وتقضي المرأة في غير حدٍّ وقودٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي غَيْرِهِمَا فَكَانَتْ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لَكِنْ يَأْثَمُ الْمُوَلِّي لَهَا لِلْحَدِيثِ «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً وَنَاظِرَةً فِي الْأَوْقَافِ وَوَصِيَّةً عَلَى الْيَتَامَى اهـ.
فَظَاهِرُهُ صِحَّةُ تَقْرِيرِهَا فِي النَّظَرِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْأَوْقَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَقَدْ أَفْتَيْت فِيمَنْ شَرَطَ الشَّهَادَةَ فِي وَقْفِهِ لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ فَمَاتَ وَتَرَكَ بِنْتًا أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ وَظِيفَةَ الشَّهَادَةِ وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا،
وَأَمَّا سَلْطَنَتُهَا فَصَحِيحَةٌ وَقَدْ وَلِيَ مِصْرَ امْرَأَةٌ تُسَمَّى شَجَرَةُ الدُّرِّ جَارِيَةُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ أَيُّوبَ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَضَتْ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَرَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَمْضَاهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَهُ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى صَلَاحِيَّتِهَا لِلنَّظَّارَةِ عَلَى الْوَقْفِ وَالْوِصَايَةِ عَلَى الْيَتَامَى بِالْأَوْلَى كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَأَمَّا قَضَاءُ الْخُنْثَى فَيَصِحُّ بِالْأُولَى وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِشُبْهَةِ الْأُنُوثَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْتَيْت فِيمَنْ شَرَطَ الشَّهَادَةَ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ كَأَنَّهُ عَلَّقَ فِي الْفَتْحِ قَوْلَهُ فِي الْأَوْقَافِ بِشَهَادَةٍ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَتْحِ إنَّمَا اسْتَظْهَرَ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ سَلْبِ وِلَايَتِهَا مَعَ نُقْصَانِ عَقْلِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاحِيَّتَهَا شَاهِدَةٌ فِي الْأَمْوَالِ اتِّفَاقًا فِيهِ إثْبَاتُ وِلَايَتِهَا وَالْقَضَاءُ أَهْلُهُ أَهْلُ الشَّهَادَةِ وَلَوْ عَلَّقَ فِي الْأَوْقَافِ بِشَاهِدَةٍ لَقَصُرَ عَنْ إفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَعُرْفُ الْوَاقِفِينَ مُرَاعًى وَلَمْ يَتَّفِقْ تَقْرِيرُ أُنْثَى شَاهِدَةً فِي وَقْفٍ فِي زَمَنٍ مَا فِيمَا عَلِمْنَا فَوَجَبَ صَرْفُ أَلْفَاظِهِ إلَى مَا تَعَارَفُوهُ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِ وَاقِفٍ وَلَمْ يَسِرْ ذِهْنُهُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْ الشَّاهِدِ الْكَامِلَ فَكَيْفَ يُصْرَفُ لَفْظُهُ إلَى غَيْرِ مُرَادِهِ وَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْبَرِّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ رِوَايَةِ دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ؛
لِأَنَّ عُرْفَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ وَلَا يَسْرِي إلَى أَذْهَانِهِمْ غَالِبًا سِوَاهُ فَاعْتُبِرَ عُرْفُهُمْ وَقَالَ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُصَحَّحَ رِوَايَةُ دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ أَيْضًا قَطْعًا؛ لِأَنَّ فِيهَا نَصُّ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَدْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَفْهَمُونَ سِوَى ذَلِكَ وَلَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُهُمْ وَعُرْفُهُمْ اهـ.
وَهَذَا بُرْهَانٌ بَيِّنٌ لِمَا ادَّعَيْنَاهُ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَقْرِيرُهَا فِي شَهَادَةِ وَقْفٍ ابْتِدَاءً غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ.
وَذَكَرَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ مُوَافَقَةَ مَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا نَصُّهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْأَوْقَافِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا لَا بِنَاظِرَةٍ فَقَطْ،
وَأَمَّا قَوْلُ الْمَقْدِسِيَّ فَالْمُتَعَارَفُ فِي الْأَوْقَافِ خِلَافُ هَذَا فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ شَهَادَتَهَا فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ جَائِزٌ فَكَذَا قَضَاؤُهَا صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَقْرِيرِهَا فِي الْأَوْقَافِ اهـ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ
قُلْتُ: كَلَامُ الْأَصْحَابِ يُفِيدُ صِحَّةَ تَقْرِيرِهَا شَاهِدَةً ابْتِدَاءً خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ،
وَأَمَّا إفَادَتُهُ لِدُخُولِهَا فِي الْوَاقِعَةِ الْمُسْتَفْتَى عَنْهَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ وَهَذَا هُوَ الْإِنْصَافُ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ قَاضٍ إلَّا أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ الْقَضَاءَ غَيْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي مَنْشُورِهِ ذَلِكَ أَوْ قِيلَ لَهُ مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ وَلَّى غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْأَوَّلِ (م) وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ
ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ الْحُكْمَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ بِحَالٍ يَجُوزُ حُكْمُهُ لَوْ كَانَ قَاضِيًا جَازَ إمْضَاءُ الْقَاضِي حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَوْ كَانَ قَاضِيًا يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ كَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ جَازَ إمْضَاؤُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَافِ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ جَازَ فَهَذَا الْقَاضِي الثَّانِي يَصِيرُ قَاضِيًا مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَنْ يَعْزِلَ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ لِلْأَوَّلِ تَسْتَبْدِلُ مَنْ شِئْت. اهـ.
(وتقضي المرأة) أي: يصح قضاؤها (في غير حد وقود) أي: قصاص لما مر من أن أهله أهل الشهادة ولا شك في جواز شهادتها في غير ما ذكر فكذا قضاؤها إلا أن توليها إثم لخبر البخاري (خاب قوم ولو أمرهم امرأة) . والظاهر أن الخنثى المشكل كالمرأة هنا وإخبار الشارع بنقصان عقلها لا يفيد أهليتها بالكلية، ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى؟ ثم هو منسوب إلى الجنس فجاز في المفرد خلافه، كذا في (الفتح) ومن حوادث الفتاوى أن واقفًا شرط الشهادة في وقفه لزيد ثم لولده من بعده فلم يترك بعده إلا بيتًا فأفتى الشيخ الأخ باستحقاقها للوظيفة، واستغربه بعض القضاة ولا اعتبار به بعد ما ذكرنا انتهى.
وكان علق في (الفتح) قوله في الأوقاف شاهدة، وعندي فيه نظر لأن صاحب (الفتح) إنما استظهر بهذا على عدم سلب ولايتها مع نقصان عقلها، ولا شك أن صلاحيتها في الأموال اتفاقًا فيه إثبات ولايتها والقضاء أهله أهل الشهادة،
ولو علق في الأوقاف شاهدة لقصر عن إفادة هذا المعنى المقصود هو الأول لمن تأمل وبتقدير التسليم فعرف الواقفين مراعى، ولم يتفق تقريره أنثى شاهدة في وقف في زمن ما ولا يستخلف قاض إلا أن يفوض إليه ذلك فيما علمنا فوجب صرف ألفاظه إلى ما تعارفوه،
وإذا كان هذا المعنى لم يخطر ببال واقف ولم يسر ذهنه إليه وإنما أراد من الشاهد الكامل فكيف يصرف لفظه إلى غير مراده؟ وقد قال شيخ الإسلام عبد البر في شرح (الوهبانية) : ينبغي ترجيح رواية دخول أولاد البنات فيما لو وقف على ذريته لأن عرفهم عليه ولا يعرفون غيره ولا يسري إلى أذهانهم غالبًا سواه فاعتبر عرفهم وقال: فيما لو وقف على ولده وولد ولده ينبغي أن تصح رواية دخول أولاد البنات أيضًا قطعًا لأن فيها نص محمد عن أصحابنا، وقد انضم إلى ذلك أن الناس في هذا الزمان لا يفهمون سوى ذلك ولا يقصدون غيره وعليه عملهم وعرفهم انتهى.
وهذا برهان بين لما ادعيناه فوجب الحكم مقتضاه،
وإذا عرف هذا فتقريرها في شهادة وقف ابتداء غير صحيح والله الموفق.
وفي (الخلاصة) لو قضت في الحدود والقصاص فدفع إلى قاض آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله انتهى،
(وَتَقْضِي الْمَرْأَةُ فِي غَيْرِ حَدٍّ وَقَوَدٍ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَسْتَقِي مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَشَهَادَتُهَا جَائِزَةٌ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ فَكَذَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا فِيهِ،
وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَشَهَادَتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الْبَدَلِيَّةِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ لِقُصُورِ عَقْلِهَا قُلْنَا هِيَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَبِهِ تَصِيرُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فَكَذَا لِلْقَضَاءِ كَالرَّجُلِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.