد علمت أن الفتوى على قوله فيه أيضًا وكأنه لقوة المدرك عنده في النحل، وما في (البحر) لعله لم يطلع على ترجيح قوله مع أنه في (الخلاصة) فأبعد من البعيد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز البيع فيهما لأنه من الهوام وبيضه غير منتفع به بل مما يحدث منه وهو معدوم في الحال، وأبو يوسف معه في الدود إلا إذا ظهر فيه القز فيجوز بيعه تبعًا، ومع محمد في البيض لمكان الضرورة.
واعلم أنه يحتاج على قول الإمام إلى الفرق بين النحل والدود حيث أجاز بيعه تبعًا للدور، ولا إشكال على ما روي عن الكرخي أنه لا يجوز في النحل تبعًا، ولا خلاف أن ما سواهما من الهوام لا يجوز بيعه كالحيات والعقارب والوزغ ونحوهما،
ولا يجوز بيع شيء من البحر إلا السمك كالضفدع والسلطان والسلحفاة وفرس البحر وغير ذلك.
تتمة: أعطت امرأة لأخرى بزر القز بالنصف فقامت عليه حتى أدرك فالتعليق لصاحبة البزر لأنه حدث من بزرها، ولها على صاحبة البزر قيمة الأوراق وأجرة مثلها، والآبق إلا أن يبيعه ممن يزعم أنه عنده
ومثله ما لو دفع لآخر بقرة ليكون الحادث بينهما بالنصف فالحادث كله لصاحب البقرة وله على صاحبها قيمة العلف وأجرة مثله، وعلى هذا إذا دفع الدجاج ليكون البيض بالنصف، كذا في (الفتح) ، والمتعارف في أرياف مصر دفع البيض ليكون الخارج منه بالنصف مثلًا وهو وزان دفع القز بالنصف الخارج كله لصاحب البيض وللعامل أجر مثله والله أعلم.
ولم يجز أيضًا بيع الآبق للنهي عنه كما رواه ابن ماجة وغيره، وإطلاقه يعم ما لو باعه لولده الصغير أو ليتيم في حجره،
ولو وهبه لهما صح، والفرق أن شرط البيع القدرة على التسليم عقبه وهو منتف وما بقي له من الملك يصلح لقبض الهبة لا للبيع لأنه بإزاء مال مقبوض من مال الابن
بخلاف الهبة فكفت تلك اليد له نظرًا للصغيرة. ووقع في (الخانية) في بعض النسخ عكس هذا الحكم وفي بعضها كما ذكرنا وهي المعول عليها وكان الأولى تحريف، ولم يطلع صاحب (البحر) على الثانية فجزم بالأولى، وقالوا: لو أعتقه نفد عتقه ولو عن كفارة اشترط في إجزائه عنها العلم بحياته،
ولو عاد وسلمه لا ينقل بالبيع صحيحًا في ظاهر الرواية وهو مختار الثلجي ومشايخ بلخ، وعن الإمام أنه يعود، واختاره الكرخي وجماعة، والاختلاف مبني على أنه باطل أو فاسد فمن قال بالأول قال: إنه لا يعود ومن قال بالثاني قال: إنه يعود، لأن ارتفاع المفسد في الفاسد يرده صحيحًا وخرج الآبق المرسل في حاجة المولى فإنه يجوز بيعه لأنه مقدور التسليم وقت العقد حكمًا إذ الظاهر عوده،
ولو أبق بعد البيع قبل القبض خير المشتري في فسخ العقد.
(وَيُبَاعُ دُودُ الْقَزِّ وَبَيْضُهُ) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الدُّودِ وَمَعَ مُحَمَّدٍ فِي بَيْضِهِ
وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا مَعَهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدُّودَ مِنْ الْهَوَامِّ وَبَيْضُهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَأَشْبَهَ الْخَنَافِسَ وَالْوَزَغَاتِ وَبَيْضِهَا وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الدُّودَ يُنْتَفَعُ بِهِ،
وَكَذَا بَيْضُهُ فِي الْمَآلِ فَصَارَ كَالْجَحْشِ وَالْمَهْرِ وَلِأَنَّ النَّاسَ قَدْ تَعَامَلُوهُ فَمَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَصَارَ كَالِاسْتِصْنَاعِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ
(قَوْلُهُ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الدُّودِ) أَيْ إلَّا إذَا ظَهَرَ فِيهِ الْقَزُّ فَيُجِيزُهُ تَبَعًا لِلْقَزِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا مَعَهُ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَقِيلَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي دُودِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ لِلتَّعَامُلِ. اهـ. .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.